حديث الألف… تجربة يوسف فاضل

mainThumb

02-04-2024 05:40 PM

منذ شهر تقريبا حضرت في مكتبة ألف في الدوحة، لقاء مباشرا مع الروائي المغربي يوسف فاضل، وكان في حلقة من برنامج «حديث الألف» الذي تقدمه الكاتبة السورية سمر يزبك، لصالح فضاءات ميديا.
البرنامج مبتكر جدا، وليس لقاء تقليديا، يحتوي على أسئلة تقليدية مكررة ومملة، يجيب عليها الضيف بلا اكتراث، بوصفها أسئلة لم تعد تعنيه، وقد تكررت عليه في لقاءات كثيرة من قبل، وكنت أنوه كثيرا إلى مسألة تجديد الحوار، إن كان لا بد أن تستضيف أحدا، خاصة إن كان كاتبا مجددا، أو لنقل مستمرا في الكتابة، ولم يقف عند فترة محددة.
ولعل مسألة تكرار الأسئلة هذه، ناجمة من عدم رغبة كثير من الصحافيين ومقدمي البرامج في الاجتهاد والإتيان بما هو جديد، وتفضيل استعادة ما هو مكتوب أصلا في الإنترنت، منذ زمن. أيضا صعوبة قراءة أعمال المبدعين لأسباب كثيرة، منها عدم توفرها في متناول اليد، أو غلاء أسعارها.
سمر يزبك بصفتها كاتبة مبدعة، تعرف تلك الأشياء وربما عاشتها، وأجابت من قبل على الملل بملل أكثر، لذلك نجد أسئلتها في البرنامج جديدة تماما، ومستخرجة من لحم النصوص التي لا بد قرأتها بتعمق، قبل أن تستضيف أحدا، وهذا بالطبع يثري الحوار ويشجع الضيف على الاسترخاء وابتكار أجوبته التي قطعا ستكون سلسة ومقنعة.
هناك قرآءة واضحة من مقدمة البرنامج لعالم الكاتب، ومواضيعه المحببة، وأسلوبه في الكتابة، وأي الزوايا يختارها لالتقاط مشهد ما، وتلك التي يختارها لتكون مظلمة داخل النص، أيضا تلم بشخصيات الكاتب وتوجهاتها، وسبب وجودها في النص، وعدم وجود غيرها، ولماذا هذه الشخصية ممتدة بحجم النص، وتلك انتهى دورها في الصفحات الأولى.
هذا يحدث دون أي تدخل في المهمة الإبداعية، ويبدو للمشاهد والمستمع، شراكا عدة لجر عالم الكاتب إلى أذهاننا، وبالنسبة ليوسف كانت كتابته مهمة في أدب السجون، هو يحتفي بالحرية التي ينبغي أن يعيشها كل حر، ويوضح بجسارة ظلمة السجون، وظلمها، وقد وضح بجلاء عن استلهامه لهذه الأجواء من قصص حقيقية عرفها أو عاش جزءا من فصولها، لكن بالطبع، خلطها بالعالم المتخيل لينتج رواياته.
أيضا تحدث يوسف عن أسلوب الكتابة عنده، وأيد ملاحظة مقدمة البرنامج، إنه يستخدم بدايات يعثر عليها بصعوبة، ويعيدها ويكررها في ذهنه زمنا، لينتج في الذهن شبه نص، يتحول بعد ذلك إلى نص على الورق، إنه لا يبحث عن الأفكار، لكن يجدها، وهذا بالضبط ما يحدث لكثير من الكتاب الموهوبين، أو الممتلئين بالشغف الكتابي، ودائما ما تقفز العناوين التي ستخرج بها النصوص إلى الناس من خلال جمل وردت داخل النص، أو كلمة رددها أحدهم، أو فجأة على الكاتب بعد أن ينتهي من عمله، أو اقتراح من صديق شارك في قراءة النص مخطوطا قبل طباعته، وهنا أوضح الكاتب، أنه يثق في عدد من أصدقائه، ويرسل لهم أعماله مخطوطة لإبداء الرأي.
وكذا نجد عناوين مثل: طائر أزرق نادر يحلق معي، أو: قط أبيض جميل يسير معي، وأعتقد أن الشعر واضح في هذين العنوانين، ووضح الكاتب دلالتهما أثناء الحديث.
هناك أيضا فقرة مبتكرة داخل الحوار، حيث تأتي مذيعة أخرى، في كل مرة، لتقرأ نصا مجتزأ من عمل للكاتب، معطية الحضور لمحة مهمة من عالمه، وأظنها طريقة جذابة للتنويه عن كاتب ربما لا يعرفه البعض.
عالم يوسف عريض، وتجربته كبيرة وممتدة، وما زال يبدع في هذا العالم، ولديه جديد في كل مرة، ومؤكد لديه من يتابع هذه التجربة، وينتظر ما تجود به دائما، وشخصيا قرأت روايتين من هذا العالم وأجدهما متميزتين، وهناك ما هو جديد فيهما، أمدني بما لا أعرفه عن البيئة المغربية، وكيفية تشكيلها، وكلنا لا بد قرأنا لكتاب مغاربة من أجيال مختلفة، لكل منهم تجربته، وطبعا نعرف رواية محمد شكري الرائعة «الخبز الحافي» وأعمالا لمحمد برادة والطاهر بن جلون وربيعة ريحان وعبد الكريم جويطي وغيرهم من المبدعين.
حديث الألف أيضا قبل نهايته، يتيح الفرصة للجمهور من الحاضرين، محاورة الكاتب، وسؤاله عن عالمه، أو ما لم يفهمه القارئ فيه، وقد ذكر أحد الملمين بالتجربة من الحاضرين مسألة إحساسه بوجود زخم كبير، ومواقف كثيرة جدا في النصوص، دون أن يكون ثمة خيط درامي يضفرها ببعض، فوضح الكاتب قائلا، إن الخيط موجود، وهذا الزخم لا بد من وجوده، إنها سمة من سمات أسلوبه، وتعامله مع النصوص التي يكتبها.
أكثر ما لفت نظري في لقاء الروائي يوسف فاضل قوله، إنه لا يعود إلى نصوصه بعد إرسالها إلى الناشر قط، فالنص ينتهي عنده بمجرد خروجه من الحاسوب، لذلك هو لا يتذكر جيدا كثيرا من الأشياء والحوادث والأسماء.
هذه الفقرة تبدو غريبة فعلا، فكلنا يعود إلى نصه بين حين وآخر، وهناك من تطارده بعض شخصياته إلى الأبد، ومن يتذكر فجأة موقفا في نص كتبه منذ عشرين عاما، ويتمنى لو عاد وكتبه بطريقة أفضل.
عموما برنامج حديث الألف مختلف فعلا، ويقدم الكاتب باحترام وجمال.
(القدس العربي)


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد