فرات دير الزور في «ستوديو جلال»

فرات دير الزور في «ستوديو جلال»

01-06-2026 09:56 AM

حين تتناول هذه السطور مدينة القامشلي، درّة الشمال الشرقي في سوريا، مسقط الرأس وحاضنة الطفولة واليفاعة، وسجلّ الذاكرة الأعلى احتشاداً بالمادّي والمجازي في آن معاً؛ فإنّ الشهادة عنها، بشراً وبيئة ومخيّلة وعبقرية إثنية ولغوية وبصرية تعددية، مطعون بها مبدئياً ومنطقياً، وبالضرورة أيضاً.
ليست أقلّ احتمالاً للطعن، وهو هنا عاطفيّ الارتكاز غالباً ولا يتكئ على أيّ انفرد مناطقي أو إثني، شهادتي عن دير الزور، المحافظة والمدينة معاً؛ حيث انتسابي لجهة الأب والأم والمحتد، وحيث تركت في ثرى مقابرها حفنة من أعزّ الأعزاء، ابتداء من الوالدة والوالد وأهل وأحباب وأصدقاء، وليس انتهاء برفاق درب وتنظيم سياسي أمثال إبراهيم عباس (أبو عزيز) ووليد حسون (أبو محجوب)، وآخرين.
فصول ديرية كثيرة حافلة، راسخة عميقاً في الذاكرة الشخصية لهذه السطور، عادت مراراً إلى انتعاش وتفتّح ويقظة خلال عقود الاغتراب عن المدينة، داخل سوريا وخارجها أيضاً؛ اتخذ بعضها صفة وجدانية خالصة، لم يكن ممكناً تفادي النوستالجيا في طياتها؛ كما ذهب بعضها الآخر صوب سوريا البلد إجمالاً، وليس دير الزور المدينة وحدها، خلال سنوات الانتفاضة الشعبية بعد آذار (مارس) 2011؛ ولكن لم يغبْ عنها، دائماً، ذلك التثمين الجمالي والبصري لبيئة فائقة السحر، متعددة المفاتن، فريدة التكامل، تجمع عواصف الغبار الخانقة حرفياً («العجاج» في التعبير الديري) بمغاني نهرها الخالد الفرات.
واليوم، إذْ يعود هذا الخالد، أحد أغنى أنهار البسيطة احتضاناً للحضارات والعمران الإنساني واختلاط التواريخ بالأساطير، إلى صدارة وقائع سوريا الراهنة؛ فإنه يستنفر في الذاكرة ملفات عديدة، وتكاد المسامّ خلف هذه السطور تستشعر الرجفة الأولى للسباحات الأبكر في فرات «الحسينية»، حيث تراتيل «الغرّاف» تستجمع مثيلات لها في أنهار جغجغ القامشلي، ودجلة عين ديوار، وخابور تل تمر.
ولعلّ مشاهد الفيضان اليوم تستنفر من ملفات الذاكرة الشخصية الديرية، مثلما تنصف وتعيد تثمين أحد أبهى فناني هذه المدينة، وأحد كبار أبنائها البررة، وأحد أبرع المتفانين في تسجيل جمالياتها العبقرية: المصوّر الفوتوغرافي جلال الحسن (1922 ــ 1992)، صاحب «ستوديو جلال» الشهير، الذي كان يقع في الشارع العام، وكان أقرب إلى غاليري معارض فنية تشكيلية ونحتية وفوتوغرافية، منه إلى ستوديو تصوير بالمعنى التقليدي. هناك، داخل صالة الستوديو أو في واجهته، تعرفت هذه السطور على منحوتات ولوحات وأعمال شتى لأبرز فناني المدينة، حيث كان المصوّر راعي فنون شجاعاً وبصيراً ومبادراً، وسط ما يشبه بيداء ثقافية قاحلة دأبت أجهزة حافظ الأسد على خنق طاقاتها الإبداعية، وتجييرها لخدمة الاستبداد والفساد، وإفقارها منهجياً.
وتاريخ دير الزور الحديث مع فيضانات الفرات يسجّل «فيضة أبو عبار» الشهيرة، سنة 1929، التي حفظتها الأغاني والأشعار الشعبية قبل سجلات التوثيق المعتادة؛ كما في قصيدة غنائية يلجأ الشاعر خلالها إلى تشبيه عشقه الجارف بما كانت عليه مياه النهر، هكذا (في تحويل إلى الفصحى): لو رأيتَ تلك السنة/ كيف كان النهر هدّاراً/ تقول كأنه شوقي لك/ ساعة طفح بي! لكن فيضان ربيع 1967، وما اقترن به من سيول جارفة آتية من جهات البادية الشامية، هو الذي حظي بعدسة جلال الحسن، التي التقطت عشرات المشاهد المذهلة، في مختلف أرجاء المدينة كما في ريفها وضواحيها.
وفي عداد أثمن الخسائر الفادحة ضمن أرشيف فوتوغرافي شخصي حافل، اضطررتُ إلى مفارقته بعد أن أجبرتني ملاحقة الأجهزة الأمنية على الدخول في الحياة السرّية، كانت مجموعة صور «ستوديو جلال» التي تسجل فيضان 1967؛ خاصة تلك الأماكن والمواقع التي شاءت بعض أسخى أقداري أن أتعرف إليها عيانياً، وأن أشاطر أهلها الخبز والملح، وأن أسبح في فراتها… الهادئ الوديع الدافق، حين «ترقص الأضواء كالأقمار في نهر» حسب بدر شاكر السياب؛ أو كما في معلقة النابغة الذبياني، التي تستحضر الزبد والخرّوب والأغصان المتقصفة: «فَما الفُراتُ إِذا هبَّ الرِياحُ لهُ/ ترمي أَواذِيُّهُ العِبرَينِ بِالزَبَدِ/ يمُدُّهُ كلُّ وادٍ مُترَعٍ لَجِبٍ/ فيهِ رِكامٌ مِنَ اليَنبوتِ وَالخَضَدِ».
الصورة الفوتوغرافية بالأبيض والأسود كانت معادلة جلال الحسن الكبرى، ولعلها ظلت الوحيدة لديه لجهة الإلحاح الجمالي والفني والبصري، وليس البتة لأنه كان غير قادر على التعامل مع تقنيات التلوين المختلفة، أو لأنها لم تكن متطورة ومتوفرة خلال ستينيات وسبعينيات القرن المنصرم. وأساس هذا الخيار نهض أغلب الظنّ وكما تفيد مئات من أعمال الفنان الكبير الراحل، على ولع بتوظيف مساحات الضوء بين الأبيض والأسود والرمادي، وإدارة ما يقترب من «ملاعبة» إيقاعات التدرج بين سطوع أو خفوت، التماع أو خمد، إشراق أو انحسار، وفجر أو غروب. صحيح، بالطبع، أنّ انغمار السطوح الأرضية بالمساحات المائية كان يزوّد العدسة بمزيج تشكيلي طبيعي أو حتى تلقائي، إلا أنّ حدس الفنان كان هو الرائد في تسخير الزوايا، وتنظيم طراز أخاذ من «المراقصة» بين ليونة فضاء الأبيض وصرامة طَلْس الأسود.
وإذْ لا تُغفل، أبداً، ما حاقت بمحافظات دير الزور والرقة والحسكة من مظالم خلال عصور سوريا الحديثة، منذ انقلاب 1963 وحتى هذه الأيام؛ فإنّ الفرات العظيم لا يهدر مذكّراً بحقوق شمال سوريا الشرقي فقط، بل يستحضر أيضاً أبهى ما كان على ضفافه، وما سوف يكون.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد