دريفوس: ملائكة الذاكرة وشياطينها

دريفوس: ملائكة الذاكرة وشياطينها

20-07-2026 10:12 AM

طاف النقيب الفرنسي ألفرد دريفوس (1859 ـ 1935) في عديد من ساحات العاصمة الفرنسية وشوارعها وأحيائها، وابتدأ طوافه من رفض المدرسة العسكرية في باريس استقباله، ورضوخ الرئيس الفرنسي الأسبق، فرنسوا ميتيران، لرغبة الجنرالات، ثم أقام في حديقة التويلري الشهيرة، على مقربة أمتار من الجمعية الوطنية ومتحف اللوفر وجادة الشانزيليزيه، ونُقل بعدها إلى باحة مقابلة لمبنى سجن شيرش ـ ميدي القديم، الذي سبق أن احتُجز فيه بعد إدانته. ومؤخراً، استقرّ به المقام في موقع ذي رمزية عالية، لأنه يواجه مبنى محكمة النقض، كما أن تاريخ استقراره في هذه البقعة، يوم 12 تموز/ يوليو، اختير كي يتماشى مع مرور 120 سنة على تبرئة دريفوس من تهمة التخابر العسكري مع العدو، التي أُلصقت به ظلماً واتكاء على وثائق ملفقة وشكوك مسبقة أو زائفة.
السطور السابقة لا تشير، بالطبع، إلى الرجل الذي رحل عن عالمنا ويرقد في مقبرة مونبارناس، وإنما إلى تمثال له من البرونز، بارتفاع ثلاثة أمتار ونصف، أنجزه لوي ميتلبرغ سنة 1985 بطلب مباشر من ميتيران، وحملت قاعدته عبارة «إذا أردتموني أن أعيش، ساعدوني في استعادة شرفي»، الذي كتبه دريفوس في رسالة إلى زوجته. 40 سنة، إذن، قضاها التمثال متنقلاً من مقام إلى آخر، ليس من دون حساسيات شتى سياسية تارة ومعنوية تارة أخرى، عسكرية وقضائية في كلّ حال، وذلك رغم تبرئة الرجل، وإحياء رتبته العسكرية، وإعادته إلى صفوف الجيش، وحيازته وسام الشرف لأدواره في الدفاع عن باريس أثناء الحرب العالمية الأولى، وترفيعه إلى رتبة عميد بقرار من البرلمان الفرنسي.
وإذا كان ميتيران قد بادر إلى التكليف بإنشاء التمثال، وانحنى في الآن نفسه أمام حساسيات العسكر الرافضة، فإنّ الرئيس الحالي إيمانويل ماكرون هو الذي استأثر بمغانم اختيار المستقر النهائي، ولم يفوّت فرصة الغمز من «شياطين معاداة السامية» التي ما تزال تجوس فرنسا. كذلك أعلن ماكرون أنّ يوم 12 تموز/ يوليو من كلّ عام سوف يشهد مراسم تكريم دريفوس، على سبيل «الاحتفاء بانتصار العدالة والحقيقة على الكراهية والعداء للسامية»، وأيضاً كي يواصل دريفوس «وكلّ المناضلين من أجل الحرية والمساواة والأخوّة، البقاءَ قدوة يتوجب أن تُلهم سلوكنا».
لا عجب وراء هذا الحماس، أياً كانت مقادير التوظيف والتجيير خلف المشاعر، لأنّ قضية دريفوس كانت منعطفاً فاصلاً في الحياة السياسية والأخلاقية والقضائية والثقافية في فرنسا، ولعلها لم تكن بعيدة عن تغذية بعض العناصر الكبرى التي أطاحت بالجمهورية الثالثة، التي امتدت سنوات 1870 وحتى 1940. ولا غرابة، أيضاً، لأنّ سلسلة من الملابسات ذات الحساسية العالية والتأثير المباشر في الوجدات الفرنسي الجَمْعي، تضافرت لتحويل «القضية» إلى محكّ تُقاس عليه معايير وسلوكيات وانحيازات، بمحاسنها أو مساوئها، وإلى مختبر هائل مفتوح، في أروقة المحاكم كما في أعمدة الصحف ومؤلفات الأدب وقاعات التدريس ومنتديات السجال…
وفي هذا السياق تحديداً، لا تُذكر قضية دريفوس إلا وتُساق معها، لأسباب وجيهة تماماً، مواقف كتّاب وصحافيين أمثال إميل زولا، أناتول فرانس، موريس بارّيس، برنار لازار، ثمّ لاحقاً روجيه مارتان دوغار ومارسيل بروست؛ والأشهر، بالطبع، النداء الذي نشره زولا بتوقيعه، يوم 13 كانون الثاني/ يناير سنة 1898 في صحيفة «لورور» الفرنسية، بعنوان «إني أتهم»، دفاعاً دريفوس. كانت تلك الوثيقة الشجاعة وراء معظم الضغط الأدبي الواسع الذي تشكّل بعدئذ، حتى انتهى إلى إعادة محاكمة دريفوس، وتبرئة ساحته، وردّ الاعتبار إليه. ومعروف أنّ زولا خاطر بالكثير حين سجّل موقفه ذاك، لأنّ حرّية الرأي والتعبير لم تكن مكفولة في القوانين الأوروبية كما هي عليه اليوم، ولهذا حوكم وأُدين بجرم القدح، وشُتم في تظاهرات تناهض دريفوس، حتى أجبرته الضغوطات على مغادرة فرنسا إلى بريطانيا.
السياق الآخر المرادف لقضية دريفوس يخصّ نشوء وترعرع وانتشار أفكار الحركة الصهيونية في فرنسا تحديداً، حين انقلبت قضية الضابط البريء إلى شرارة أولى أشعلت لهيب فكرة «الدولة اليهودية» في عقل، وقلم، صحافي نمساوي يهودي يدعى تيودور هرتزل، كان آنذاك يقيم في باريس مراسلاً صحافياً. صحيح أنّه لن يشهد تبرئة دريفوس وتوفي قبلها، ولكنّ هرتزل شاهد بأمّ عينيه، وأصاخ السمع عميقاً للحناجر الفرنسية وهي تجوب الشوارع وتهتف: «الموت لليهود!» على خلفية محاكمة دريفوس. والمفارقة المتمثلة في أن دريفوس نفسه كان بعيداً تماماً عن أيّ تفكير صهيوني، وهكذا ظلّ حتى وفاته، لا تغيّر كثيراً من طبيعة الجدل الديناميكي الذي أطلق الحركة الصهيونية، ولا تُبرّئ القادة الصهاينة من خبائث استغلال المحاكمة وتسويقها في مسارب سياسية واستيطانية واستعطافية ومالية.
وبين ملائكة إحقاق الحق ورفع الظلم وإعادة الاعتبار، التي استحقها دريفوس بعد ضنك وشقاء ومهانة وإذلال، وشياطين معاداة السامية، التي تقصد ماكرون التلميح إلى أنها لا تجوس أرجاء فرنسا وحدها، ثمة تمثال للذاكرة الإنسانية الجامعة، ينتصب وحيداً أعزل، لا تغمره مراسم الاحتفال والتكريم، لأنه ببساطة شاهد على أنّ إخوة دريفوس في الدين ارتكبوا في قطاع غزة، وسائر فلسطين قبلها وبعدها، ما يتوجب أن يدفع التمثال البرونزي إلى طأطأة الرأس، وربما الركوع أمام جثمان رضيع فلسطيني شهيد.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

«الجنرال» يشعل فضول الأردنيين .. هل صنعت قيود الإعلام نجومية الحسابات المجهولة؟

لماذا أثارت المادة (21) من قانون الجامعات الجدل؟ .. قراءة في مخاوف آلاف العاملين

فيديو .. حادث سير مروع في الزرقاء

البوتاس والفوسفات توقعان اتفاقية لإنشاء مجمع صناعي

بيان مهم صادر عن القوات المسلحة الأردنية

الاعتداء على الجنرال The General Inspector .. حين تصبح كرامة المواطن الأردني قضية وطن

تنقلات بين كبار ضباط الأمن العام .. أسماء

مشروع قانون الملكية العقارية .. 15 تغييرًا قد يؤثر في كل مالك أرض بالأردن

حقيقة التصريحات المنسوبة للصفدي حول مقتل جنديين أمريكيين بالأردن

السعودية : تأشيرة عمرة متعددة الدخول .. تفاصيل

بحضور جو جيوهيغان .. ملتقى أردنيون في إيرلندا يؤكد تعزيز التواصل ويدين مقتل الأميركية جيمي كارني

بعد التطورات الأمنية الأخيرة .. مهم من موانئ العقبة

وزير الإدارة المحلية يوجّه بالتحقيق في شبهة اختلاسات ببلدية في المفرق

إيران تستهدف الأردن .. والجيش يسقط صواريخ

إرادة ملكية بالموافقة على إجراء تعديل على حكومة حسان