حفيدتي عاصرت حربين

حفيدتي عاصرت حربين

05-03-2026 01:49 AM

حفيدتي الغضّة، ابنة الأشهر العشرة، عاصرت حربين حتى الآن.
لعلها ستعاصر حروباً أخرى كثيرة، إذا قدّر لها أن تعيش، مثلما عاصر جدّها ووالدُ جدِّها وجد جدها.
يسري في القلب حزنٌ خفيٌ حين تدرك أن عالماً تحكمه قوانين الوحوش ينتظر هذه البراءة الصغيرة. لم تتعلم بعد لفظ كلمة حب أو حرب، ولا ما هو أقل منها، فهي لا تنطق سوى أحرف الميم والباء والتاء، لكن أذنيها الصغيرتين تلتقطان أصوات الحرب. عويل الصفارات أولاً، ثم دويّ الانفجارات، قريبة أحياناً وبعيدة أحياناً أخرى، تأتي فرديّة أحياناً وفي سلسلة متدحرجة أحياناً أخرى. تتبدل ملامح وجهها تبعاً لقوة الصدى المرتد، تختفي ابتسامتها لحظة وكأنها تستشعر أن أمراً خطيراً يحدث، لا من وعيها، بل من ارتباك العيون وملامح الوجوه حولها. وظيفة الجد أن يبتسم بلا كلام، لأن الابتسامة في لغة الطفولة تعني الأمان.
نشأ أبناء جيلي على نشرات أخبار تبدأ بمارش عسكري، يتبعه صوت مذيع كأنه يقتحم ميدان القتال. موجز ثم تفاصيل، وبلاغات عاجلة. أتذكر كيف كانوا يقولون: «انتظروا بلاغاً هاماً»، ثم تنطلق الأناشيد الوطنية الحماسية بينما ينتظر الناس متلهفين، وحين تتوقف موسيقى المارش وينبس المذيع بأول، كلمة ينبّه بعضهم بعضاً: اصمتوا… كي لا تفوتهم كلمة واحدة من البيان الذي يبدو لهم مصيرياً.
لا يمضي عقد بل أحياناً نصف عقد إلا وتدور رحى الكريهة من جديد، كأنها لعبة يُستبدل فيها لون الراية، في أحيان كثيرة هي الراية نفسها ولكن بترتيب مختلف للألوان، وتختلف ملامح الناطق الرسمي باسم القوات المسلحة، والكأس تدور، وعلى الجميع أن يشربوا منها.
ما يبدو ثابتاً اليوم قد يغدو قشة في مهب عاصفة النار. كأنما كُتب على هذه البقعة من الأرض أن تكون مسرحاً دائم العروض للتراجيديات، منذ بدء الحضارات الإنسانية إلى يومنا.
من هنا مرت طرق التجارة القديمة، وهنا تتقاطع القارات، وتتراكم طبقات الدِّين والرسل والصالحين والخرافات، ويتزاحم المقدس والسياسة والمصالح على رقعة واحدة من الأرض.
بعد أفول نجم الإمبراطورية العثمانية في نهاية الحرب العالمية الأولى، لم تُترك هذه المنطقة لتلتقط أنفاسها. رُسمت خرائط بمسطرة باردة، وحدود لم يُسأل عنها أبناء الأرض، وأنظمة فُصّلت لها وظيفة واحدة: خدمة مصالح أولئك الذين منحوها الحياة. وأي خروج عن النّص يُواجه بالنار وحتى الإلغاء، أو ببساطة، بالفصل من العمل واستبداله بموظف آخر لأجل نجاعة العمل. كل القوى الكبرى مرّت من هنا أو رغبت في المرور، وكل صراعات الكون تترك ظلًا أو بصمة فوق تراب هذه البلاد.
أنظمة الوظيفة نفسها تضيق بأنفاس شعوبها حتى تكاد تخنقها، فتولد الانفجارات الداخلية. تشتعل الصراعات بأقنعة طائفية ومذهبية وعشائرية، وكل موظف يسعى إلى رضا ذلك الذي يمنحه القوة والحماية ويزوده بالمعلومة ويمدّه بالسلاح. يتضخم بعضهم حتى يخدعه الوهم فيظن أنه صار سيد مصيره.
حروب الجيوش النظامية في منتصف القرن العشرين كانت تنتهي باتفاقيات وحدود واضحة، لكن منذ عقود قليلة تغيّر شكل النار؛ صارت الحروب أطول وأشد تعقيداً، حروب استنزاف، حروباً بالوكالة، وحروباً داخلية بين الأهل والجيران وحتى بين الإخوة.
تحالفات وعداوات تتبدل بسرعة. قطار سريع يهبط منه مسافرون ويصعد آخرون. أصدقاء يصبحون أعداء، وأعداء يصيرون أصدقاء حتى المحطة التالية، يترك أحدهم الآخر أو يدفعه دفعاً ليسقطه. فلا صداقات دائمة ولا عداوات أبدية، والمبادئ في أكثرها ليست سوى معاطف للمصالح.
الأقنعة كثيرة، اختر منها ما شئت: قناع الديمقراطية، الطائفية، المذهبية، القومية، العشيرة، حقوق الإنسان، قناع المقدس والوعد الإلهي.
لم تعد للحروب بدايات واضحة ولا نهايات رسمية، كل ما هنالك حالة حرب دائمة، وحالات وقوانين طوارئ، ولغو كثير عن السلام. سلام برعاية مصانع السلاح الأشد فتكاً منذ بدء الحضارة البشرية.
يوهموننا أنها حروب كثيرة، لكنها في جوهرها حرب واحدة طويلة بدأت منذ قرون ولم تنته بعد. يرون في هذه المنطقة فريسة متاحة، قد يختلفون على القسمة فيما بينهم، ولكنهم في نهاية الأمر لا يختلفون على الجوهر والهدف.
أنت في خير ما دمت تقبل الصفقة التي يفرضونها عليك. وكلما رحل إمبراطور جاء من هو أشد طمعاً وشراهة من سابقه.
في لحظات الاستقرار النادرة، تزدهر التجارة، يمتلئ سوق العمل، تزدحم الجامعات بالطلاب، ويحتفل الناس بالخريجين وبالمنافسات الرياضية، ويلتفتون إلى الموسيقى والمسرح والروايات والقصص والشعر وغيره من الفنون.
كم مرة تنبأوا بنهاية الحروب؟ وكم مرة قالوا إنها الحرب الأخيرة؟ لكن قبل أن تجف الدماء يخططون لحروب جديدة. كلما ظنناها النهاية اتضح أنها صفارة البداية لسلسة جديدة من حروب أقذر من سابقاتها، وكأن المنطقة حاضنة تفقيس للحروب.
المنطقة العربية كلها مع جوارها، تبدو كجسد عملاق مليء بالدمامل والقروح، أسماء جديدة لأمراض وجروح قديمة.
انتقلنا من زمن الراديو والموجات التي تختفي لتعود، من دقات ساعة جامعة القاهرة عند رأس الساعة، ومن صوت المذيع الذي يعلن بوقار: هنا القاهرة، ومن الانتظار الصامت لنشرة الأخبار، إلى زمنٍ يصل فيه خبر انطلاق المقذوف قبل أن يصل المقذوف نفسه إلى هدفه.
تخيل أن بعض الضحايا علموا من شريط الأخبار أن صاروخاً انطلق في هذه اللحظة من مكان ما على مسافة ألف وخمسمئة كيلومتر في طريقه إليهم، وبعد دقائق يسمعون رحى معركة تقنيات في ميدان الفضاء فوق رؤوسهم، قد تنجيهم وقد تحوّلهم بعد ثوان إلى أسماء في قوائم الموتى والمفقودين.
أما الناجون فيشهرون هواتفهم ويصوّرون الأنقاض والحرائق، رغم التحذيرات بأن كل صورة لمكان سقوط المقذوف قد تتحوّل إلى معلومة للعدو.
وأنت تدخل الملجأ لا تنس من لا سقف فوق رؤوسهم، ولا شبكات دفاع تتصدى لتحميهم، وليس لديهم إنذارات مسبقة، في لحظة واحدة فقط، قد يكونون أرقاماً أخرى تضاف إلى سجلات الأرقام الكثيرة.
لم تعد الحروب حدثاً استثنائياً، بل صارت الخلفية الدائمة للحياة اليومية، حتى الأخبار مهما كان ثقلها فقدت هيبتها. أصبح الأمر النادر حقاً هو أن يمر عام من غير حرب أو من غير إنذار أخير قبل الحرب. الغريب هو السلام، وكأنه لا يجد مستقراً له في هذه الجغرافيا المثقلة بالذاكرة والدم.
أنظر إلى حفيدتي وهي تتشبث بالطاولة بيديها الصغيرتين بينما يصفق الكبار مشجعين. تبتسم بفرح لإنجازها الكبير، ثم تسقط سقوطاً خفيفاً وتوشك أن تبكي. تمتد أكثر من يد لتعيدها كي تمسك حافة الطاولة، لكني أقول: اتركوها، دعوها تتعلم الوقوف وحدها. ويتسلل إلى قلبي قلق ثقيل على المستقبل الذي ينتظرها وملايين مثلها.


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد