ليندسي غراهام في سلال مهملات التاريخ
17-07-2026 12:40 AM
خلال مظاهر تشييع المرشد الأعلى الإيراني السابق علي خامنئي، بدت لافتة على نحو خاص تلك الصورة المركبة، التي تضع رأس شخصية أمريكية في مرمى قناص، مع طلقة في الجبين. وأياً كان اعتراض المرء على هذه الطريقة في الإعراب عن العداء للساسة والسياسات في الولايات المتحدة، حيث يمكن للمعنى الصائب أن يختلط باللغو الفاضح، وأن لا تنتهي كلمة حق إلا إلى باطل صريح؛ فإنّ مقادير غير قليلة من الدهاء، السياسي والإعلامي والعقائدي والتعبوي، طبعت اختيار الشخصيات وما تمثّل بصدد حال العداء الراهنة بين واشنطن وطهران.
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تصدّر سلسلة الصور تلك، التي ضمّت ميريام أدلسون (سيدة الأعمال الأمريكية ـ الإسرائيلية اليمينية، وصاحبة المرتبة الـ48 بين أغنياء العالم، وفي عداد الأسخى تبرعاً لحملات بنيامين نتنياهو منذ 1996)؛ وبن شابيرو (المعلق السياسي والإعلامي الأمريكي، والنجم الصاعد في التيارات المحافظة داخل الحزب الجمهوري)؛ ولورا لومر (بين أشنع ممثلات، وممثلي، اليمين المتطرف والعنصري في الولايات المتحدة)؛ وبيتر ثيل (الملياردير الأمريكي ـ النيوزيلندي، المدير العام لشركة التحويلات المالية PayPal، وصاحب الآراء المحافظة ومستشار ترامب)؛ ومارك دوبوفيتز، الأمريكي ـ الكندي من أصول جنوب أفريقية، مدير «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطية»، الأشرس في المطالبة بتشديد العقوبات على إيران).
لكنّ هذه السطور تتوقف خصوصاً عند شخصية بعينها، كانت ضمن لائحة الذين «سوف تخرّ رؤوسهم» قريباً، حسب العبارة المدونة على الصور: ليندسي غراهام، السناتور الجمهوري اليميني المحافظ، وأحد أعتى صقور الحزب والكونغرس، و«الحربجي» دائماً وأبداً، المتقلب كيفما اقتضت رياحه الانتهازية أو أطماعه الوصولية؛ ثمّ، بالطبع، صديق دولة الاحتلال الصدوق الذي لم يتردد في التلميح إلى استخدام السلاح النووي في قطاع غزّة، وتسويتها بالأرض بشراً وحجراً؛ والذي لفظ أنفاسه الأخيرة قبل أيام، في فراشه كما ينبغي له، وليس على أية جبهة قتال وسفك دماء حثّ عليها وتحمس لها.
هواة نظريات المؤامرة سارعوا إلى التشكيك في الرواية الطبية الواهية، التي قالت إنه قضى بسبب «وعكة صحية مفاجئة وقصيرة»، فلم يستبعد بعضهم أنّ غراهام مات اغتيالاً وليس لأيّ عارض طبيعي؛ لأنّ تاريخه الصحي لا يشير إلى اعتلال مزمن، وكان عائداً لتوّه من رحلة ثامنة إلى أوكرانيا، حيث لاحت عليه مظاهر العافية والنشاط و»الحربجة» المعتادة. آخرون، من خارج صفوف الهواة هؤلاء، رجحوا أن يكون السبب إفراطاً في اللهو أو التسلية أو انتهاك طاقات الجسد، وما إلى هذا من عبث بشري. فئة ثالثة توقفت عند المصادفة ذاتها، ليس بوصفها واحدة من قوانين الكون والزمن والأحداث فقط، بل أساساً لأنّ المستويات القصوى من فظاظة غراهام عند الحديث عن إيران، مثل أحاديثه عن القضية الفلسطينية عموماً والحرب الإسرائيلية الإبادية ضدّ قطاع غزّة خصوصاً، كانت تفضي تلقائياً، ودلالياً ربما، إلى تلمّس انطباق التصادف بين صورته في طهران مع طلقة تخترق جبينه، وصورته محمولاً على نقالة في منطقة كابيتول هيل من العاصمة واشنطن.
وقبل رحلته الاخيرة إلى كييف، كان غراهام قد شارك في مؤتمر ميونخ للأمن، شباط (فبراير) الماضي، حيث اعتاد الحضور ممثلاً للكونغرس شكلاً، ولسيده الرئيس الأمريكي فعلياً؛ وكانت علائم العافية بادية على وجهه ولغة جسده، خاصة حين أهان رئيسة وزراء الدنمارك ميته فردركسن على خلفية نقاش تابعية جزيرة غرينلاند؛ فاستخدم الكلمة البذيئة ذات الأحرف الأربعة، ونعتها بـ«السيدة الصغيرة». كما ذهب غراهام أبعد، فاعتبر أنه لا قيمة لتابعية الجزيرة للدنمارك، ما دام الرئيس ترامب يرغب في تحصين الحلف الأطلسي وجعله أقوى؛ ثمّ تابع تصريحاته العدائية ضدّ الدنمارك حتى بعد أن تراجعت نبرة ترامب نفسه بصدد غزو الجزيرة، فبدا أنه يتلذذ بتسعير النقاش ليس أكثر.
وإذا كانت مواقفه في الانحياز لدولة الاحتلال ونكران الحقوق الفلسطينية هي الأكثر تجذراً وديمومة في سجلّ خياراته السياسية، لأنها أيضاً كانت تتبادل التأثر مع يقين عقائدي، ومسيحي ـ إنجيلي زائف مزيف بأنّ مساندة الكيان الصهيوني فريضة دينية، والتقاعس عنها يستوجب غضب الله؛ فإنّ مواقفه داخل الحزب الجمهوري ذاته، ومنذ 2003 في الكونغرس كنائب أو كسناتور، شهدت من التبدل والتحوّل والانفلات والارتداد ما لا يمكن حصره تحت أيّ تصنيف منطقي أو سيرورة متجانسة. وتكفي عودة سريعة إلى ما قاله بحقّ ترامب من صفات مقذعة وقبائح ونقائص قبيل ترشح الأخير لرئاسة أمريكا (بينها التالي: «لديّ شكوك حول السيد ترامب. لا أعتقد أنه جمهوري، ولا أظنّ أنه محافظ، وأخال أنّ حملته مبنية على كراهية الآخر وإثارة العنصرية والتزمت الديني. أعتقد أنه سوف يكون كارثة على بلادنا»)؛ وما استدار عليه، وعكسه رأساً على عقب، أو بمعدّل 180 درجة، بعد فوز ترامب، حين استقرّ غراهام في موقع الإمّعة، صوت سيده، وتابعه الببغائي…
وفي كتابه «الطغيان من أفلاطون وحتى ترامب: حمقى، مداهنون، ومواطنون»، 2022، يصنّف أندرو فيالا شخصية غراهام في عداد المداهنين والانتهازيين وصيادي الفرص والمتقلبين؛ وكما أعلن أنه «سئم» من تكرار مفردة الإبادة بصدد ما يجري في قطاع غزّة، وسبق له أن وصف ترامب بـ»خاطف» لا يصلح للرئاسة، فإنه لاحقاً سوف يُشبع بعض الصحافة الأمريكية قدحاً وذمّاً لأنه «سئم» من توصيف ترامب بالـ«خاطف»!
وأمّا ترامب، الذي رثى غراهام كأحد «أعظم» الأشخاص والسيناتورات» الذين عرفهم «على الإطلاق»، وأمر بتنكيس الأعلام حداداً عليه؛ فقد سبق له أن رأى في غراهام «أغبى كائن بشري رأيته في حياتي. هذا رجل لا يفقه شيئاً»، وبادر إلى كشف رقم هاتف الأخير المحمول كي يتأكد الناس بأنفسهم من بلاهته! يومها تفوقت ستراتيجية الانتهاز السياسي لدى السناتور، على مخاوفه من مخاطر تنمّر الرئيس، فسارع إلى انقلاب تامّ إلى الانبطاح أقرب، وكان في هذا لا يشذّ عن سلوك دائم منتظم طبع حياته السياسية منذ النشأة الأولى.
والحال أنّ رحيل غراهام قد يطوي صفحته الشخصية، وما خلّفته من تعطش للدماء، واشتهاء للحروب، وكراهية للشعوب، وغطرسة عنصرية، ويمين محافظ ورجعي، وسياسات مناهضة للفئات الأشدّ بؤساً في المجتمع الأمريكي، وتبعية عمياء لمجموعات الضغط المشتغلة لصالح شركات الاحتكار الكبرى المحلية والكونية، وما إلى ذلك كثير متعدد الميادين والمصالح. وصحيح أنه، بصفاته هذه وسواها، سوف يستقرّ في سلال مهملات التاريخ، حيث أقرانه وأمثاله؛ إلا أنّ النمط، الذي كان غراهام يمثله في الحياة السياسية والحزبية الأمريكية المعاصرة، ليس باقياً مقيماً مستشرياً فقط، بل يتمدد أيضاً ويستشري ويتوسع.
النمط سوف يتغلغل أكثر فأكثر في صفوف الحزب الجمهوري، الذي يعيش ما يشبه الخلل الفادح في ميزان التفكير، السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي، بين خطّ المحافظين الجدد الذي يفضي في الخارج إلى كارثة تتلو الأخرى؛ والخطّ المحافظ القديم الراكد، الذي يجعل سياسة الحزب في الداخل أشبه بدوران في المكان حول الحلول العتيقة والكليشيهات مسبقة الصنع. وليس لنمط غراهام أن يكفّ عن التمكّن والتمكين، ذاتياً أو بتأثير عوامل خارجية، ما دامت سنوات حكم ترامب بدأت أصلاً من صعود الترامبية قبل الشخص، وهي ليست اليوم مرشحة لاضمحلال ملموس بنيوي يجبّ ركائزها وأعرافها وصياغاتها حين يغيب الصانع؛ حتى إذا كان معظم رموزها قابعين في القيعان الأدنى من سلال مهملات التاريخ.
كاتب وباحث سوري يقيم في باريس
قميص بيليه في نهائي مونديال 1958 يباع بـ4.9 ملايين دولار
مذهب بيرنهام: بريطانيا في عالم يكاد يتجاوزها
نظرة على الانتخابات الإسرائيلية المقبلة
ليندسي غراهام في سلال مهملات التاريخ
أطفالنا في عصر العولمة الرقمية .. هل نربي جيل المستقبل أم ندفعه نحو الضياع؟
بيع منزل طفولة ترامب في نيويورك بعد تجديدات بـ500 ألف دولار
الاتحاد المغربي يجدد الثقة في المدرب محمد وهبي
انفجارات في جنوب إيران .. غارات أميركية تستهدف جسورا ومواقع حيوية
إحالة 10 حالات للقضاء بتهمة تسريب وثائق رسمية
روسيا ترفع سعر الروبل أمام الدولار الأميركي والعملات الدولية
مصر تؤكد موقفها الداعم للوصاية الهاشمية على المقدسات في القدس
ترامب يخاطب الأميركيين وسط مخاوف من التشكيك في النظام الانتخابي
مقتل أميركية في إيرلندا .. البحث عن أردني غادر البلاد قبل اكتشاف الجريمة
وفاة سيدة أثناء الولادة تستنفر الأجهزة الأمنية في إربد
بعد مقتل جيمي كارني .. ملتقى أردنيون في إيرلندا يصدر بيانًا رسميًا
هيفاء وهبي تصل الأردن وتشعل الاهتمام قبل حفل الليلة .. ومفاجأة تجمعها بسانت ليفانت
جريمة تهز المواقع .. قتلت زوجها لأنه يحبها ويهتم بها .. صورة
مشروع قانون الملكية العقارية .. 15 تغييرًا قد يؤثر في كل مالك أرض بالأردن
وزير الإدارة المحلية يوجّه بالتحقيق في شبهة اختلاسات ببلدية في المفرق
إرادة ملكية بالموافقة على إجراء تعديل على حكومة حسان
القبض على مشتبه به بقتل فتاة أميركية في إيرلندا
بعد المصادقة على حبسه .. الرياطي يفقد عضويته في النواب
أول ثمار "مجلس السلام " خمط .. ؟
وفاة بلوغر بعد سقوطها من الطابق الـ27 في دبي .. صورة
أحكام مشددة في قضية سرقة مكتب طلال أبو غزالة .. والقضاء يحسم الملف
تحذير من إحداث بلبلة والطعن في الغذاء الأردني عند إغلاق منشأة
