هل بدأ احتضار النظام الدولي الحالي

هل بدأ احتضار النظام الدولي الحالي

07-01-2026 01:30 AM

هل تذكرون خطاب دومينيك دي فيلبان الشهير في مجلس الأمن الدولي في شباط /فبراير 2003 عندما استمات طوال خمسين دقيقة في تبيان أن أي حرب على العراق هي مخالفة فجّة للقانون الدولي، وأن التحجج الأمريكي بقصة أسلحة الدمار الشامل، مع دق طبول الحرب لإسقاط نظام الرئيس العراقي صدام حسين، إنما يخفي أهدافا أخرى غير معلنة.
دومينيك دي فيلبان وزير الخارجية الفرنسي آنذاك لا يُذكر اسمه دون استحضار كلمته التاريخية، بلغته الفرنسية الرائعة التي تعكس ثقافة واسعة وعميقة، هو نفسه يعود في مقابلة إذاعية قبل أيام ليقول إن ما قام به الرئيس الأمريكي في فنزويلا لا علاقة له بالديمقراطية أو بتجارة المخدّرات، بدليل أن ترامب لم يدع غونزاليس أوروتيا المرشح الرئاسي الذي يفترض أنه هو من فاز على نيكولاس مادورو في الانتخابات الرئاسية الأخيرة إلى تسلم الحكم، وبدليل أنه هو نفسه من أصدر مؤخرا عفوا على رئيس هندوراس الأسبق خوان أورلاندو هيرنانديز المحكوم بعشرات السنوات بتهمة الاتجار بالمخدرات.
دي فيلبان في مقابلته، ورغم إدانته لنظام مادورو، خلص إلى القول إن ما جرى من استهتار واشنطن بالقانون الدولي ومن انتهاك لسيادة الدول لا يشير سوى إلى أننا «نعيش في عالم من الندرة تجعل الامبراطوريات الحديثة في حاجة إلى موارد وأراض جديدة، وأن ما حدث هو أن ترامب وضع يده على أكبر احتياطي نفط في العالم».
مجلس الأمن الدولي الذي استمع قبل أكثر من عشرين عاما إلى كلمة دي فيلبان وغيره من مندوبي الدول التي عارضت القيام بعمل عسكري ضد العراق لم يستطع في النهاية أن يردع إدارة الرئيس جورج بوش الابن عن المضي قدما في ما أضمره مسبقا، وجد نفسه اليوم يجتمع بعد أن فعلت واشنطن ما فعلته من اعتداء على دولة مستقلة ذات سيادة واختطاف رئيسها والقول بأنها ستدير ثروتها النفطي!! المندوب الأمريكي تحجّج بـ«الدفاع عن النفس» و«إنفاذ القانون» على عكس كلمات باقي الوفود التي ركّزت بشكل خاص على أن ما جرى يشكّل «سابقة خطيرة» و«أكبر انتهاك للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة حجر الزاوية في العلاقات بين الدول» وفق المندوب الصيني، مما يعطي «زخما جديدا للاستعمار» في العالم كما قال المندوب الروسي.
بين ما جرى للعراق عام 2003 وما جرى لفنزويلا، لم يكن القانون الدولي في أحسن أحواله طبعا، ولم يكن العالم في حالة تصالح مع الشرعية الدولية التي أرسيت بعد الحرب العالمية الثانية لتنظيم العلاقة بين الدول والحيلولة دون سيادة شريعة الغاب بعد الخسائر الفظيعة التي عرفتها تلك الحرب.
حتى قبل ذلك، حروب عديدة اندلعت في أصقاع مختلفة من العالم لم يكن فيها أبدا للقانون الدولي أي قيمة لكنه مع ذلك ظل صامدا رغم كثرة ما تعرض له من طعنات، لكن ما وصلنا إليه اليوم بعد ما جرى في فنزويلا يبدو وكأنه بداية النهاية الحقيقية لهذا القانون أو لنقل إنه المقدمات الأولى للاحتضار. ما جرى في العقود الماضية كان التآكل التدريجي لعلوية القانون الدولي ووجوب احترامه، سواء في البوسنة أو العراق أو سوريا أو غيرها لكن التآكل الأكثر فظاعة وفجاجة كان طوال عامين من حرب الإبادة الإسرائيلية في قطاع غزة. لم تكن دولة إسرائيل، التي قامت أصلا بقرار دولي، تعبأ بما يصدر عن الأمم المتحدة أو أي من مؤسساتها ومنظماتها المختلفة سواء محكمة العدل الدولية أو المحكمة الجنائية الدولية أو مجلس حقوق الإنسان مع دعم أمريكي رسمي بلا حدود أو تحفظ.
بعض الخبراء يرون أن كل ما جرى وصولا إلى «زلزال فنزويلا» ليس في نهاية الأمر سوى أن العالم يعيش نهاية النظام الدولي الذي أرسي بعد الحرب العالمية الثانية دون أن تتراءى في الأفق بشكل واضح ملامح النظام الجديد رغم أن المؤشرات الأولية لا تبدو مطمئنة بالتأكيد. ومثلما طوى العالم صفحة «عصبة الأمم» أول منظمة دولية تأسست بعد الحرب العالمية الأولى (1919 ـ 1920) وفشلت في منع الحرب العالمية الثانية (1939 ـ 1945) فإن هذا العالم يبدو وكأنه يستعد الآن لطي صفحة الأمم المتحدة التي خلفتها عام 1946، دون أن يعني ذلك أن هذا أمر وشيك لكنه بدأ على أية حال. كم سيستمر المخاض لولادة نظام دولي جديد؟ لا أحد بإمكانه الجزم بذلك.
في الأثناء، هناك خوف متزايد من أن ما جرى في فنزويلا، وما كان جرى من قبلها بشكل تراكمي مزعج، قد يغري أطرافا دولية مختلفة على مزيد التجرؤ على القانون الدولي المثخن بالجراح. لن تواصل إسرائيل وحدها عربدتها الدائمة واستهتارها بكل المواثيق الدولية فالبعض بدأ من الآن في توقّع خروقات عديدة للقانون الدولي قد تقدم عليها دول غيرها مستفيدة من المجال الذي فتحه لها ترامب، بل هناك من لم يتردد حتى في التساؤل: وماذا لو اختطفت روسيا الرئيس الأوكراني؟

كاتب وإعلامي تونسي



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

طلب منها عدم إخبار أحد .. الحبس لصاحب محل تحرش بطفلة عمرها 12 عاما في عمان

الحبس 6 أشهر لسيدة احتالت على أخرى بإبرة تجميل من إسرائيل

هدى العتوم تنتقد السماح باحتفالات الهالوين والتضييق على احتجاجات غزة

87 مليون يورو من صندوق المناخ الأخضر لدعم مشاريع في الأردن

شركات استبدلت موظفيها بالذكاء الاصطناعي ثم تعود لتوظيفهم .. ما القصة؟

القضاء العراقي يسترد 21 مليارا عن جريمة احتيال مالي

السيسي يصدر 3 توجيهات تهم ملايين المصريين

زين تعزز منظومة حماية الأسرة والطفل بالتعاون مع مؤسسة نهر الأردن

ما حقيقة فرض غرامة 225 ألف دينار على مزارع بسبب مياه الأمطار؟

وزير الثقافة يعلن بلدة "حمود" مدينة للثقافة الأردنية لعام 2027

الذهب والنفط وفلس الريف .. "الطاقة" تستعرض تقدم مشاريعها الاستراتيجية

الصادرات الأردنية للاتحاد الأوروبي ترتفع إلى 411 مليون دينار

5 شهداء ومصابون في قصف الاحتلال مواصي خانيونس بغزة

مجمع الملك الحسين للأعمال يوقع مذكرة تفاهم مع اتحاد الرياضات الإلكترونية

انطلاق المؤتمر الفني الدولي الـ38 للاتحاد العربي للأسمدة بعمان الثلاثاء

مصدر طبي يكشف لـ"السوسنة" الحالة الصحية لمنفذي هجوم الكرك

"أعطل من نتنياهو" .. عبارة تقود طبيبا اردنيا إلى السجن 6 أشهر

الضمان الاجتماعي يعلن تسهيلات جديدة للأردنيين .. تفاصيل

السجن بحق 7 من قادة الإخوان بالأردن .. أسماء

إنهاء خدمات موظفين حكوميين .. أسماء

بعد اشتعال مواقع التواصل بالخبر .. حقيقة القبض على منفذي هجوم الكرك

بالفيديو .. لحظة مداهمة منفذي هجوم الكرك والقبض عليهم

ثأراً لشهداء الكرك .. الأردن ينفذ عملية جوية في سوريا .. التفاصيل

وفاة طفل تهز مركز أشعة في عمان .. وإغلاقه بالشمع الأحمر

الأردن يقبض على عشرات المتورطين .. التفاصيل

إرادة ملكية بتعيين الأمير هاشم بن الحسين مستشارا للملك

تعديلات قانون التنفيذ: ضوابط جديدة لمنع سفر المدين وآليات حديثة لسداد الديون

الأمن العام يكشف كيف اتخذ منفذو جريمة الكرك قرارهم

ما قصة أسماء محافظات الأردن؟ حكايات تختبئ خلف أسماء 12 محافظة

أردنيون أمام مهلة شهرين لتسديد التزامات مالية .. أسماء