العالم بحاجة إلى أمثال «دون كيشوت»

العالم بحاجة إلى أمثال «دون كيشوت»

09-04-2026 12:45 AM

عالمنا اليوم لم يفقد جبهات حرب فحسب، بل فقد أيضا عقله وضميره وإحساسه بالحقيقة، فالتوتر المتصاعد على محور الولايات المتحدة ـ إسرائيل ـ إيران ليس مجرد صراع جيوسياسي؛ بل هو أيضا التجلي الأكثر عريا لعصر تحاول فيه الأكاذيب أن تنتصر على الحقيقة. لقد بات واضحا بشكل جلي أن رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو، استطاع أن يجرّ قوة كبرى مثل الولايات المتحدة الأمريكية إلى دائرة التلاعب والكذب، وأن يدفع زعيما مثل دونالد ترامب إلى أتون هذا الحريق الكبير. وهذا ليس مجرد خطأ قائد ما، أو وقوعه تحت الضغط، بل هو تعفن كامل لعصرٍ ونظامٍ بأكمله.
والأشد ألماً هو أن العالم رأى هذا المشهد، شاهد كيف تبنى الكذبة بطابع مؤسساتي، وكيف تُكمَّم الحقيقة، وكيف يبني أصحاب القوة وهما متكاملا، ومع ذلك، لم يتردد الصدى لذلك القول العميق الصادم: «الملك عار». وهنا تحديدا بدأت الأزمة الحقيقية. لأن صمت الحقيقة هو أعظم انتصار للكذب. واليوم، أصبحت الإنسانية أسيرة ليس للحروب فحسب، بل للصمت أيضا. لهذا السبب، فإن العالم اليوم أحوج ما يكون إلى أمثال «دون كيشوت»، لكن هذه الحاجة ليست حنينا أدبيا رومانسيا؛ بل هي ضرورة وجودية. هناك حاجة إلى فرسان جوّالين، أي إلى أولئك الذين يجرؤون على البقاء وحدهم في سبيل الحقيقة، الذين يُصغون إلى صوت الضمير، لا إلى صخب الجموع. هناك حاجة إلى أقلام وساسة يتحلون بالحقيقة والشجاعة والإيمان، في مواجهة من يزرعون الخوف والشك وانعدام الثقة بين الشعوب، لأن أخطر أسلحة هذا العصر ليست الدبابات، بل التصورات؛ وأعظم دمارٍ لا تصنعه القنابل، بل الأكاذيب.
غير أن المسألة ليست مجرد انهيار أخلاقي؛ بل هي أيضا شلل ذهني، فمنذ أوغست كونت، أحد أكبر أصنام العالم الحديث، علّم العقل الوضعي الإنسان أن يسأل فقط «كيف»، بينما تم إسكات سؤال «لماذا» بشكل ممنهج. لقد تعاظمت القوة التقنية، لكن المعنى تلاشى. امتلكت الإنسانية أدوات قادرة على تغيير وجه الأرض، لكنها نسيت ماذا تفعل ولماذا تفعل، ولهذا، اجتمعت اليوم القدرة التقنية مع غياب الغاية؛ فتحول العالم إلى آلة عملاقة تنجرف وراء أهداف عشوائية. في مثل هذا العالم، ليس من قبيل المصادفة أن نشعر بأن «العميان يقودهم ويرشدهم المجانين». فعندما يغيب الإيمان والعقل كمرشدين، تحكم القوة في أكثر صورها فظاظة، وهذه الهيمنة لا تدمر المدن فحسب، بل تدمر المستقبل أيضا. واليوم، تواجه الإنسانية خطر فقدان القدرة على امتلاك التاريخ، أي المستقبل، لأن القوة المنفصلة عن الحقيقة لا تبني، بل تهدم فقط. وفي هذه اللحظة بالذات، ينبغي أن نتذكر دون كيشوت. فجنونه ليس إلا اسما آخر للوفاء للحقيقة. إنه يمثل الروح التي تدرك أن ما يسميه العالم «واقعا» هو في كثير من الأحيان مجرد وهم، ومع ذلك لا تتخلى عن السعي وراء المثال. وكما يقول روجيه غارودي في كتابه «دون كيشوت»، فإن دون كيشوت يضع المثال قبل الواقع، وهو رمز مقاومة لا تنحني أمام أي عاصفة. وهذا بالضبط ما يحتاجه العالم اليوم: هذا «الجنون المقدس». لأنكم إن آمنتم بقضية عادلة، فلا عودة إلى الوراء. يجب أن تناضلوا مهما كان الثمن. يجب أن تواصلوا المسير من دون تردد أو ارتباك، من دون أن تفقدوا شجاعتكم أمام كل وضع جديد. إن أعظم مأساة لهذا العصر هي أن الناس يعرفون الحقيقة، لكنهم لا يملكون الشجاعة ليعيشوا وفقها. والحقيقة لا تُعاش بنصفها؛ إما أن تُحتضن كاملة، أو تُفقد بالكامل.
نحتاج إلى قوتين أساسيتين: الأولى إيمانٌ يكسر شاهدة قبر الوضعية؛ والثانية وعيٌ بالمسؤولية والثقة، يُعاد بناؤه في مواجهة البشر الذين جرى تفريقهم وإثارة العداء بينهم، لأن الشيء الوحيد القادر على إبقاء الإنسانية قائمة وسط هذا الصراع الأعمى بين الشعوب والجماعات والأفراد هو الإحساس الأخلاقي بالمسؤولية المتبادلة بين الجميع. وهنا تستعيد السياسة معناها الحقيقي. فالسياسة ليست آلية محبوسة داخل نظام جامد، بل هي التاريخ الذي لا يزال يُصنع. فالماضي ليس سوى رواسب متجمدة لما قد حدث وانتهى. أما المستقبل، فهو مساحة ما لم يُكتب بعد. وهذه المساحة لا يمكن ملؤها إلا بالشجاعة. فلا تناظر بين الماضي والمستقبل؛ لأن الأول قد انتهى، والثاني لم يبدأ بعد.
واليوم، يقف أمام الإنسانية سؤال واحد: هل سنعيش في ظلام الكذب الآمن، أم سنتجه نحو نور الحقيقة الخطِر؟ إن الإجابة عن هذا السؤال لا تقع على عاتق القادة والمثقفين وحدهم، بل على عاتق كل إنسان. وكأن قول غارودي يلخص هذا العصر: «أعظم خطيئة في العالم هي الوقوع في اليأس»، لأن الأمل ليس مجرد شعور، بل هو شكل من أشكال المقاومة. أما الإيمان، فهو أن تؤمن بقدوم الصباح رغم العواصف. ولهذا، فإن العالم اليوم بحاجة لا إلى من ينشر الخوف، بل إلى من يزرع الأمل؛ لا إلى من يضخم الشك، بل إلى من يدافع عن الحقيقة؛ لا إلى من يقود الحشود، بل إلى من يقول الصواب ولو بقي وحيدا. وباختصار، فإن هذا العالم يبحث من جديد عن أمثال دون كيشوت. وربما يكون السؤال الأكبر هو: هل ننتظرهم، أم نكون نحن من يمثلهم؟

