مصير جماهير كردستان سوريا في مهب التحولات الإقليمية والدولية

مصير جماهير كردستان سوريا في مهب التحولات الإقليمية والدولية

22-01-2026 09:58 PM

انتفت الحاجة إلى الوكالة الحصرية في محاربة «الإرهاب – داعش» في سوريا، والتي كانت تُمنح لقوات سوريا الديمقراطية المعروفة بـ«قسد»، وذلك بحسب ما صرّح به مبعوث الرئيس الأمريكي إلى سوريا، توم باراك. وبذلك أُعيدت هذه الوكالة لتُمنح إلى وكيل جديد حصري للولايات المتحدة الأمريكية، هو حكومة الشرع حاليًا، أي الشخص نفسه الذي كان يُصنَّف ـ هو وجماعته ـ إرهابيًا وفق التصنيف الأمريكي سابقًا.

بمعنى آخر، من أُوكِلَت إليه مهمة محاربة أبو محمد الجولاني في وقتٍ ما، أصبح اليوم هو الجولاني نفسه، بعد أن غيّر اسمه وصورته السياسية ليكون «مؤهلًا» لحمل لواء محاربة الإرهاب، والانضمام رسميًا إلى التحالف الدولي في محاربة داعش.

إن خسارة قوات سوريا الديمقراطية لمعظم الحقول النفطية والمناطق الزراعية ومساحات شاسعة من الأراضي التي كانت تحت سيطرتها في الرقة والطبقة، تعود أولًا إلى رهانها على التناقضات الدولية والصراعات بين القوى الإقليمية، وثانيًا إلى عجزها عن تجاوز أفقها القومي الضيق، عبر الرهان على المشاعر القومية الكردية بدل الظهور كحامل لراية الحرية والمساواة لجميع الفئات الاجتماعية في سوريا.

لقد أُتيحت لقوات سوريا الديمقراطية فرصة تاريخية للتحول إلى واحدة من أهم الحركات الثورية والتحررية، ليس في سوريا فحسب بل في عموم المنطقة، من خلال الدفاع عن دستور علماني غير قومي، والعمل على تثبيته وفرضه على دمشق. وكان بالإمكان أن تحشد، إلى جانب القوى الكردية، الجماهير في البلدان العربية، والحركة العمالية، وعموم الجبهة الإنسانية على مستوى العالم، بدل الارتهان الحصري إلى المشاعر القومية. وهو ما يُشبه، إلى حدٍّ بعيد، ما شهدته القضية الفلسطينية عندما كسرت الاحتكار والمزايدات القومية والاسلامية لتتحول إلى قضية في صلب الضمير الإنساني العالمي.

إن خسارة «قسد» للمناطق التي كانت تحت سيطرتها هي خسارة سياسية بالدرجة الأولى قبل أن تكون عسكرية. فقد تحولت من قوات سورية ديمقراطية تضم في صفوفها جماهير واسعة من جنوب شرق سوريا، من الناطقين بالعربية والكردية والآشورية، إلى قوة ذات طابع قومي كردي شبه خالص، بعد انسحاب قطاعات واسعة من الناطقين بالعربية منها. وقد نجحت القوى الحاكمة في دمشق في استغلال هذا البعد القومي، ودقّ إسفين داخل صفوف «قسد»، ما أدى إلى سحب "المكوّن العربي" منها، لتُترك في مواجهة البندقية القومية وحدها ضمن معادلة إقليمية ودولية معقدة.

إن من أهم المكتسبات التي ينبغي الدفاع عنها في تجربة الإدارة الذاتية في المناطق التي طردت منها عصابات داعش والإرهاب بجميع اجنحته بفضل قسد، هي المساواة بين الفئات الاجتماعية المختلفة، وتعريف الإنسان في هذه المناطق بهوية المواطنة، إلى جانب تطبيق قانون المساواة بين المرأة والرجل. فقوات حماية المرأة لم تكن صدفة، بل ثمرة نضال طويل للحركة النسوية، وكانت من أكثر القوى التي تصدّت للإرهاب وداعش، في وقتٍ كانت فيه هذه التنظيمات تُموَّل علنًا من الدولة التركية. ويكفي التذكير بتصريح وزير الخارجية التركي الأسبق أحمد داود أوغلو، حين اجتاحت داعش مدينة الموصل، إذ برّر وجودها بالحديث عن «اضطهاد السنة في العراق»، وهو تبرير دبلوماسي واضح لداعش في مؤتمر صحفي، في وقت لم تتعرض فيه القنصلية التركية أو طاقمها لأي أذى يُذكر في مدينة الموصل طوال اشهر عديدة.

إن جماهير سوريا اليوم تدفع ثمن هذه التحولات الإقليمية والدولية، وأصبحت هدفًا لإرهاب الحكام الجدد في دمشق، كما كان الحال مع الدروز في السويداء، والعلويين في الساحل، وكما أصبحت النساء هدفًا مباشرًا عبر القوانين القروسطية التي فُرضت ضدهن تحت مسمى «الإعلان الدستوري».

صحيح أن القضية الكردية تكتسب خصوصية تاريخية في المنطقة، وتُطرح من جديد على الطاولة في سوريا، إلا أن المعضلة الأساسية تكمن في أن جميع الفئات الاجتماعية السورية تدفع ثمن هذه التحولات. فما شهدناه في محافظة السويداء، وقبلها في الساحل، لا يعني سوى أمر واحد: جماهير سوريا تدفع ثمن «الحصاد التركي» في المنطقة.

إن السلام والأمان لن تنعم بهما جماهير سوريا ما دامت القوى السياسية التي تدّعي تمثيلها ترهن مصيرها للتناقضات الدولية والأجندات الإقليمية، وخصوصًا الارتهان لدول مارقة ذات طابع استعماري وعنصري مثل إسرائيل. ومن السخرية، بل من الكوميديا السوداء، أن نسمع تصريحات لبعض مشايخ الدروز تربط مصير الطائفة بإسرائيل بحثا عن الأمان والسلام، وهو المشهد نفسه الذي يتكرر، بشكل أو بآخر، في تجربة قوات سوريا الديمقراطية.

وعلى عكس ما ورد في المقال المنشور في صحيفة التلغراف البريطانية بعنوان: «سوريا الكردية ضحية الوعود الأمريكية الكاذبة» للكاتب جيمس سنيل، فإن المشكلة لم تكن يومًا في الأجندات الدولية بحد ذاتها، بل في الرهان الأعمى والمتكرر من قبل ممثلي التيار القومي الكردي، وعبر تاريخ المنطقة، على تلك الأجندات.

لا شك أن من حق جماهير كردستان سوريا اختيار مسارها السياسي بحرية، لكن من الضروري النظر إلى واقعها اليوم بوصفه مرتبطًا بمصير الجماهير في السويداء، والساحل، والرقة، والطبقة، وسائر المناطق السورية، ضمن معركة واحدة من أجل العيش الكريم والمساواة، على أساس سنّ قوانين للحرية والمواطنة المتساوية.

وعليه، فإن النضال المشترك لكل جماهير سوريا، ورفض الارتهان لأجندات أمريكا وتركيا اللتان يدعمان حكومة-الشرع-الجولاني من جهة، وإسرائيل التي تصطاد في المياه العكرة دوما، هو الطريق الوحيد نحو الأمن والأمان الحقيقيين.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد