نتنياهو بين المسيح وجنكيز خان: حين تبرّر القوة نفسها
23-03-2026 02:27 AM
في خضم الضجيج العالمي وتزاحم الأزمات، لا تغدو الكلمات مجرد أدوات للتعبير، بل تعرية لما يستبطنه القائل من تصورات وأفكار ونزعات، ومن بين تلك التصريحات الصادرة مؤخرا، ما تحدث به رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، حول المساواة بين السيد المسيح والقائد المغولي جنكيز خان.
اقتبس نتنياهو عبارة للفيلسوف والمؤرخ الأمريكي ويل ديورانت صاحب الكتاب الشهير «قصة الحضارة»، زعم فيها أن التاريخ يثبت أنه لا أفضلية للمسيح على جنكيز خان، واستشهد بها نتنياهو لتعضيد فلسفته حول القوة والأخلاق، حيث قال في مؤتر صحافي مساء الخميس الفائت: «في هذا العالم لا يكفي أن تكون أخلاقيا، ولا أن تكون عادلا، ولا أن تكون على حق»، مضيفا: «لأنه إذا كنت قويا وقاسيا بما فيه الكفاية فإن الشر يمكن أن يغلب الخير».
كانت العبارة كفيلة بإثارة موجة من الاستهجان العالمي، من قبل المسيحيين والمسلمين على السواء، وعلى الرغم من أن نتنياهو عاد ليوضح أنه لم يقصد الإساءة للمسيح، وأن العبارة اقتباس من كتاب ديورانت، إلا أن ذلك لم يعفه من تهمة الإساءة، عبر المقارنة الجائرة بين شخصين بينهما كما بين السماء والأرض، فلم يكن ليعدم – لو أراد – الاستشهاد بمقولات أخرى لا تقحم السيد المسيح.
ومما يثير الدهشة، أن المقارنة المسيئة للسيد المسيح، تصدر عن نتنياهو في الوقت الذي يستميت أتباع المسيح من الإنجيليين في الولايات المتحدة في دعم الكيان الإسرائيلي، بل العمل على إقامة دولة إسرائيل الكبرى المزعومة من النيل إلى الفرات. ولئن كان التوضيح الذي استدرك به نتنياهو قد يعفيه لدى البعض من تهمة تعمد الإساءة للمسيح، إلا أنه لن يجد ما يعفيه من هذا التأصيل الهمجي، الذي يجعل القوة هي المعيار الوحيد، وأن الأخلاق وقيم الرحمة والعدل والتسامح ليست سوى ترف لغوي يمكن الاستغناء عنه عند أول اختبار حقيقي، فهي رؤية لا تنظر إلى الإنسان إلا باعتباره كائنا في معادلة صراع، ولا ترى في الأخلاق إلا أنها عائق أمام الحسم. حين استدعى نتنياهو جنكيز خان فإنه لم يستحضر مجرد قائد عسكري تاريخي، بل استحضر نموذجا لتشكّل الغلبة بالقوة المجردة، ورسم الخرائط بالدم، وحين يقابل هذا النموذج بشخصية المسيح، فإننا إذن لن نجد أنفسنا أمام مقارنة عفوية، بل أمام عملية إزاحة رمزية للرحمة، والتطبيع الكامل مع العنف بوصفه قدرا لا مفر منه. التصريح في جوهره ومضامينه ليس طارئا، وليس معزولا عن السياق، بل هو امتداد طبيعي لسرديات صاغتها الإمبراطوريات الغربية، التي جعلت الاحتلال الغاشم بقوة السلاح استعمارا، انتهاء بالسياسات الإمبريالية الحديثة، التي تنتهجها الولايات المتحدة تحت شعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان، لتكرر النمط ذاته: القوة هي التي تعيد تعريف الأخلاق وتعيد تموضعها. المشروع الصهيوني جزء من هذه المنظومة الغربية الإمبريالية، وخرج من رحمها وترعرع تحت مظلتها، واستند إلى الفلسفة نفسها التي قامت عليها تلك المنظومة، وهي أن الواقع يمكن فرضه لا التوافق عليه. غير أن ما يجعل تصريح بنيامين نتنياهو أكثر خطورة، هو أنه لا يكتفي بوصف الواقع، بل يسعى إلى تبريره، بل وإعادة تعريفه.
