المفاوضات بين النار والوسطاء والورق

المفاوضات بين النار والوسطاء والورق

17-03-2025 01:45 AM

في التراث التفاوضي المتراكم بين إسرائيل والفلسطينيين، تكرّست قاعدة مفادها أن سلاح الفلسطينيين في المفاوضات هو الحق والورق الذي يثبته، وسلاح إسرائيل فيها هو قوة النار.

لهذا نجد في أدبيات الفلسطينيين مصطلحاً دائم الاستخدام وهو... أن ما تفعله إسرائيل مخالف تماماً لما تم الاتفاق عليه، كما ينسحب هذا المصطلح كذلك على أميركا المتهمة أزلياً بالكيل بمكيالين؛ أولهما تأمين مصلحة إسرائيل بالكامل، وثانيهما تجاهل ما يوفره الورق المتفق عليه من بعض حقوقٍ للفلسطينيين.

والحَكَم دائماً في هذه المعادلة هو القوة بكل مكوناتها العسكرية والاقتصادية والتحالفية.

إسرائيل في كل الاتفاقات والتفاهمات التي تمّ التوصل إليها، كانت تمارس التزامها بها بمقياس ما تُلحق من مكاسب لإسرائيل، وما يوفره الاستغناء عنها من أذىً يلحق بالفلسطينيين.

وفيما نحن فيه الآن حيث وقّعت إسرائيل مع «حماس» على أوراق صفقة أميركية الصنع، تقوم على ثلاث مراحل؛ الأولى فيها مزايا لكلا الطرفين، والثانية فيها مزايا أكثر للفلسطينيين، وعند الاقتراب من نهاية الأولى يجري تمديدها، بما هو خارجٌ تماماً عن النصوص الموقعة، ولكن بما يؤمن لإسرائيل المزايا المنشودة، وليصبح مصير الثانية والثالثة محسوماً قبل بدء الحديث عنهما، وذلك وفق ذات المعادلة المستندة إلى القوة العسكرية الإسرائيلية التي إن لم تمارس فعلاً فالتهديد بها يكفي.

منذ بداية المرحلة الأولى وإسرائيل تفكر وتخطط وتعمل على تجويف الثانية وحرمان الفلسطينيين من مزاياها، مستفيدةً من أن التبادل سيخفض من حدة ضغط ذوي المحتجزين الإسرائيليين، وتحييد التعاطف معهم بفعل استعادة عدد كبير منهم، ومستفيدةً كذلك من عامل الوقت الذي يتيح لها فرصاً ثمينةً لإلغاء المرحلة الثانية رسمياً وفعلياً.

لنعترف فلسطينيين وعرباً أن ما يجري الآن على صعيد القوى وانعدام الحد الأدنى من التوازن جاء من واشنطن، كان الموقف الأميركي في عهد إدارة بايدن يتسم بثنائية متلازمة؛ هي منح إسرائيل كل ما تحتاج وأكثر من وسائل الحرب، ومنح الفلسطينيين بالمقابل قطرات محدودة للغاية من دعمٍ مالي ودعائي لا يُسمن ولا يغني من جوع.

وهذه الثنائية التي كانت تتم تحت ساتر الوساطة، أُلغيت تماماً لمصلحة اندماج مطلق بين الموقفين الأميركي والإسرائيلي، وإلغاء كامل لأبسط ما كانت تتضمنه أوراق الاتفاقات والتفاهمات من مصالح محدودة للفلسطينيين.

إدارة ترمب نقلت المعادلة إلى اتجاه آخر، إذ لم تعُد أميركا وسيطاً ولو ظاهرياً، بل طرف مباشر من خلال منح إسرائيل تفويضاً مفتوحاً، لأن تفعل بالفلسطينيين ما تشاء، بما في ذلك فتح أبواب الجحيم الأميركي عليهم.

إذن تحوّلت الأمور بصورة محسومة لتتجسد في صراعٍ بين قوة النار التي تمتلكها إسرائيل، وهي أميركية المنشأ والتشغيل، والقوة السياسية الواهنة للورق المكتوبة عليه سطور الاتفاق والتفاهمات، ووفق تراث التفاوض الفلسطيني - الإسرائيلي، فقد حدث ذلك مع أوراق أوسلو وتفاهماتها، وها هو يحدث بذات المنطق والسلوك وقوة الضغط فيما يحدث بشأن غزة، بحيث تتحول مراحل الصفقة المتفق عليها إلى مرحلة واحدة بالفعل، هي الأولى التي يجري تمديدها إلى حين استعادة كل المحتجزين الإسرائيليين، الأحياء منهم والأموات، وبعدها سنرى كل ما ليس له صلة بما هو مكتوب على الورق.

لعبة النار والوسطاء والورق، هذه المرة وصلت إلى خلاصات تقترب من النهايات، ذلك أن تمديد الأولى وتأجيل التفاوض على ما يتبقى من الثانية والثالثة يوفر لنتنياهو الوقت الثمين الذي يحتاجه لترتيب أوراقه في لعبة الحكم الإسرائيلية، فما دامت الحرب مستمرة، ولو بالتوازي مع الهدن المؤقتة والتبادل، فسوف يظل نتنياهو الحاكم بأمره في إسرائيل حتى آخر يوم في ولايته، مع تجدد فرصه في بلوغ ولايةٍ أخرى.

أوراق الاتفاقات والتفاهمات منذ بداية القضية الفلسطينية حتى أيامنا هذه، كانت تحترق في كل جولات صراعها المحق مع النار الإسرائيلية، لتتكرس معادلة تقول: «ما الذي يمكن أن يفعله الحبر والورق والتواقيع والوسطاء والشهود مع النار غير الاحتراق والتحول إلى رماد».



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

طلب منها عدم إخبار أحد .. الحبس لصاحب محل تحرش بطفلة عمرها 12 عاما في عمان

الحبس 6 أشهر لسيدة احتالت على أخرى بإبرة تجميل من إسرائيل

هدى العتوم تنتقد السماح باحتفالات الهالوين والتضييق على احتجاجات غزة

87 مليون يورو من صندوق المناخ الأخضر لدعم مشاريع في الأردن

شركات استبدلت موظفيها بالذكاء الاصطناعي ثم تعود لتوظيفهم .. ما القصة؟

القضاء العراقي يسترد 21 مليارا عن جريمة احتيال مالي

السيسي يصدر 3 توجيهات تهم ملايين المصريين

زين تعزز منظومة حماية الأسرة والطفل بالتعاون مع مؤسسة نهر الأردن

ما حقيقة فرض غرامة 225 ألف دينار على مزارع بسبب مياه الأمطار؟

وزير الثقافة يعلن بلدة "حمود" مدينة للثقافة الأردنية لعام 2027

الذهب والنفط وفلس الريف .. "الطاقة" تستعرض تقدم مشاريعها الاستراتيجية

الصادرات الأردنية للاتحاد الأوروبي ترتفع إلى 411 مليون دينار

5 شهداء ومصابون في قصف الاحتلال مواصي خانيونس بغزة

مجمع الملك الحسين للأعمال يوقع مذكرة تفاهم مع اتحاد الرياضات الإلكترونية

انطلاق المؤتمر الفني الدولي الـ38 للاتحاد العربي للأسمدة بعمان الثلاثاء

مصدر طبي يكشف لـ"السوسنة" الحالة الصحية لمنفذي هجوم الكرك

"أعطل من نتنياهو" .. عبارة تقود طبيبا اردنيا إلى السجن 6 أشهر

الضمان الاجتماعي يعلن تسهيلات جديدة للأردنيين .. تفاصيل

السجن بحق 7 من قادة الإخوان بالأردن .. أسماء

إنهاء خدمات موظفين حكوميين .. أسماء

بعد اشتعال مواقع التواصل بالخبر .. حقيقة القبض على منفذي هجوم الكرك

بالفيديو .. لحظة مداهمة منفذي هجوم الكرك والقبض عليهم

ثأراً لشهداء الكرك .. الأردن ينفذ عملية جوية في سوريا .. التفاصيل

وفاة طفل تهز مركز أشعة في عمان .. وإغلاقه بالشمع الأحمر

الأردن يقبض على عشرات المتورطين .. التفاصيل

إرادة ملكية بتعيين الأمير هاشم بن الحسين مستشارا للملك

تعديلات قانون التنفيذ: ضوابط جديدة لمنع سفر المدين وآليات حديثة لسداد الديون

الأمن العام يكشف كيف اتخذ منفذو جريمة الكرك قرارهم

ما قصة أسماء محافظات الأردن؟ حكايات تختبئ خلف أسماء 12 محافظة

أردنيون أمام مهلة شهرين لتسديد التزامات مالية .. أسماء