من موران إلى بابيه: عن تفكيك الصهيونية من الداخل
02-06-2026 10:08 AM
وفاة الفيلسوف الفرنسي إدغار موران، التي حدثت قبل أيام، لا تذكرنا فقط بميراث الرجل الفكري ورصيده الأكاديمي، ولكنها تذكر أيضاً بمواقفه الأخلاقية، وبأن هناك من الكتاب اليهود من لم يجد غضاضة في إعلان مناصرة القضية الفلسطينية، أو في التعبير عن تضامنه مع ما يتعرض له قطاع غزة من إبادة وعدوان.
تكتسب هذه المواقف أهمية مضاعفة اليوم، حيث تزداد محاولة إسكات الأصوات المنددة بالإبادة ضراوة في أكثر من مكان. الولايات المتحدة ودول كثيرة غيرها، ممن لا تتورع عن مساندة الاحتلال، باتت لا تتردد في توزيع تهم العنصرية ومعاداة السامية على كل من ينتقد سلوك الجيش الإسرائيلي. وصل الأمر درجة أن تكلفة الخروج في مظاهرة منددة، أو حتى مجرد مشاركة منشور رافض للجرائم الموثقة، التي يستنكرها كل صاحب ضمير، كبيرة لدرجة قد تصل حد الحرمان من الجنسية أو إلغاء التأشيرة والإقامة.
في المجال الأكاديمي يصبح الأمر أكثر توحشاً، حيث يواجه الأساتذة الغربيون المناصرون للقضية الفلسطينية بموجات غير مسبوقة من التهديدات والتضييق.
في هذه الأجواء المشحونة يكون تذكر شخصيات مثل إدغار موران مهماً، وإذا كان العالم يذكر اليوم موران وتشومسكي، اللذين يحتلان مكانة مميزة في عالم الأكاديميا الناقدة للصهيونية بفضل كتبهما ومقالاتهما ومحاضراتهما، التي يقولان فيها ما لا يستطيع آخرون قوله، فإن هناك أسماء أخرى، من داخل البيت اليهودي، ما تزال تقدم الكثير في سبيل دحض الرواية الصهيونية. من أولئك إيلان بابيه، الذي، ولسوء حظ كارهيه، لم يكن مجرد يهودي حامل للجنسية الإسرائيلية، ولكنه كان متخصصاً أيضاً في التاريخ، أي يصعب التقليل من أثر ما يكتب، خاصة لجهة سخريته من المنطق، الذي تتأسست عليه الصهيونية، والذي يتمحور حول حق تاريخي في الأرض.
في كتاباته يربط بابيه بين المسيحية الإنجيليّة والصهيونية، وهو ربط لا يفسر فقط رؤيته، التي تقول، إن الإنجيليين شجعوا ولادة وطن خاص باليهود في فلسطين لإيمانهم بأن ذلك سيعجل بظهور المسيح، ولكنه يفسر أيضاً العلاقة الخاصة، التي تربط اليوم بين تل أبيب وواشنطن، والتي لا يمكن تفسيرها بالمنطق البسيط للعلاقات الدولية، التي تحكمها المصالح وحسابات الربح والخسارة المادية. بابيه هو مثال لشخص عاش ردحاً من عمره رهيناً للرواية الصهيونية، التي تقول إنه لم يكن هناك في أي وقت ما يسمى بالشعب الفلسطيني، وأن هذه الأرض كانت فارغة بانتظار عودة شعب إسرائيل. هذا الشخص، الذي يتمتع بضمير حي ورغبة في البحث عن الحقيقة، لم يلبث أن يكتشف أن كل ذلك لم يكن سوى كذبة كبيرة، وأن الحديث عن فلسطين كأرض بلا شعب هو مجرد دعاية مضللة لا تمت للواقع بصلة، ويكذبها تتبع بسيط للتاريخ القريب للبلدات والبيوت والأراضي.
يقول بابيه إن ذلك التضليل الكبير لم تكن تقوم به الصهيونية وحدها، بل شارك فيه أوروبيون كثر من الفنانين والأدباء والدارسين المستشرقين، الذين أرادوا أن يكرّسوا من خلال أعمالهم لفكرة خلو فلسطين من الناس، ومن الثقافة المحلية، وفق سياسة تواطؤ عام متفق عليها بهدف حث اليهود على الهجرة. يستنتج بابيه أن ذلك الأمر بهذا الشكل لم يكن ينبع من حب اليهود، بل على العكس، من الرغبة في التخلص منهم، فالصهيونية في رأيه لم تكن إلا مجرد محاولة لحل المشكلة الأوروبية.
يذكرنا هذا بالحقيقة، التي يغفل عنها كثيرون، وهي أن لوحات القرن التاسع عشر، التي يصور فيها رسامون صوراً يزعمون أنها مأخوذة من رحلاتهم إلى دول الشرق، كانت مرضية للخيال، وللرغبة في تشجيع الاحتلال، أكثر من كونها معبرة عن واقع الحال، فمثلما أن النساء العربيات لم يكن متهتكات ومتعريات، كما كان يظهر في كثير من تلك اللوحات، فإن فلسطين لم تكن أرضا خالية، كما أراد البعض تصويرها خدمة للاستشراق الخادع والاستعمار القادم. المشروع الصهيوني في نظر بابيه هو في المقام الأول مشروع احتلال استيطاني على طريقة ما قام به الغزاة الأوروبيون حينما توجهوا تجاه ما سموه «العوالم الجديدة»، كالولايات المتحدة وأستراليا، التي تم التخلص فيها بواسطة القادمين الجدد من سكانها الأصليين. على طريقة ما حدث في تلك البلدان كانت نية إبادة السكان الأصليين في مخيلة الصهاينة منذ البداية. أرادوا أن يتكرر كل شيء وأن يبدأ تاريخ البلد الجديد بتاريخ قدومهم، من دون ذكر لأي ماضٍ، مثلما يتحدث اليوم الناس عن الولايات المتحدة وعمرها البالغ 250 عاماً، من دون كثير ذكر لعصر ما قبل قدوم الغزاة. الذي حدث هو أنه حالت ظروف جعلت من الصعب تطبيق مخطط الاستبدال السكاني بالطريقة التي تم بها في بقاع أخرى. هذه النقطة تخبرنا أن مجازر تاريخية، مثل ما حدث مؤخراً في غزة، لم تحدث نتيجة لاستفزاز الفلسطينيين، أو رداً على عمليات المقاومين، كما يظن البعض، بل حدثت لأن المشروع الإسرائيلي الاستيطاني، لا يكتمل سوى بعمليات إبادة وتجريف مستمرة. عمليات كان مخططاً لها بعناية بدأت منذ ما قبل عام 1948 بتواطؤ بريطاني واضح، واستمرت منذ ذلك الحين بهدف التخلص من السكان، إما بإبادتهم عن بكرة أبيهم، وإما بإجبارهم على المغادرة، أو بدفعهم إلى البقاء مع الرضا بوضع أشبه بوضع العبيد، الذين لا يملكون أي حقوق ولا ثقافة ولا خصوصية.
التصحيح، الذي يحب بابيه التركيز عليه، هو أن الفلسطينيين لم يصبحوا لاجئين بسبب الحرب في عام 1967 كما تقول الروايات، التي تناقش القضية الفلسطينية، وإنما بدأ التهجير، وما سيعرف لاحقاً بأزمة اللاجئين في وقت سابق لهذا ومع بداية عمليات التطهير العرقي، التي تزامنت مع وصول أول أفواج العصابات الصهيونية.
ينشر بابيه بين الحين والآخر مقالات يلخص فيها أفكاره بشكل مكثف، كالمقال، الذي نشره في عدد الشهر الماضي من صحيفة «لوموند ديبلوماتيك» تحت عنوان «جذور التطهير العرقي»، الذي تمحور حول فكرة أن عشرينيات القرن العشرين كانت نقطة تحول مهمة في تاريخ الصهيونية، وأن فيها تحول الحلم من المطالبة بالاعتراف والحصول على مكان أو وطن في أوروبا إلى الخطة الجديدة، التي تهدف لبناء دولة في أرض فلسطين.
أهم خلاصات بابيه هي أن التعايش مع المشروع الصهيوني غير ممكن، لأن أي اعتراف بحق الفلسطينيين في المكان يناقض الأسس، التي بني عليها. الأمثلة على هذه المساعي الداخلية لتفكيك المنطق الصهيوني كثيرة. من هذا أن مقال بابيه تزامن مع صدور كتاب لليهودية الأمريكية اليسارية مولي كرابابل جمع ما بين السيرة الذاتية والآراء السياسية. في كتابها «المكان الذي نعيش فيه هو بلدنا» ومستندة على إرث «البوند»، وهي الرابطة العمالية اليهودية في ليتوانيا وبولندا وروسيا، تتحدى كرابابل المنطق الصهيوني، الذي يعتبر أن وطن اليهود الأصلي هو أرض فلسطين، لتحكي عن الجماعة الاشتراكية، التي انتمى إليها جدها. تذكّر كرابابل بأفكار «بوند»، التي كانت تتمحور حول أن النضال الحقيقي يتمثل في إيجاد مكان للعيش بحرية وكرامة حيث يقيم اليهود. يتحقق هذا الهدف بالتعاون مع مناضلين آخرين ومجموعات رافضة للظلم في بلدان الشتات، وليس عبر الانتقال والبحث عن وطن جديد في أراضي الآخرين.
كاتب سوداني
محافظة القدس: 7244 مستوطنا اقتحموا المسجد الأقصى خلال أيار
الاحتلال يشن حملة اعتقالات في الضفة ويعتقل 30 فلسطينيا
ترامب: قاموس السياسة والإعلام!
النوايا الفارغة: بلزاك وستاندال في محكمة الكتابة
من موران إلى بابيه: عن تفكيك الصهيونية من الداخل
ما أهداف إيران من «زرع خلايا نائمة» في دول الخليج
هل نشهد بداية انحسار المشروع الصهيوني
بنك الإسكان يواصل تمكين طلبة مؤسسة الحسين للسرطان من خلال منح جامعية
الأردن يشارك في مؤتمر العمل الدولي في جنيف
المصادقة بالقراءة الأولى على حل الكنيست الإسرائيلي
النفط يتراجع بعد تصريح ترامب باستمرار المحادثات مع إيران
لبنان يعلن موافقة حزب الله على وقف متبادل للهجمات مع إسرائيل
الأغذية العالمي يوقف المساعدات الغذائية لـ135 ألف لاجئ سوري بالأردن
وفاة نجم قناة كراميش تهز مواقع التواصل بالأردن
فيديو لوزارة البيئة يفجر غضب الاردنيين .. شاهد
إربد: طفل يتعرض لـ7 طعنات خلال احتفالات عيد الاستقلال
الخروف البلدي يسجل رقماً قياسياً وسعراً نادراً .. تفاصيل
إغلاق 32 فندقا في إقليم البترا وتسريح أكثر من ألف موظف
الأمانة تحذّر .. غرامة تصل إلى 500 دينار لمرتكب هذه المخالفة
موعد صلاة عيد الأضحى والمصلى الأقرب لك .. تفاصيل
من 50 إلى 115 ديناراً .. تفاصيل رسوم التأمين الصحي الاختياري في الأردن
حكم بحبس أمين عام وزارة .. ما السبب
الأمن العام: وفاة مطلق النار بعد إصابة ثلاثة مواطنين في الأشرفية
دراسة: عدد سكان العالم يتجاوز مستوى استيعاب الأرض
فاجعة في إربد .. 3 وفيات وإصابتان بحادث تصادم
الغذاء والدواء: حبوب مونجارو المتداولة غير مجازة في الأردن
دائرة الإفتاء توضح أحكام "الإقالة" وإعادة المصوغات الذهبية للبائع
القناة الرياضية الأردنية تنقل مباريات النشامى في نهائيات كأس العالم