كاتب تركي



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

لبنان: حيث تصبح الزيارة الأخيرة بلا موعد والموت بلا قصد

تمارين لا بدّ منها لاكتمال الهزيمة

العالم بحاجة إلى أمثال «دون كيشوت»

يا لها من مباراة .. ويا له من بايرن

أتلتيكو يصعق برشلونة في الكامب نو بثنائية قاتلة في دوري الأبطال

182 شهيداً في حصيلة غير نهائية لأعنف غارات إسرائيلية على بيروت .. فيديو

ترامب يعلن فرض رسوم جمركية 50% على أي دولة تمد إيران بالسلاح

توقيف نحو 200 شخص في تركيا بعد الهجوم على القنصلية الإسرائيلية

إيران تغلق مضيق هرمز بالكامل وناقلات النفط تعود أدراجها

حسان يؤكد تضامنه مع لبنان ورفض العدوان الإسرائيلي

ترامب يهشم صورة أميركا : جيوسياسية "هرمز" .. والدول الوسطاء تفرض كلمتها

البيت الأبيض: ترامب يضغط لمعاودة فتح مضيق هرمز دون رسوم

الإمارات تطالب بـمساءلة إيران وتعويض عن الأضرار والخسائر

قاليباف: ثلاثة انتهاكات لمقترح النقاط العشر تقوّض وقف إطلاق النار

إعادة فتح الأماكن المقدسة في القدس اعتبارًا من الخميس