عُشُّ العَنْكَبُوتِ

عُشُّ العَنْكَبُوتِ

22-03-2026 10:04 PM

في زاوية نائية من مدينةٍ بلا وجوه حقيقية، جلستُ وحدي، أراقب خيوط العنكبوت تتدلى من سقفٍ مهترئ، كأنها شعورٌ خافت بالوهم يتلوى في الهواء، كل خيط يلمع بالضوء الذي لا يصل إلى القلب، كل لمعة كذبة صغيرة يُسكبها العالم في عينيك لتعتقد أن هناك مأوى، وأنا أعرف أن العش الذي نسجه العنكبوت ليس بيتًا، بل شبكة من المصائد. ومصائري تتساقط فيه كجواهرٍ بلا قيمة، أمد يدي لألمس الواقع فيجدني مجرد شبح، مجرد صدى للصمت، والأشباح تتجمع حولي، ترتدي وجوهًا مألوفة لكنها بلا عيون، بلا قلب، كلهم يحسدون صمت روحي ويخشون حرارة غضبي، فيغدون أصواتًا بلا معنى، صدى كابوسٍ طويل، أنا الذي أقف في وسط هذا الفراغ، أراقب نفسي تنكسر في كل انعكاسٍ للزجاج المكسور، أحاول أن أجد شرارة حياة بين حطام الوجوه التي تمرّ بي، وكل وجه يذّكرني بأن العزلة ليست اختيارًا، بل مصيرٌ نُسج لنا منذ البداية، كما نسج العنكبوت عُشّه بخيوط دقيقة، شفافة، حادة، يمكن لأي ريحٍ أن تقصّها، وأنا أتنفس هذه الهشاشة واحتضنها، وأرى الموت في كل لحظةٍ تمر، ليس الموت بالرحيل عن الحياة، بل بالوهم الذي نعيش فيه، بالخيوط الدقيقة التي تلتف حول عقلنا فتشلّه، فنصبح كأقنعة معلقة في فراغٍ لا نهاية له، أبتسم في الظلام لأني أعرف أن كل شيء، كل خيط، كل نفسٍ، هو مجرد وهم متقن، وأنا العنكبوت والمصيدة والفريسة، وأن أعيش يعني أن أكتب هذا الألم، أن أرسم الصور التي تحرق العيون قبل أن تحرق القلب، أن أعل القارئ يسقط في فراغي كما سقطتُ فيه، فلا مأوى، ولا رحمة، ولا خلاص، فقط أنا، وأنا أراقب العالم من زاويةٍ نائية، أرى العش يتلألأ بخيوط الكذب، وأعرف أنني الوحيد الذي يرى الحقيقة خلف هذه الشفافية القاتلة.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد