واشنطن وطهران بين كلفة الانتظار وكلفة الحسم

واشنطن وطهران بين كلفة الانتظار وكلفة الحسم

01-06-2026 09:54 AM

تصريحات متفائلة، أجواء إيجابية في المفاوضات، خلافات قابلة للحل، نبرات تصعيدية، تقدم نسبي، استئناف المباحثات في وقت لاحق، وحالة اللاسلم واللاحرب، تلك هي اللقطة الثابتة التي لم تعد تتبدل في المسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران، منذ وقف إطلاق النار، الذي لم يتم الإعلان عن نجاحه، ولا عن فشله أيضا.
تتجه التحليلات بطبيعة الحال إلى البناء على الخلافات العالقة، التي لا يمكن حسمها بسهولة، ولكن ماذا لو كانت الولايات المتحدة وإيران كلاهما يرى أن حالة التعليق الدائم للتفاوض أكثر جدوى من حسمه؟
قبل الخوض في هذه الفرضية، ينبغي التوقف على مدى إمكانية حسم الملفات العالقة بين الطرفين، إذ أنه من الواضح أننا إزاء بنود ـ محل التفاوض- يعتبر أكثرها بمثابة حقول ألغام، والتوافق عليها مسألة بالغة التعقيد، والحلول الوسط تكاد تكون منعدمة في أكثرها. عندما تتجه أنظارنا، على وجه الخصوص، إلى البرنامج النووي الإيراني وقضية تسلم الولايات المتحدة اليورانيوم المخصب، سنجد أنه بند يتعلق بالهيبة والسيادة والنفوذ يصعب التنازل عنه، فالرئيس الأمريكي ترامب الذي يتهمه الداخل الأمريكي بالتنازل والتهاون، لن يجد بديلا عن تحييد البرنامج النووي الإيراني لسببين: الأول أن التخلي عن ذلك الهدف هو إعلان لهزيمة الولايات المتحدة، وعدم تحقيق غايتها من شن الهجوم على إيران، والثاني: أنه يصطدم بالإرادة الإسرائيلية، ويتعارض مع صلب السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، التي بنيت على حماية الأمن القومي الإسرائيلي، وكلاهما يهدد بقاء ترامب في الحياة السياسية ببلاده.
إيران بدورها يصعب أن تتخلى عن اليورانيوم المخصب أو القبول بإجهاض برنامجها النووي، فهي ترى أنه سبب جلوس الأمريكيين معها اليوم إلى طاولة المفاوضات، وأن سلبها قدراتها النووية، يقدمها على طبق جاهز للسيطرة الأمريكية والإسرائيلية، لذا فإن حسم هذا الملف وفقا لأحلام أحد الطرفين يكاد يكون مستحيلا. كما أن قضية السيادة الإيرانية على مضيق هرمز تمثل لدى إيران أهمية قصوى، سواء كانت اقتصادية أو متعلقة بالنفوذ، وتعزيز الهيبة والقبول بالرواية الإيرانية عن الانتصار في الحرب، بينما تعتبره الولايات المتحدة هزيمة لها، خاصة أن الحرب التي شنتها هي التي أوصلت المضيق إلى هذه الحال، إضافة إلى تأثير السيطرة الإيرانية على المضيق على حركة التجارة العالمية، والإضرار بمصالح الحلفاء في المنطقة، إضافة إلى تعزيزها المفصلي للاقتصاد الإيراني.
ويأتي إدراج لبنان في المسار التفاوضي كعقبة أخرى بارزة من العقبات التي تلاحق المفاوضات الجارية، ففي حين يرفض ترامب هذا التضمين تماهيا مع الرغبة الإسرائيلية في فرض واقع حدودي ترى أنه ضروري لأمنها القومي، وتوسع في نطاق نفوذها في إطار أحلامها اليمينية المتطرفة، التي تجيّش الداخل الإسرائيلي خلفها، ترى إيران أن خلوّ المفاوضات من وقف العدوان على حليفها الأكبر حزب الله تنسف مشروعها الإقليمي، لذا فالحسم في هذا الملف وفقا لإحدى الرؤيتين يكاد يكون مستحيلا.
مِن ثمّ يتعزز القول إن تعليق الحالة الراهنة وإطالة أمد التفاوض يمثل حالة مرضية مؤقتة بالنسبة للطرفين. فالولايات المتحدة لا تواجه ضغطا استراتيجيا للحسم الفوري، وترامب يرى أنه يحقق جزءا كبيرا من أهدافه، من خلال استمرار المسار التفاوضي، بمنع الانزلاق إلى مواجهات عسكرية مكلفة، وإبقاء الضغوط الاقتصادية والسياسية، وتجنب كلفة أثمان سياسية باهظة يفرضها أي اتفاق نهائي، كما أن المكاسب الجزئية من خلال تحرير حركة الملاحة في مضيق هرمز تعزز من الدعاية لانتصاره وفرض إرادته. وبالنسبة لإيران فإن الوقت يمنحها ما هو أفضل من الاتفاق نفسه، يمنحها الوقت الذي يتيح لها انتظار ظروف أكثر ملاءمة في المستقبل، ويجعلها تلتقط أنفاسها وتعيد ترتيب أوراقها وخريطة تحالفاتها واستعدادها الداخلي، وترميم قدراتها التي أجهضتها الحرب، إضافة إلى استمرار الدعاية لروايتها حول تحقيق الانتصار في الحرب. لهذا السبب تبدو طهران أنها لا تتعامل مع الوقت باعتباره أزمة أو مشكلة، بل تعتبره أحد أهم أوراق التفاوض.
وهنا يلتقي منطق طرفي الصراع، كلاهما لا يتعجل الحسم في المفاوضات، وما يجري الآن يصلح أن يتم توصيفه بأنه رؤية موحدة من قبل الطرفين مفادها أن كلفة الحسم النهائي قد تكون أكثر من كلفة الانتظار وإطالة أمد التفاوض. فلو كانت واشنطن مقتنعة بأن الوقت يعمل ضدها بصورة خطيرة، لكانت مارست ضغوطا أكبر للوصول إلى تسوية سريعة، ولو كانت طهران تعتقد أن الظروف الراهنة تمثل أفضل فرصة متاحة لها، لسعت هي الأخرى إلى تسريع الاتفاق.
كلا الطرفين يرى أن المستقبل يحمل إليه أوضاعا أفضل من الحاضر في حسم المفاوضات، وكلاهما يراهن على الانتظار باعتباره داعما لموقفه التفاوضي، لكن ذلك لا يمنع القول إنه وضع مؤقت، فمع طول الأمد تصبح إدارة الأزمة أزمة مستقلة بذاتها، خاصة أن الشرق الأوسط بيئة ليست مستقرة لتتحمل هذه الاستراتيجية التي تفترض أن جميع المتغيرات ستبقى تحت السيطرة.

كاتبة أردنية



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد