ترامب: قاموس السياسة والإعلام!

ترامب: قاموس السياسة والإعلام!

02-06-2026 10:10 AM

يستحق ترامب أن يدخل كتاب غينيس للأرقام القياسية، لأنه الشخصية الأكثر ظهورًا في الإعلام منذ عام، نطالع صوره في الفضائيات وفي مواقع التواصل الاجتماعي، تتصدّر واجهات الصحف ويملأ اسمه ألسنة النّاس، لا يكاد يمر يوم من غير أن نسمع كلامه في الأرجاء، وكأن الرّجل لا ينام، بل يحرس النيّام، لا شغل له عدا اللغو ثم مناقضة أقواله، لم يبق سوى مكان واحد لم يظهر فيه ترامب: وهو الإعلانات.
ومن المحتمل ألا يتأخّر في الوصول إليها. فقد تحوّل إلى ظاهرة مرئية، وإن كان الساسة يقاس نجاحهم أو فشلهم حسب النّجاح أو الفشل في تنفيذ برامجهم الانتخابية، فإن ترامب في مقام النّاجحين، لأن حملته الانتخابية الأخيرة قامت على الإكثار من الظهور وليس من الإكثار في الوعود.
صار الشخصية الإعلامية الأكثر طغيانًا، مع أن الأمر ليس غريبًا عندما نتحدّث عن شخص لم يمانع الظهور في مجلة «بلاي بوي»، في مطلع التسعينيات عندما كان لا يزال رجل أعمال، وهي مجلة تختص في الثقافة الجنسية.
إنّه ظاهرة مرئية تستحقّ أن نتوقّف عندها. ليس من أجل الخوض في شؤونه السياسية، بل في حرفته الإعلامية، وكيف تحوّل إلى صورة تملأ الأبصار في قارات العالم الخمس.
لقد أسّس قاموسًا جديدًا في السياسة وآخر في الإعلام. أحدث قطيعة مع الساسة التّقليديين وكسب مكانة يحسده عليها غيره. فهو ليس متحدّث وديع، ولا يدّعي دهاء في الخطاب، مع ذلك فإنه يخوض في الشؤون كلها، بما فيها الرّياضة وسباق الخيل والقمار. يتحدّث من غير مقدمات، ومن غير أن يمتلك الزاد، لكنه يستطيع أن يسكت من يختلف معه في الرّأي. يحوز على نزعة هجومية في ظهوره في الإعلام، يفضل أن يهاجم خصومه بدل أن ينحاز إلى موقع الدّفاع.
في نظره فإن كلّ شخص يخطئ في حقّه، فلا بدّ أن يكون من أعداء الوطن أو من اليساريين أو من الشيوعيين، فقد طوّر أسلوبًا في السخرية من مصطلح «اليسار»، من كثرة الظهور فقد تحوّل إلى مادة في برامج السخرية السياسية، وهذه البرامج الساخرة تزيد من شعبيته ولا تقلّل منها، بل إن ترامب بذل جهدًا لكي تستمر السخرية منه، وهي عنصر يتحوّل إلى نقطة قوة في لعبته الإعلامية.
كلما زاد الضحك منه ارتفعت أسهمه في سوق سبر الآراء. إن النظريات التقليدية التي نعرفها عن السياسة تكاد لا تطابق حالة ترامب، مثلاً لا يصلح أن نقول إن الرّجل متمسكّ بالكرسي، لأنه يقضي وقته في وقوف، من كاميرا إلى ميكروفون، من طائرة إلى ميدان، كما لا يمكث في مكتبه الرّئاسي إلا قليلًا، ويسافر على الدّوام من طائرة إلى أخرى، سواءً داخل أمريكا أو خارجها، لا يكفّ عن الاستفزاز، في استفزاز جيرانه في كندا أو في التّطاول على نظرائه في أووربا.
إن أسوأ يوم في حياة الرجل هو يوم لا تظهر فيه صورته في الفضائيات. وذلك يوم يشعر فيه بالخذلان. إلى درجة نتساءل فيها: ألا يحوز على إجازة؟ ألا يمرض مثل بقية البشر؟ لقد تجاوز حضوره شهرة نجوم هوليوود، وقد يقول أحدهم إن الرّجل يتحدّث من غير تفكير، وإن الغاية من أفعاله إنما جذب الانتباه، وهو رأي يناقض الحقيقة، بل إن منطقه في الإعلام بصدد التحوّل إلى نظرية جديدة، يصحّ أن نطلق عليها مصطلح «الترامبية»، وهو مصطلح ينطبق على كلّ شخصية تمارس الإعلام بدل السياسة، يتراوح خطابها بين شعبوية وتهديد ومباركات وإثارة، فقد كسب ترامب لعبة الصورة، مثلما كسب عهدة ثانية في أمريكا، متكلًا على شعار مقتبس من ريغان: «لنجعل أمريكا عظيمة مرّة أخرى»، لم تفقد أمريكا عظمتها في الغطرسة، كما أفلح ترامب من أن يزداد عظمة بفضل كثرة الحضور في وسائل الإعلام.
من بين الشعارات الأخرى التي يتداولها هو: «أمريكا أولاً»، وهو شعار يذكرنا بالرّئيس الجزائري الأسبق محمد بوضياف عندما قال: «الجزائر أولا». نطق بوضياف جملته ويقصد منها المعنى الظاهر منها، بينما ترامب حوّل شعاره – من حيث يعلم أو لا يعلم – إلى: «أنا أولا». فقد تجاوزت شهرته شهرة بلاده، أو هكذا نتخيّل من كثرة إطلالته في الصباح والمساء.
إنه ينطلق من راديكالية في الخطاب، لا يحتاج إلى ترتيب كلمات أو أن يحمل معه ورقة أو يتهجّى جملة، بل يصر على تكرار قاموس من الجمل ومن الكلمات، وهي جمل وكلمات تكاد تصير لصيقة بلسانه من كثرة تداولها.
لا يرضى أن يتغلّب عليه صحافي في سؤال، بل يحوّل ضعفه إلى قوة، ولا يتوانى في الردّ عليه بأسوأ كلام، إلى درجة يشعر فيها الصحافي أنه قد أخطأ التّقدير. لا يسمح ترامب لنفسه أن يظهر في صفة مخطئ، بل يرتدي على الدّوام ثوب الصواب. يقول إن أمريكا تعيش عصرها الذهبي، وهي جملة تلفّظ بها عقب فوزه بولاية ثانية، ونسي أن يضيف إنه هو نفسه يعيش عصره الذّهبي.
لا يقدّم نفسه كرئيس نخبوي أو يخاطب النخبة، لم يظهر في صورة قارئ أو متحدّث في الفلسفة أو الفنون كما هو الحال مع رؤساء أمريكا السابقين، بل له نزعة في التقليل من شأن الفنون، مثلما لا يتوانى في التّقليل من شأن نظرائه.
انتقل من رجل سياسة إلى ظاهرة إعلامية، احتلّ الفضائيات، ومن المخل أن نتعامل معه في حيز سياسي، لأن السياسة تعني معارك مرئية وصوتية، هكذا يفكّر.
صار نجم الإعلام والمواقع، بات من الصعب ملاحقة كلّ تصريحاته، إنه يكثر من الكلام، إلى درجة ننسى فيها النّظر إلى أفعاله.

كاتب من الجزائر



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد