دارفور وعرب الشتات وأحاديث الانفصال

دارفور وعرب الشتات وأحاديث الانفصال

24-04-2025 02:05 PM

بهزيمة «قوات الدعم السريع» وإخراجها من الخرطوم، يكون مخططها للاستيلاء على الحكم والسودان قد تلقى ضربة قاصمة، لكن هذا لا يعني أن المؤامرات على البلد انتهت أو ستتوقف. فالجولة الكبيرة التالية للحرب انتقلت الآن إلى دارفور وكردفان، وعليها سيتوقف الكثير بالنسبة للسودان، ووحدته، وسلامة أراضيه، وهزيمة بعض المشاريع والمخططات المتربصة به.

أول من أمس، أرسل لي صديق تسجيلاً صوتياً لأحد منظري مشروع دولة عرب الشتات الأفريقي يؤكد فيه وجود مخطط «توطين عربان غير سودانيين في السودان»، على حد تعبيره، ويصفه بأنه مشروع قديم وسابق حتى لظهور «قوات الدعم السريع».

كنت قد تابعت في فترات سابقة تسجيلات أخرى لهذا المتحدث، تكلم فيها بحماسة عما وصفه بمشروع للقومية العربية المتناثرة في عدد من الدول الأفريقية، وفرصة جمعهم في دولة تضمهم، وهي الفرصة التي ربطها بالحرب التي اندلعت في السودان. ولم يخفِ الرجل دعمه لـ«قوات الدعم السريع» إذ دعا لإنشاء صندوق لجمع التبرعات المالية لصالحها، ولحملة لتجنيد الشباب للقتال في صفوفها بغية تمكينها من الانتصار. ومن فرط حماسته ذهب إلى حد تحذير عرب تشاد من أن فشل مشروع «الدعم السريع» في السودان سيعني نهاية حلم دولة عرب الشتات الأفريقي. وإمعاناً في التخويف من تبعات هذا الفشل، زعم أن مذابح انتقامية ستحدث ضد العنصر العربي في تشاد، ولإبادة القبائل التي وقفت مع «الدعم السريع».

ما أثار انتباهي في التسجيل الأخير الذي تلقيته أن المتحدث ركّز هذه المرة على أن مشروع توطين «عربان البادية الكبرى» لا يرتبط بـ«قوات الدعم السريع»، بل سابق لها، ويعود إلى عام 2006. وخلافاً لتسجيلاته السابقة، أورد هذه المرة سردية جديدة سعى من خلالها إلى ربط الموضوع بحزب المؤتمر الوطني قائلاً إنه (أي الحزب) كانت لديه رؤية «غير معلنة» بشأن توطين عربان غير سودانيين في السودان، وإنه كان هناك اتفاق «سري غير مكتوب» بين الرئيس السوداني السابق عمر البشير والرئيس التشادي الراحل إدريس ديبي بمقتضاه يُسهل لعربان تشاد الاستيطان في السودان، بينما يُسهل للأفارقة غير العرب من السودان الاستيطان في تشاد.

المشكلة في مثل هذه الروايات هو استنادها إلى أشياء، مثل «اتفاق سري غير مكتوب» أو «رؤية غير معلنة» يصعب التوثق منها، اللهم إلا إذا تطوع أحد أطرافها المباشرين بتأكيدها، وهو ما لم يحدث. كذلك كان لافتاً أنه بقدر حرص المتحدث هذه المرة على نقل المسؤولية إلى المؤتمر الوطني، فإنه لم يتطرق لهذا الجانب سابقاً، ما يثير التساؤلات حوله وحول مراميه.

لا أدري إن كان الكلام يرمي إلى مجرد السرد، أم أنه يرمي إلى إثارة بلبلة ومحاولة زرع فتنة بين الجيش السوداني والقوات المشتركة التي تقاتل في صفه. فليس سراً أن هناك جهات تعمل على زعزعة الثقة وإثارة المشاكل بين هذه الأطراف بغرض التأثير على مجرى الحرب.

في كل الأحوال فإن «قوات الدعم السريع» تبقى رأس الرمح في محاولة تغيير التركيبة الديموغرافية في دارفور أولاً، ثم في مناطق أخرى إن كانت تمكنت من فرض سيطرتها على الدولة. وليس سراً أنها ظلّت تجند مقاتلين من دول الجوار ومن عرب الشتات الأفريقي تحديداً للقتال في صفوفها. وبعد الهزائم المتلاحقة التي تلقتها من سنار إلى الجزيرة فالخرطوم، سمعنا «قائد الدعم السريع» محمد حمدان دقلو (حميدتي) وشقيقه ونائبه عبد الرحيم يلوحان بتجنيد مليون شخص في قواتهما، وهو كلام قد يكون محاولة لرفع المعنويات، لكنه أيضاً يكشف عن أن الرجلين ينظران عبر الحدود لاستقدام المقاتلين من الحواضن الاجتماعية لعرب الشتات سواء في تشاد أو أفريقيا الوسطى أو النيجر ومالي. صحيح أنهما لأسباب تكتيكية تحالفا مع حركات مسلحة أخرى ليست من حواضنهما المعروفة، لا سيما بعد الهزائم المتلاحقة منذ أشهر، إلا أنهما ظلا ينظران دائماً إلى المدد من عربان الشتات الأفريقي.

الآن بعد أن تبدد حلم السيطرة على الحكم، فإن «قوات الدعم السريع» مع داعميها تركز على معركة دارفور، وهو ما يجعل هذه المعركة مصيرية بكل المعايير، لا لهذه القوات فحسب، بل لوحدة السودان.

الجيش حسم أمره وأعلن مراراً وتكراراً أنه سيقاتل حتى آخر نقطة حدودية وسيحرر دارفور وكردفان، وذلك رداً على مَن يروجون أنه لن يكون حريصاً على مواصلة القتال بعد استعادة الخرطوم، أو أن هناك اتفاقاً مزعوماً لفصل دارفور وتركها لـ«الدعم السريع» مقابل انسحابها من مناطق تمددها السابق.

دارفور جزء مهم من السودان، وواهم مَن يعتقد أن انفصالها سيكون حلاً وبوابة للاستقرار في السودان، فدرس الجنوب على اختلافه ماثل أمام الأعين، وأي انفصال جديد سيكون أكبر تكلفة وأخطر على السودان ومستقبله.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

الأشغال تسلم 4 مدارس جديدة وتباشر تنفيذ 11 مشروعا تعليميا

الأمانة العامة للنواب تحيل قرار حبس الرياطي للمستقلة للانتخاب بعد تسلمه

تعيين الحكم الأميركي إسماعيل الفاتح لإدارة مواجهة إنجلترا والأرجنتين

هجوم صاروخي على ناقلة أثناء عبورها قرب السواحل العُمانية

أسعار الذهب في السوق المحلية الثلاثاء

عبدالله النسور نائبا أول لرئيس مجلس الأعيان وهاني الملقي نائبا ثانيا

مصابون في قصف للاحتلال الإسرائيلي على غزة

الأردن يستورد هواتف خلوية بقيمة 84 مليون دينار بالنصف الأول من العام

تلفريك عجلون يقدم خصم خاص لزوار مهرجان صيف عمّان

الحكومة تنشر أبرز ملامح مشروع القانون المعدل لقانون الملكية العقارية

التربية تدعو مرشحي الدبلوم العالي لاختبار تنافسي إلكتروني

طرح عطاء لتخفيف الازدحامات المرورية على بوابة جسر الملك حسين

مستوطنون يخربون بيوتا بلاستيكية جنوبي نابلس

اتحاد النحالين: 60 نحالا يشاركون في نسخة 2026 من مهرجان العسل الأردني

إمكان الإسكان يشارك في قطف محاصيل مزرعة الدار بالتعاون مع دار أبو عبدالله

مقتل أميركية في إيرلندا .. البحث عن أردني غادر البلاد قبل اكتشاف الجريمة

وفاة سيدة أثناء الولادة تستنفر الأجهزة الأمنية في إربد

بعد مقتل جيمي كارني .. ملتقى أردنيون في إيرلندا يصدر بيانًا رسميًا

زوجة قتلت زوجها ودفنته في ابو نصير .. تفاصيل صادمة

السلامي يوجّه رسالة مؤثرة للأردنيين بعد رحيله

استقالات مفاجئة تهز مجلس جامعة اليرموك .. ومصادر تكشف كواليس الخطوة

هيفاء وهبي تصل الأردن وتشعل الاهتمام قبل حفل الليلة .. ومفاجأة تجمعها بسانت ليفانت

جريمة تهز المواقع .. قتلت زوجها لأنه يحبها ويهتم بها .. صورة

مصر تودع كأس العالم وسط جدل تحكيمي .. ماذا قالت الصحافة الأرجنتينية عن حسام حسن؟

أول ثمار "مجلس السلام " خمط .. ؟

بعد المصادقة على حبسه .. الرياطي يفقد عضويته في النواب

قتيل واصابة بمحافظة جرش

تحذير من إحداث بلبلة والطعن في الغذاء الأردني عند إغلاق منشأة

السوسنة السوداء .. حكاية ترخيص أم أزمة حوكمة؟

هل تطوي الحكومة صفحة خالد البكار؟ رسائل المومني تفتح باب التهدئة والتعديل الوزاري