حين يُقال إن المسيح لا يتفوق على جنكيز خان، فإن الرسالة الضمنية واضحة: لا توجد جريمة إذا كانت القوة هي الحَكم، ولا يوجد ظلم إذا كان المنتصر هو من يكتب الرواية. وهنا يتحول الخطاب من مجرد توصيف إلى أداة تبرير، فالأفعال التي تُرتكب على الأرض، بكل ما تحمله من قسوة، لا تُعرض بوصفها انتهاكات، بل بوصفها «ضرورات». والضحايا لا يُنظر إليهم كأصحاب حقوق، بل كأرقام في معادلة أمنية. وهكذا، تُفرغ الكلمات من معناها، وتُستبدل اللغة الأخلاقية بلغة تقنية باردة، تُخفي أكثر مما تُظهر. إنها عملية خطيرة من إعادة تشكيل الوعي، حيث يُطلب من العالم أن يقبل بما كان يُرفض، وأن يتعايش مع ما كان يُدان. وحين تتكرر هذه اللغة في الخطاب السياسي والإعلامي، فإنها تتحول تدريجيا إلى «طبيعة»، إلى أمر مألوف، لا يثير الدهشة، ولا يستدعي الاحتجاج.
نتنياهو الذي يقود العالم إلى الدمار في سبيل إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط وتحقيق الحلم الصهيوني الأكبر، يحاول أن يقنع العالم بأن المرجعية الأخلاقية فقدت صلاحيتها، وأن الزمن تغير، وأن الواقعية تقتضي التخلي عن الأوهام الأخلاقية، ومن ثم انتقل نتنياهو بهذه الفلسفة المطروحة من نفي وإنكار العنف إلى شرعنة العنف، وهذا من متطلبات المرحلة التي يمر بها الكيان الصهيوني الذي يسابق الزمن لابتلاع المنطقة.
ما يكرس له نتنياهو من اعتماد القوة المجردة عن الأخلاق والقيم منقوض بالذاكرة التاريخية، التي حفظت لنا أن بطش الإمبراطوريات لم يضمن بقاءها، من سقوط الإمبراطورية الرومانية إلى انهيار المشاريع الاستعمارية في القرن العشرين، فالقوة الغاشمة قد تؤجل السقوط، لكنها لا تمنعه. ما غاب عن نتنياهو في هذه المقارنة الجائرة، أن جنكيز خان قد زالت إمبراطوريته، وأصبحت أثرا بعد عين، بينما بقيت أخلاق المسيح باقية عابرة للأزمان.
كاتبة أردنية
749 عملية ضد الحوثيين وقتل 239 من عناصرهم خلال يوم
استحداث برامج دراسات عليا في المعهد القضائي
رجال وفرسان الأجهزه الأمنية ضبطوا المجرمين
الأردن وقطر يبحثان تطورات المنطقة والجهود لاحتواء التصعيد
دمشق تستدعي السفير الأردني بعد الغارات الجوية في درعا
وفاة طفل تهز مركز أشعة في عمان .. وإغلاقه بالشمع الأحمر
"أعطل من نتنياهو" .. عبارة تقود طبيبا اردنيا إلى السجن 6 أشهر
بعد هجوم كنيسة حمود .. ماذا جرى بين عمّان ودمشق قبل الضربات؟
صورة بالذكاء الاصطناعي تشعل أزمة بملايين بين إسبانيا والصين
6 غارات جوية للجيش اليمني تستهدف مواقع الحوثيين في تعز
ارتفاع أسعار الذهب في الأردن 40 قرشا .. إليكم التسعيرة الجديدة
الكويت تستدعي السفير الإيراني بعد نفي طهران تورط مواطنها بمخطط اغتيال
الراحل المسيحي محمد قسوس .. لماذا اختار له والده هذا الاسم؟
متى يحل أول منخفض جوي ماطر في الأردن؟
الضمان الاجتماعي يعلن تسهيلات جديدة للأردنيين .. تفاصيل
قرارات جديدة صادرة عن الضمان الاجتماعي .. تفاصيل
تغيير مواعيد الطابور والحصص المدرسية اعتبارا من الأحد المقبل
السجن بحق 7 من قادة الإخوان بالأردن .. أسماء
تحديد موعد العطلة الشتوية للمدارس
بعد اشتعال مواقع التواصل بالخبر .. حقيقة القبض على منفذي هجوم الكرك
الذنيبات للهلسة: إخوة الدم والجيرة والمصير .. ومرتكبو الجريمة لا يمثلوننا
بالفيديو .. لحظة مداهمة منفذي هجوم الكرك والقبض عليهم
ثأراً لشهداء الكرك .. الأردن ينفذ عملية جوية في سوريا .. التفاصيل
القبض على طلبة مدارس جندتهم جماعات تكفيرية عبر الإنترنت
الأردن يقبض على عشرات المتورطين .. التفاصيل
