مذهب بيرنهام: بريطانيا في عالم يكاد يتجاوزها

مذهب بيرنهام: بريطانيا في عالم يكاد يتجاوزها

17-07-2026 12:44 AM

ثمة لحظات تختصر فيها عتبة واحدة تحوّلاً سياسياً بأكمله؛ لحظة من هذا القبيل ستشهدها بريطانيا يوم الإثنين المقبل، حين يعبر أندي بيرنهام، تحت أنظار الكاميرات، التي ستوثّق انتقاله من الهامش إلى قلب السلطة، عتبة 10 داونينغ ستريت (مقر رئاسة الوزراء)، بعد مسار خاطف بدأ بفوزه في الانتخابات الفرعية في دائرة ميكرفيلد في الشهر الماضي، قبل أن يتحوّل سريعاً إلى موجة دعم كاسحة داخل الكتلة البرلمانية لحزب العمال، وضعت نهاية فعلية لمرحلة كير ستارمر.
عمدة مانشستر الكبرى عاد إلى وستمنستر محمولاً على غضب الشمال الإنكليزي من مركزية لندن، ليكون الرجل المكلف بإعادة تعريف موقع بريطانيا في عالم تزدحم فيه الحروب، وتتراجع الثقة بالسياسيين التقليديين.
تأتي رئاسته للحكومة محمّلة بمفارقة لافتة: فالسياسي الذي تقدمه نشرات الأخبار بخطاب داخلي جريء حول الخدمات العامة، والفقر، والنقل، والإسكان، يجد نفسه الآن بلا مقدمات أمام ملفات عويصة: غزة، وترامب، وأوكرانيا، والصين، وأوروبا. ومن هنا يكتسب السؤال عن «مذهب بيرنهام» أهميته. فما حدث ليس انتقالاً عادياً بين زعيمين داخل الحزب نفسه، بقدر ما هو اختبار لقدرة زعيم محلي الهوى والشخصية على تحويل حساسية الشمال الإنكليزي إلى رؤية دبلوماسية لدولة ما زالت تبحث، بعد بريكست والانقسام بشأن غزة وعودة ترامب، عن صيغة جديدة لدورها في العالم.

فلسطين / غزة: اختبار أول مع قاعدة حزب العمّال

كانت القضية الفلسطينية أول امتحان حقيقي لهذا التحول. سارع المشككون على مواقع التواصل الاجتماعي إلى مشاركة مقطع قديم لبيرنهام، يتعهد فيه بأن تكون إسرائيل أول دولة يزورها لو تولى السلطة. لكنه، حسب مواقفه الأخيرة، اختار أن يفتح الملف من الباب الأخلاقي والسياسي معاً، فقدّم اعتذاراً عن الطريقة التي تعامل بها حزب العمال مع بدايات الحرب في غزة، معتبراً أن الحزب تأخر كثيراً في المطالبة بوقف إطلاق النار، وأن لغة القيادة السابقة عجزت عن التقاط حجم الكارثة الإنسانية. يحمل هذا الاعتذار معنى انتخابياً صريحاً لناحية استعادة ثقة الناخبين التقدميين والجاليات المسلمة، بعدما ابتعدت قطاعات عريضة منهم عن الحزب واتجهت لدعم الخضر أو المرشحين المستقلين.
لكن الاعتذار لا يقف عند حدود العاطفة السياسية. بيرنهام يتحدث عن إجراءات أكثر صرامة تجاه حكومة بنيامين نتنياهو، من بينها عقوبات على كيانات وأفراد مرتبطين بالعنف، وحظر التعامل التجاري مع المستوطنات في الأراضي المحتلة. هذه اللغة تذهب أبعد من الحذر الذي حكم سياسة كير ستارمر سابقاً، وتمنح حكومته هامشاً أكبر للتمايز عن واشنطن وتل أبيب. وقد نقلت رويترز أن رئيس الوزراء المقبل يريد ممارسة ضغط أكبر على الحكومة الإسرائيلية بشأن غزة، في إشارة مبكرة إلى أن الملف الفلسطيني سيحضر في صدارة مواقف حكومته.
في المقابل، يحرص بيرنهام على ترك توصيف ما جرى في غزة كإبادة جماعية للقضاء الدولي. وتمنحه هذه الصيغة توازناً محسوباً: من جهة إدانة واضحة للمعاناة الفلسطينية، وتمسك بالقانون الدولي، مقابل موقف صريح ضد هجمات السابع من أكتوبر/تشرين الأول ومعاداة السامية، بحيث لا يضع الدفاع عن حقوق الفلسطينيين الجالية اليهودية البريطانية في موقع الاتهام، ولا تفتح مساءلة حكومة إسرائيل الباب أمام خطاب كراهية داخل بريطانيا.

الشرق الأوسط / إيران: ود مفقود مع ترامب

في خلفية تفكير بيرنهام حول الشرق الأوسط تقف حرب العراق كجرح مؤسس في وعيه. فقد كان جزءاً من جيل حزب العمّال الذي عاش لحظة توني بلير، وساند الحرب وقتها، ثم عاد لاحقاً ليعبّر عن أسفه. والدرس الذي يستخلصه اليوم أن العمل العسكري يحتاج إلى شرعية دولية، وخطة سياسية لما بعد الحرب، ومعيار أخلاقي يحمي المدنيين من منطق العقاب الجماعي. لذلك يبدو مذهبه أقرب إلى تدخلية مقيدة بالقانون، بعيداً عن مغامرة ترامبية مفتوحة.
مع ذلك هو يعرف تماماً أن زمن القوة الناعمة وحدها قد تراجع. فقد شدد في تصريحات أخيرة على ضرورة إعادة بناء «القوة الصلبة» البريطانية، وتعزيز القوات المسلحة والصناعة الدفاعية في عالم أكثر خطورة. تكشف هذه العبارة محاولته الجمع بين الوعي الاجتماعي الداخلي والحس الأمني الخارجي. فالرجل الذي يريد تقريب السياسة الخارجية من المواطن العادي يدرك أن أوكرانيا، والبحر الأحمر، والصين، والذكاء الاصطناعي، والطاقة، والهجرة، كلها ملفات تجعل الأمن القومي ممتداً من الجبهة العسكرية إلى الكهرباء ومراكز البيانات وسلاسل الإمداد.
العلاقة مع ترامب ستكون اختباراً قاسياً لهذا الخط. الرئيس الأمريكي ينظر إلى بيرنهام ببرود وسخرية، ويختصره أحياناً في صورة «العمدة الليبرالي» القادم من مدينة بريطانية في الشمال. أما هو فيرى في الترامبية نموذجاً خطراً للاستقطاب السياسي، ويخشى انتقال عدواه إلى المجال العام البريطاني. ومع ذلك، فإن الدول لا تدير تحالفاتها الكبرى بالعواطف الشخصية. وتظلّ العلاقة الأمنية والاستخباراتية بين لندن وواشنطن أعمق من الرجلين، وسيجد نفسه مضطراً للتعاون مع إدارة لا تشبهه، في ملفات الدفاع والناتو وأوكرانيا والصين والشرق الأوسط.

أوروبا بعد عقد من الطلاق

أوروبياً، يتصرف بيرنهام بواقعية أكثر من الحنين. صحيح أنه عبّر سابقاً عن تأييده لفكرة العودة إلى الاتحاد الأوروبي، لكنه اليوم يضع الانضمام الكامل جانباً، ويركز على ما هو قابل للتحقق: تعاون أمني أعمق، ومكافحة الهجرة غير النظامية، وتنسيق صناعي وتكنولوجي يحمي مصالح بريطانيا. في هذا السياق، تلتقي فكرته عن السيادة التكنولوجية مع المفهوم الأوروبي للاستقلال الاستراتيجي، خصوصاً في الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والبنية التحتية الرقمية. أوروبا، بالنسبة إليه، ضرورة عملية لتقليل الاعتماد على الشركات الأمريكية.

أوكرانيا: استمرارية العداء مع موسكو

تمثل أوكرانيا مساحة الاستمرارية الأكيدة في السياسة الخارجية البريطانية، إذ لا مؤشرات على أن حكومة بيرنهام ستغيّر موقف لندن الداعم بقوة لكييف. دعم سيستمر ضمن إطار الناتو، مع التزام بزيادة الإنفاق الدفاعي وتعزيز الجبهة الأوروبية في مواجهة روسيا. الكرملين يدرك ذلك جيداً، والإعلام الروسي يتعامل مع رئيس وزراء بريطانيا الجديد كخصم قديم للسياسات الروسية منذ ضم القرم عام 2014.

الصين والهند: الرقص على الحبال

في آسيا، ستكون المعادلة أكثر تعقيداً. الصين شريك اقتصادي ومصدر دائم للقلق الأمني، خصوصاً في التكنولوجيا والتجسس السيبراني. أما الهند فتمثل فرصة تجارية وتعليمية كبرى، لكنها تفرض على لندن موازنة دقيقة بين التجارة، والهجرة، وحقوق الإنسان، وعلاقة بريطانيا بجالياتها الآسيوية. وسيحتاج بيرنهام إلى براعة كي يحول هذه الملفات إلى نمو اقتصادي ملموس، لا إلى تنازلات متناقضة.

سياسة خارجية لاستعادة جمهور الوسط داخلياً

إذن تتبلور ملامح مذهب الرجل في السياسة الخارجية كخلطة بين الأخلاق والبراغماتية، سعياً لاستعادة ثقة الوسط بعد تصاعد الاستقطابات وصعود اليمين المتطرف ويأس الطبقات العاملة من التغيير. بين ذاكرة العراق وصدمة غزة، بين مانشستر وبروكسل وواشنطن وكييف، لا يعد عمدة مانشستر الذي صار رئيساً للوزراء بثورة دبلوماسية كاملة، بل بمحاولة لإعادة ربط السياسة الخارجية بحياة المواطنين، وإدخال بعد أخلاقي إلى قرارات الدولة من غير خسارة حسابات القوة. الشهور المقبلة ستكشف ما إذا كان هذا الوعد قادراً على الصمود أمام شخصيات صعبة: ترامب، ونتنياهو، وبوتين، وشي جين بينغ، وأيضاً بيروقراطية لندن نفسها. أما المؤكد، فهو أن وصول بيرنهام إلى المنصب الأهم يضع بريطانيا أمام سؤال جديد: هل يمكن لسياسي صنع اسمه في الشمال أن يعيد صياغة تموضع إمبراطورية متقاعدة، تبحث عن موطئ لها تحت شمس عالم مضطرب، ويكاد التاريخ يتجاوزها؟



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

مقتل أميركية في إيرلندا .. البحث عن أردني غادر البلاد قبل اكتشاف الجريمة

وفاة سيدة أثناء الولادة تستنفر الأجهزة الأمنية في إربد

بعد مقتل جيمي كارني .. ملتقى أردنيون في إيرلندا يصدر بيانًا رسميًا

هيفاء وهبي تصل الأردن وتشعل الاهتمام قبل حفل الليلة .. ومفاجأة تجمعها بسانت ليفانت

جريمة تهز المواقع .. قتلت زوجها لأنه يحبها ويهتم بها .. صورة

مشروع قانون الملكية العقارية .. 15 تغييرًا قد يؤثر في كل مالك أرض بالأردن

وزير الإدارة المحلية يوجّه بالتحقيق في شبهة اختلاسات ببلدية في المفرق

إرادة ملكية بالموافقة على إجراء تعديل على حكومة حسان

القبض على مشتبه به بقتل فتاة أميركية في إيرلندا

بعد المصادقة على حبسه .. الرياطي يفقد عضويته في النواب

أول ثمار "مجلس السلام " خمط .. ؟

قتيل واصابة بمحافظة جرش

وفاة بلوغر بعد سقوطها من الطابق الـ27 في دبي .. صورة

أحكام مشددة في قضية سرقة مكتب طلال أبو غزالة .. والقضاء يحسم الملف

تحذير من إحداث بلبلة والطعن في الغذاء الأردني عند إغلاق منشأة