جراح حزيران وظلال النكسة

جراح حزيران وظلال النكسة

05-06-2026 02:10 PM

​خمسة وتسعون دقيقة في صباح الخامس من حزيران عام 1967 م كانت كافية لتبديد الأوهام وقلب الموازين الجيوسياسية في المنطقة إلى الأبد . في مثل هذا اليوم ، تمر علينا الذكرى التاسعة والخمسون للحرب العربية الإسرائيلية الثالثة ، المعروفة عالمياً بـ " حرب الأيام الستة " ( Six Days War ) تبعاً للمصادر الإسرائيلية والأجنبية ، والمحفورة في الوجدان والذاكرة العربية باسم " النكسة " .
​تأتي هذه الذكرى لتفتح كتاب التاريخ على جرح لم يندمل بعد ، حيث انتهت تلك الحرب باستيلاء الكيان الصهيوني على كامل تراب فلسطين الجغرافية الممتدة من النهر إلى البحر ، والتي خضعت للانتداب البريطاني ما بين عامي 1923 م و 1948 م ، بالإضافة إلى قضم أراضٍ شاسعة من دول طوق مجاورة شملت شبه جزيرة سيناء المصرية وهضبة الجولان السورية .
​نذر العاصفة : كيف تشكلت مقدمات الحرب ؟
​لم تكن حرب حزيران وليدة ساعتها ، بل سبقتها حالة من التوتر التدريجي المتصاعد منذ نهاية عام 1966 م . وفي منتصف أيار 1967 م ، وتحديداً في الخامس عشر منه ، عبرت قوات برية مصرية ضخمة قناة السويس لترابط في شبه جزيرة سيناء كإجراء دفاعي استعراضي ، إثر معلومات استخباراتية سوفييتية أفادت بنية إسرائيل الهجوم على الجبهات العربية . هذه الخطوة غيّرت قواعد الاشتباك القائمة منذ العدوان الثلاثي عام 1956 م ، ودفعت بحكومة الاحتلال لإعلان حالة التأهب القصوى في صفوف جيشها .
​تسارعت الأحداث كقطع الدومينو المستمرة ، ففي السادس عشر من أيار ، طالب الرئيس المصري جمال عبد الناصر بإخلاء قوات الطوارئ الدولية ( UNEF ) المتمركزة في سيناء وقطاع غزة لمراقبة وقف إطلاق النار منذ عام 1957 م . وبعد يومين من المفاوضات الفاشلة ، حيث أصرت مصر على المغادرة ورفضت إسرائيل نقل تلك القوات إلى جانبها من خط الهدنة ، غادرت القوات الدولية المنطقة في 18 أيار .
​ولم يكد يمر أربعة أيام حتى أعلنت مصر إغلاق مضيق تيران أمام الملاحة الإسرائيلية ، وهو القرار الذي اتخذته إسرائيل ذريعة مباشرة لإشعال فتيل الحرب . ورغم توقيع اتفاقية تحالف عسكري لافتة أنهت الخلافات بين الرئيس عبد الناصر والملك الحسين بن طلال في 30 أيار ، إلا أن طبول الحرب كانت قد دُقّت بالفعل .
​الاستبسال الميداني للجيش الأردني : ملاحم على خط النار :
​على النقيض من غياب التنسيق العام ، سطر الجيش العربي الأردني ( المصطفوي ) أروع ملاحم البطولة والتضحية في مواجهة غير متكافئة على امتداد جبهة مشتعلة طولها 350 كيلومتراً . خاض الجنود الأردنيون معارك ضارية دفاعاً عن القدس والضفة الغربية ، واجهوا فيها تفوق العدو الجوي وقنابل " النابالم " الحارقة المحرقة بعزيمة صلبة وقاتلوا حتى الرمق الأخير ، ومن أبرز تلك المحطات :
​1 ) معركة جبل المكبر ودار الحكومة : حيث قاتلت كتائب المشاة الأردنية ببسالة منقطعة النظير ، ودمرت للعدو ثماني دبابات ، مجهضةً أهدافه الأولية وأجبرته على التراجع إلى الخلف في تلك الجبهة .
