مَوَاعِظُ وَعِبَرٌ مِنَ الهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ الشَّرِيفَةِ

مَوَاعِظُ وَعِبَرٌ مِنَ الهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ الشَّرِيفَةِ

16-06-2026 04:43 PM

مِمَّا لَا شَكَّ فِيهِ، أَنَّ الهِجْرَةَ النَّبَوِيَّةَ الشَّرِيفَةَ وَالَّتِي غَيَّرَتْ مَجْرَى تَارِيخِ البَشَرِيَّةِ قَاطِبَةً، قَدْ مَثَّلَتْ نُقْطَةَ البِدَايَةِ لِتَأْسِيسِ الدَّوْلَةِ الإِسْلَامِيَّةِ فِي المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ، وَقَدْ شَكَّلَتْ أَيْضًا الانْطِلَاقَةَ الأُولَى لِنَشْرِ دَعْوَةِ التَّوْحِيدِ الخَالِصِ لِلَّهِ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - وَإِرْسَاءِ قِيَمِ التَّآخِي وَالتَّآلُفِ بَيْنَ بَنِي البَشَرِ، وَلَمْ تَكُنِ الهِجْرَةُ النَّبَوِيَّةُ الشَّرِيفَةُ عَلَى الإِطْلَاقِ هُرُوبًا مِنْ أَذَى كُفَّارِ قُرَيْشٍ، وَالَّذِي أَصْبَحَ أَذَاهُمْ لَا يُحْتَمَلُ وَلَا يُطَاقُ، وَإِنَّمَا جَاءَتْ اسْتِجَابَةً وَامْتِثَالًا لِأَمْرٍ إِلَهِيٍّ لِيَحْفَظَ الدَّعْوَةَ وَيُؤَسِّسَ لِبِنَاءِ مُجْتَمَعٍ تَسُودُهُ السَّكِينَةُ وَالطُّمَأْنِينَةُ، وَلِتَكُونَ بِذَلِكَ الهِجْرَةُ النَّبَوِيَّةُ الشَّرِيفَةُ رِحْلَةَ النُّورِ وَالضِّيَاءِ وَالبِدَايَةَ الحَقِيقِيَّةَ نَحْوَ بِنَاءِ الأُمَّةِ الإِسْلَامِيَّةِ.

وَلِتَوْضِيحِ الصُّورَةِ أَكْثَرَ فَأَكْثَرَ، لَقَدْ مَثَّلَتْ تِلْكَ الهِجْرَةُ نُقْطَةَ البِدَايَةِ الأُولَى لِتَأْسِيسِ الدَّوْلَةِ الإِسْلَامِيَّةِ فِي رِحَابِ المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ، وَقَدْ كَانَ ذَلِكَ حِينَمَا أُبْرِمَتْ وَثِيقَةُ المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ وَالَّتِي تُعْرَفُ أَيْضًا بِدُسْتُورِ المَدِينَةِ، وَالَّتِي كَتَبَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي العَامِ الأَوَّلِ مِنَ الهِجْرَةِ لِتَنْظِيمِ الحَيَاةِ العَامَّةِ وَتَأْسِيسِ مُجْتَمَعٍ مُتَمَاسِكٍ مُتَرَابِطٍ مُتَلَاحِمٍ، وَتَحْدِيدِ حُقُوقِ وَوَاجِبَاتِ جَمِيعِ قَاطِنِيهَا مِنَ السُّكَّانِ، وَبِالتَّدْقِيقِ فِي الوَثِيقَةِ نَجِدُ أَنَّ أَبْرَزَ مَا وَرَدَ بِهَا عَلَى الإِطْلَاقِ أَنَّهَا تَهْدِفُ بِالمَقَامِ الأَوَّلِ إِلَى إِرْسَاءِ قَوَاعِدِ التَّعَايُشِ السِّلْمِيِّ، وَتَرْسِيخِ مَبَادِئِ التَّكَافُلِ الاجْتِمَاعِيِّ، وَنُصْرَةِ المَظْلُومِ وَإِغَاثَةِ المَلْهُوفِ، وَمِنْهَا أَيْضًا تَأْكِيدُ حُرِّيَّةِ غَيْرِ المُسْلِمِينَ فِي مُمَارَسَةِ شَعَائِرِهِمْ، وَإِقْرَارُ مَبَادِئِ العَدْلِ وَالتَّكَافُلِ وَالدِّفَاعِ المُشْتَرَكِ عَنِ المَدِينَةِ.

وَحَتَّى لَا نَضِيعَ فِي التَّفَاصِيلِ، فَبَعْدَ قَرَابَةِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً مِنْ دَعْوَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى التَّوْحِيدِ الخَالِصِ لِلَّهِ جَلَّ فِي عُلَاهُ، وَنَبْذِ الشِّرْكِ وَعِبَادَةِ الأَصْنَامِ وَالأَوْثَانِ، وَمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ تَعَالَى، وَاجَهَ المُسْلِمُونَ شَتَّى أَنْوَاعِ الأَذَى وَالاضْطِهَادِ، نَاهِيكَ عَنِ الحِصَارِ وَالمُقَاطَعَةِ مِنْ كُفَّارِ قُرَيْشٍ، الَّذِينَ اجْتَمَعُوا فِي دَارِ النَّدْوَةِ وَقَرَّرُوا قَتْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِإِيقَافِ نَشْرِ دَعْوَةِ الإِسْلَامِ.

وَقَدْ أَرَادَتْ قُرَيْشٌ من تِلْكَ الخُطَّةَ المُشْؤُومَةَ ، والَّتِي اقْتَرَحَهَا أَبُو جَهْلٍ إِهْدَارَ دَمِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَفْرِيقَهُ بَيْنَ القَبَائِلِ، فَإِذَا قَتَلَهُ بَنُو هَاشِمٍ وَحْدَهُمْ نَشَبَتْ حُرُوبٌ ثأرية، وَإِذَا اشْتَرَكَتِ القَبَائِلُ لَمْ يَسْتَطِعْ بَنُو هَاشِمٍ المُقَاتَلَةَ.

وَعِنْدَمَا حَانَ وَقْتُ التَّنْفِيذِ، أَحَاطُوا بِبَيْتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَنَامَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي فِرَاشِهِ، لِيُوَفِّرَ لَهُ الحِمَايَةَ، وَخَرَجَ النَّبِيُّ مَعَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَاتَّخَذَا طُرُقًا غَيْرَ مَعْهُودَةٍ، حَتَّى أَوَى إِلَى غَارِ ثَوْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَقَالَ لِصَاحِبِهِ: «لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا».

وَعِنْدَ وَصُولِهِ إِلَى يَثْرِبَ - وَالَّتِي سُمِّيَتْ المَدِينَةَ المُنَوَّرَةَ فيما بعد- اسْتَقْبَلَهُ الأَنْصَارُ بِالفَرَحِ، وَأَقَامَ أُسُسَ دَوْلَةٍ قَائِمَةٍ عَلَى المُؤَاخَاةِ وَالتَّعَاوُنِ، وَآخَى بَيْنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ.

وَإِنَّ الهِجْرَةَ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ حَدَثٍ تَارِيخِيٍّ، بَلْ هِيَ مِنْهَاجُ حَيَاةٍ يَعْلِّمُ الصَّبْرَ وَالتَّوَكُّلَ وَالأَخْذَ بِالأَسْبَابِ، وَالتَّضْحِيَةَ فِي سَبِيلِ المَبَادِئِ، وَالأَمَلَ فِي فَرَجِ اللَّهِ تَعَالَى.

وَكَانَتْ الهِجْرَةُ قَرَارًا حَاسِمًا، حَيْثُ تَرَكَ الصَّحَابَةُ دِيَارَهُمْ وَأَهْلَهُمْ فِي سَبِيلِ العَقِيدَةِ، وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنْ مَكَّةَ: «وَاللَّهِ إِنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ، وَلَوْلَا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ».


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

«الجنرال» يشعل فضول الأردنيين .. هل صنعت قيود الإعلام نجومية الحسابات المجهولة؟

لماذا أثارت المادة (21) من قانون الجامعات الجدل؟ .. قراءة في مخاوف آلاف العاملين

فيديو .. حادث سير مروع في الزرقاء

البوتاس والفوسفات توقعان اتفاقية لإنشاء مجمع صناعي

بيان مهم صادر عن القوات المسلحة الأردنية

الاعتداء على الجنرال The General Inspector .. حين تصبح كرامة المواطن الأردني قضية وطن

تنقلات بين كبار ضباط الأمن العام .. أسماء

مشروع قانون الملكية العقارية .. 15 تغييرًا قد يؤثر في كل مالك أرض بالأردن

وزير الإدارة المحلية يوجّه بالتحقيق في شبهة اختلاسات ببلدية في المفرق

بعد التطورات الأمنية الأخيرة .. مهم من موانئ العقبة

إيران تستهدف الأردن .. والجيش يسقط صواريخ

إرادة ملكية بالموافقة على إجراء تعديل على حكومة حسان

القبض على مشتبه به بقتل فتاة أميركية في إيرلندا

الاقتصاد النيابية تقر مشروع قانون إلغاء المؤسسة الاستهلاكية المدنية

أحكام مشددة في قضية سرقة مكتب طلال أبو غزالة .. والقضاء يحسم الملف