وضع اقتصادي مخيف في تونس

وضع اقتصادي مخيف في تونس

12-03-2025 03:14 AM

«غالب الظن أن تضطرّ تونس خلال الأشهر المقبلة إلى الاختيار بين خيارَين أحلاهُما مرّ: إما اللجوء إلى إعادة هيكلة ديونها، وإما الشروع في مسار تقشّفي بدعم من صندوق النقد الدولي».
هذا ما خلصت إليه دراسة أخيرة مفصّلة لمعهد كارنيغي للشرق الأوسط، ومقره بيروت، رأت أن «أداء الاقتصاد التونسي هو اليوم دون مستوى إمكاناته بكثير. والواقع أن المشاكل التي تعاني منها الدولة ناجمة عن سلوكها، أي بتعبير آخر مبسّط إلى حدٍّ ما، تكمن المشكلة في حكومةٍ تُفرط في الإنفاق لتيسير الظروف الاجتماعية، وهذا نهجٌ يُبقي النمو منخفضًا».
ولأنه يستحيل فك الارتباط بين الاقتصادي والسياسي، ذكّر التقرير في نهايته بما عرفه لبنان حيث أن «السبب الحقيقي للأزمة اللبنانية واستفحالها، يُعزى إلى ضعف الحوكمة والسياسة الاقتصادية في البلاد». ويضيف التقرير أن «تجربة لبنان تحمل دروسا حول كيفية تجنّب الانهيار وتفادي الغرق في أزمة مالية. ويكمن الحلّ في تقليص العجوزات وإبقاء سعر الصرف عند مستوى تنافسي. علاوةً على ذلك، تتطلّب معالجة المشاكل الاقتصادية التوصّل إلى اتفاق سياسي حول كيفية توزيع الخسائر وتفادي هروب رؤوس الأموال».
وتأكيدا لهذا الارتباط العضوي بين السياسي والاقتصادي كتب الخبير الاقتصادي التونسي هاشمي عليّة في مقالين هذا الشهر خصصهما للوضع الاقتصادي في البلاد، ونشرهما في مجلة «أيكوويك» أن «تراجع فضاء الحريات هو المقلق حقا لأنه يهدد أكثر فرص تونس في النهوض الاقتصادي وعودة النمو» معتبرا أن اقتصاد البلاد الحالي هو «باختصار اقتصاد نفدت ذخيرته بالكامل وفي طريقه إلى التراجع والتفقير».
كل المؤشرات الاقتصادية الحالية في تونس تبدو سلبية في الغالب، آخرها تفاقم عجز الميزان التجاري لتونس لكامل سنة 2024، بنسبة 10،8 بالمائة، وفق ما أظهرته مؤشرات نشرها في يناير / كانون الثاني الماضي المعهد الوطني للإحصاء تناولت التجارة الخارجية، مع تأكيد تراجع معدل تغطية الواردات بالصادرات مقارنة بسنة 2023 ليصل إلى مستوى 76،6 بالمائة. كما أظهرت بيانات للبنك المركزي التونسي في الشهر نفسه أن احتياطيات البلاد من النقد الأجنبي تراجعت إلى 7.3 مليار دولار وهو ما يغطي 104 أيام من الواردات بعد أن سددت 1.1 مليار دولار من الديون الخارجية.

في المقابل، تعدّدت القروض المختلفة التي بات البرلمان التونسي يوافق عليها بشكل متلاحق، حتى نعته البعض بأنه بات برلمان الموافقة على القروض ليس إلا، وصولا إلى موافقته الشهر الماضي على قانون يسمح للبنك المركزي بتوفير 2.2 مليار دولار لتمويل ميزانية 2025 لسداد الديون العاجلة، وهي المرة الثانية في أقل من عام التي تلجأ فيها الحكومة إلى البنك للحصول على تمويل.
ويشير خبراء إلى أن إلى اللجوء المتزايد إلى الاقتراض الداخلي سواء من البنك المركزي التونسي أو البنوك المحلية لن يؤدي في النهاية سوى إلى عرقلة توجه المؤسسات الاقتصادية إلى تمويل المشاريع وتنمية الاستثمار وتوفير المزيد من فرص العمل.
المشكل هنا أن أغلب الخبراء الاقتصاديين يرون أن مرحلة التعافي مازالت بعيدة المنال في ظل الظروف الحالية، ففي مقابلات متعددة مع موقع «الجزيرة نت» رسمت مجموعة من الخبراء الاقتصاديين صورة قاتمة للوضع الاقتصادي في البلاد فقد اعتبر رضا الشكندالي هذا الوضع «سيئا للغاية» مبرزا أن السياسات الحكومية تعتمد تدابير تقشفية على غرار التقليص من التوريد، والحد من الاعتماد على التمويل الخارجي بشكل متزايد نظرا لغياب أي اتفاق مع صندوق النقد الدولي، ما أدى إلى ارتفاع وتيرة الاقتراض من الداخل وقلّص تمويل الاستثمار الخاص. واعتبر أن السياسات المطبقة حاليا غير قادرة على تغيير الأوضاع نحو الأحسن، بل إنها ستؤدي إلى خلق أزمات أخرى.
ويرى الناطق الرسمي باسم «المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية» رمضان بن عمر أن «خطاب السلطة السياسية الحالية فيه تناقض صارخ بين ما تروجه للرأي العام حول إعطاء الأولوية للعدالة الاجتماعية وتحقيق السعادة والرفاه وتطوير الخدمات العمومية، وما يرصده التونسيون في حياتهم اليومية من سياسات تثقل كاهلهم بالضرائب وارتفاع الأسعار وندرة المواد الأساسية» وهو ما أدى في النهاية إلى ارتفاع نسبة الفقر وتقلّص الطبقة الوسطى، عماد الاستقرار لسنوات طويلة.
وترفع السلطة التونسية شعار الاعتماد على الذات وعدم اللجوء إلى صندوق النقد الدولي، ولكن دون أن تمتلك تصوّرات واضحة لخيار كهذا، ودون أن تكون لها كذلك بدائل مقنعة ومجدية، مكتفية بإطلاق مشاريع هلامية سمتها «الشركات الأهلية» التي لا أحد يدري مدى جدواها الاقتصادية. أكثر من هذا، تونس اليوم تكاد تطبّق عمليا بعض ما كان يطلبه منها هذا الصندوق، من تخفيف سياسة الدعم لبعض المواد الأساسية وتجميد الأجور، دون أن تحصل على التمويل الذي كانت تطلبه من المؤسسة المالية الدولية الأكبر وهو في حدود 4 مليارات دولار لم يصلها منه سوى دفعة أولى قبل أن تتوقف المحادثات بين الطرفين بالكامل.
إن غياب الكفاءة واستمرار مسلسل العبث وإدمان الحكم في تونس على إطلاق الشعارات الشعبوية لم يصحّر فقط بالكامل الحياة السياسية بل نراه يوشك الآن على تدمير كامل للاقتصاد، وحين يجتمع الأمران فتلك هي الطامة الكبرى.

كاتب وإعلامي تونسي



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

طلب منها عدم إخبار أحد .. الحبس لصاحب محل تحرش بطفلة عمرها 12 عاما في عمان

الحبس 6 أشهر لسيدة احتالت على أخرى بإبرة تجميل من إسرائيل

هدى العتوم تنتقد السماح باحتفالات الهالوين والتضييق على احتجاجات غزة

87 مليون يورو من صندوق المناخ الأخضر لدعم مشاريع في الأردن

شركات استبدلت موظفيها بالذكاء الاصطناعي ثم تعود لتوظيفهم .. ما القصة؟

القضاء العراقي يسترد 21 مليارا عن جريمة احتيال مالي

السيسي يصدر 3 توجيهات تهم ملايين المصريين

زين تعزز منظومة حماية الأسرة والطفل بالتعاون مع مؤسسة نهر الأردن

ما حقيقة فرض غرامة 225 ألف دينار على مزارع بسبب مياه الأمطار؟

وزير الثقافة يعلن بلدة "حمود" مدينة للثقافة الأردنية لعام 2027

الذهب والنفط وفلس الريف .. "الطاقة" تستعرض تقدم مشاريعها الاستراتيجية

الصادرات الأردنية للاتحاد الأوروبي ترتفع إلى 411 مليون دينار

5 شهداء ومصابون في قصف الاحتلال مواصي خانيونس بغزة

مجمع الملك الحسين للأعمال يوقع مذكرة تفاهم مع اتحاد الرياضات الإلكترونية

انطلاق المؤتمر الفني الدولي الـ38 للاتحاد العربي للأسمدة بعمان الثلاثاء

مصدر طبي يكشف لـ"السوسنة" الحالة الصحية لمنفذي هجوم الكرك

"أعطل من نتنياهو" .. عبارة تقود طبيبا اردنيا إلى السجن 6 أشهر

الضمان الاجتماعي يعلن تسهيلات جديدة للأردنيين .. تفاصيل

السجن بحق 7 من قادة الإخوان بالأردن .. أسماء

إنهاء خدمات موظفين حكوميين .. أسماء

بعد اشتعال مواقع التواصل بالخبر .. حقيقة القبض على منفذي هجوم الكرك

بالفيديو .. لحظة مداهمة منفذي هجوم الكرك والقبض عليهم

ثأراً لشهداء الكرك .. الأردن ينفذ عملية جوية في سوريا .. التفاصيل

وفاة طفل تهز مركز أشعة في عمان .. وإغلاقه بالشمع الأحمر

الأردن يقبض على عشرات المتورطين .. التفاصيل

إرادة ملكية بتعيين الأمير هاشم بن الحسين مستشارا للملك

تعديلات قانون التنفيذ: ضوابط جديدة لمنع سفر المدين وآليات حديثة لسداد الديون

الأمن العام يكشف كيف اتخذ منفذو جريمة الكرك قرارهم

ما قصة أسماء محافظات الأردن؟ حكايات تختبئ خلف أسماء 12 محافظة

أردنيون أمام مهلة شهرين لتسديد التزامات مالية .. أسماء