​2 ) ملحمة تل الذخيرة وأسوار القدس : شهد موقع " تل الذخيرة " وعموم تخوم القدس أشرس المعارك العسكرية وأعنفها ، حيث استبسل الجنود الأردنيون في الدفاع عن الموقع حتى آخر طلقة وسجلوا سردية صمود شهد بصلابتها الخصم قبل الصديق . ومما وثقته سجلات تلك الفترة التاريخية ، إقدام قوات العدو بعد سيطرتها على التل في 7 حزيران 1967 م على تثبيت لافتة مؤقتة على بندقية أردنية تشير إلى مكان دفن مؤقت لـ 17 جندياً أردنياً استشهدوا في خندقهم ، وذلك تكريماً لشجاعتهم الأسطورية واعترافاً باستماتتهم في القتال .
​وفي غمار هذا الاستبسال والدفاع المستميت عن أسوار القدس الحبيبة وثراها الطهور ، ارتقى كوكبة من الضباط الأحرار الذين وهبوا دماءهم رخيصة في سبيل الله والوطن . وفي مثل هذا اليوم ، نستذكر بقلوب مؤمنة في ذكرى الحرب ابن عشيرتنا الشهيد البطل ، أحد افراد الجيش العربي " إبراهيم يوسف الغرايبة " ( رحمه الله رحمة واسعة ) ، الذي جاد بروحه الطاهرة مدافعاً عن ثرى الأردن الغالي وفلسطين الحبيبة ، وفُقد بتاريخ 6 / 6 / 1967 م حيث نال شرف الشهادة ودُفن في مكان مجهول من أرض فلسطين العربية .
​ذاكرة البيوت الأردنية : تفاصيل الحياة خلف جبهات القتال ( شاهد عيان ) :
​خلف خطوط النار العسكرية ، كانت هناك جبهة أخرى صامدة صاغتها سواعد أهالينا في القرى والمدن الأردنية ، والذين عاشوا تفاصيل الحرب بكل جوارحهم وثقّلت ذاكرتهم بتفاصيل لا تمحوها العقود .
​يروي لنا كبار السن من شهود العيان كيف تحولت البيوت والمزارع فجأة إلى ورش عمل عائلية تحسباً للقادم :
​1 ) حفر الملاجئ والتحصينات : ما إن بدأت نذر الحرب حتى هبّ الجيران يتشاركون الفؤوس والمعاول لحفر مفاجئ و خنادق ترابية مستطيلة خلف المنازل وفي الكروم والبساتين الزيتون والعنب ، يتم سقفها بأعمدة الخشب والتراب وسعف الشجر لحماية الأطفال من الشظايا وغارات الطيران . أما في المدن ، فقد تحولت " التسويات " والغرف العقدية القديمة ذات الجدران السميكة إلى ملاجئ جماعية تلتقي فيها العائلات عند سماع صفارات الإنذار ،
وامتدت يد البناء لتشمل ايضا تشييد ملاجئ عامة احتضنتها ساحات المدن الأردنية بمختلف بقاعها ، لا سيما حاضرتي إربد وعمّان اللتين شهدتا رعايةً واهتماماً خاصاً في هذا المضمار.
​2 ) ثقافة " التعتيم " والتمويه والتحذيرات : كانت التوجيهات الصارمة تقضي بطلاء زجاج النوافذ باللون الأزرق ( مادة النيلة ) أو الأسود ، وإلصاق الأشرطة الورقية عليها متقاطعة لمنع تطاير الشظايا عند الانفجارات . وكان هناك تنبيه عائلي مستمر بضرورة الابتعاد التام عن الشبابيك الزجاجية تجنباً للإصابة من ضغط الانفجارات . وفي المساء ، يسود ظلام دامس وتُطفأ الأنوار والسرج حتى لا تستدل الطائرات المغيرة على التجمعات السكنية .
​3 ) تأمين الميرة والمعيشة وحالات الطوارئ : ارتبطت تلك الأيام بـ " تأمين القوت " ، حيث نشطت الأمهات في خبز الطابون والصاج بكميات كبيرة ، وتخزين المواد الأساسية كالتمور ، الطحين ، السمن البلدي ، والجبن المجفف . وجرى تأمين السراج ( الفانوس ) الكاز وتجهيزه ليكون المصدر الوحيد للإضاءة الخافتة عند الضرورة ، إلى جانب توفير بعض الأدوية الأساسية وحليب الأطفال . كما جرى تعبئة " البراميل " والفخار والخوابي بالمياه النقية وتغطيتها بإحكام خوفاً من انقطاع مصادر المياه .
​4 ) راديو " الترانزستور " نبض الحياة : كان الالتفاف حول جهاز المذياع الصغير طقساً يومياً تشرئب له الأعناق ، يتابع فيه الأهالي بلاغات القتال من إذاعة عمان وصوت العرب ، والدموع تترقرق في المآقي مع كل خبر تنقله الأثير ، في مشهد يجسد عمق التلاحم العاطفي والمصيري مع الأشقاء غربي النهر .
​صدمة السقوط وموجة النزوح ( النكسة الثانية ) :
​عاش الأردنيون أيام الحرب وسط حالة عارمة من الترقب وبناء الآمال على البيانات العسكرية الرنانة ، قبل أن تتكشف قسوة الواقع المرير بصدور أوامر الانسحاب وسقوط القدس الشرقية وكامل الضفة الغربية تحت نير الاحتلال . خلّف هذا السقوط صدمة عاطفية بالغة وألماً عميقاً لفقدان الأرض المقدسة وانقسام العائلات والأحياء فجأة بين ليلة وضُحاها .
​وتعمقت المأساة الإنسانية مع تدفق قوافل النازحين كالأفواج البشرية الهاربة من أهوال القصف والدمار ، والذين عبروا من الضفة الغربية إلى الضفة الشرقية فوق أنقاض جسر الملك الحسين وتحت وابل نيران الطائرات المغيرة . أدت هذه الموجة الكبيرة إلى إحداث تغيير ديموغرافي وجغرافي واسع ، والتحول الفوري نحو تأسيس مخيمات مؤقتة جديدة في الأردن لاستيعاب عشرات آلاف العائلات المهجرة ( مثل مخيم البقعة ، وممخيم الطالبية ، ومخيم الحسين ، ومخيم الوحدات ومخيم الحصن وغيرها ) لتأمين السكن والخدمات لمن تركوا وراءهم بيوتهم ومقدراتهم .
​زلزال الفجر : الأسباب المباشرة لإخفاق الجيوش العربية
​في تمام الفجر من يوم 5 حزيران 1967 م ، باغت الطيران الإسرائيلي القواعد الجوية المصرية في سيناء بضربة قاضية أفقدت العرب توازنهم منذ الساعات الأولى . ورغم التدخل العراقي المساند عبر قواته المرابطة في الأردن ، إلا أن المعركة حُسمت عسكرياً لصالح الاحتلال نتيجة جملة من الأسباب الموضوعية :
​1 ) عنصر المفاجأة والتوقيت : حيث لم يتوقع القادة العرب هجوماً عند الفجر ، مما أحدث صدمة وذهولاً وخللًا تكتيكيًا فادحًا .
​2 ) غياب التنسيق والإرادة : ترهل القيادة العربية الموحدة وغياب الخطط العسكرية المشتركة النابعة من غياب إرادة القتال الحقيقية لدى بعض القيادات .
​3 ) التفوق والتسليح الحديث : امتلاك إسرائيل لأحدث الأسلحة الغربية المتطورة ، وسيطرة سلاحها الجوي المطلقة على كافة جبهات القتال .
​4 ) الدعم الخارجي اللامحدود : المساندة العسكرية والاقتصادية المباشرة من الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية لإسرائيل .
​5 ) نقص التدريب الجيد : نقص الكفاءة التدريبية والعتاد المتطور في صفوف الجيوش العربية .
​ورغم محاولات بعض المسؤولين العرب ، عبر منبر إذاعة " صوت العرب " برئاسة أحمد سعيد ، توجيه اللوم لتدخل القواعد الأجنبية كقاعدة " ويلس " في ليبيا ، إلا أن التحقيقات اللاحقة كشفت عورات القيادة العسكرية الداخلية ، وتحديداً إخفاق القائد العام للقوات المسلحة المصرية المشير عبد الحكيم عامر في وضع الخطط وإصدار أوامر الانسحاب العشوائي التي دمرت ما تبقى من معنويات الجيش وعتاده .
​تداعيات الحرب : اللحمة الوطنية وبذور الصمود
​رغم المأساة الاقتصادية والاجتماعية الشديدة التي أفرزتها الحرب وشح الموارد الأساسية ، أظهر المجتمع الأردني تلاحماً وطنياً منقطع النظير ، ففتحت العائلات بيوتها واقتسم الأهالي لقمة العيش والماء مع أشقائهم النازحين في مظهر يجسد أسمى قيم التضامن والوحدة . أصدر مجلس الأمن الدولي القرار رقم 242 في تشرين الثاني 1967 م داعياً إسرائيل للانسحاب من الأراضي المحتلة وعودة اللاجئين ، لكنه بقي حبراً على ورق .
​غير أن غصة النكسة وجراحها العميقة في الوجدان الشعبي سرعان ما تحولت إلى نقطة تحول كبرى وبداية عهد جديد من التحدي وبناء الذات . ولعل الدليل الأبرز على أن الجندي العربي لا ينقصه الاستبسال بل التخطيط السليم ، هو ما تجلى بعد أشهر قليلة ، ففي 21 آذار 1968 م ، وقف الأردنيون كتفاً بكتف مع جيشهم الباسل في خندق واحد ، وتمكنوا بنفس التسليح ودون غطاء جوي من دحر هجوم إسرائيلي رئيسي متعجرف في " معركة الكرامة " الخالدة ، محطمين أسطورة الجيش الذي لا يُقهر ، لتعيد هذه المعركة للأمة كامل الثقة والأمل وتثبت أن الوحدة المبنية على العلم والتخطيط الواعي هي السبيل لاسترداد الحقوق السليبة ومجابهة مشاريع الاحتلال .
قائمة ​المصادر والمراجع :
​1 ) وثائق وملفات حرب حزيران 1967 م ( النكسة ) .
​2 ) بيانات وسجلات هيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي ( القرار رقم 242 ) .
​3 ) الأرشيف التاريخي لإذاعة " صوت العرب " والبيانات العسكرية الصادرة عام 1967 م .
​4 ) وثائق وتاريخ الانتداب البريطاني في فلسطين ( 1923 م - 1948 م ) .
​5 ) السجلات التاريخية للقوات المسلحة الأردنية ( الجيش العربي ) حول معركة الكرامة 1968 م .
​6 ) مرويات شفوية مسجلة لشهود عيان من كبار السن والأهالي في المدن والقرى الأردنية حول تفاصيل الحياة اليومية والدفاع المدني الشعبي إبان حرب عام 1967 م .
​7 ) التقارير والتحقيقات الصحفية الصادرة عن وكالة الأنباء الأردنية ( بترا ) وشبكة الجزيرة الإعلامية حول بطولات الجيش العربي في تل الذخيرة ومذكرات أهالي القدس وعمان عام 1967 م .


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد