"​على خُطى النور"

"​على خُطى النور"

15-06-2026 11:47 PM



​خرجَ الحبيبُ ﷺ من مكةَ تحتَ جنحِ الظلام، يلتفتُ إلى الوراء بقلبٍ يملؤه الوجدُ والألم. لقد كان خروجاً مكرهاً، لا لشيءٍ إلا لأنه أعلنَ كلمةَ الحقِّ في وجهِ الباطل، فصارَ الخوفُ يتربصُ بخطواته. وقفَ عند "الحزورة" يخاطبُ مكةَ مودعاً، وكلماتُ الأسى تنبضُ من بينِ شفتيه: "واللهِ إنكِ لخيرُ أرضِ الله، وأحبُّ أرضِ اللهِ إلى الله، ولولا أني أُخرجتُ منكِ ما خرجتُ". كان قلبهُ يتمزقُ لفراقِ ديارٍ لم يعرف غيرها، حتى جاءه النداءُ السماوي، ليُخرجَهُ من ضيقِ الحصار إلى سعةِ القدر، وليأمره بالهجرةِ، فيتحولُ الخوفُ في قلبِ النبيِّ إلى طمأنينةٍ بأنَّ اللهَ معه.
​لقد سبقت هذا الخروجَ لحظاتٌ فارقة في "العقبة" بمنى، حيثُ كانت البيعةُ الكبرى تحت جنحِ الليل. هناك، في ذلك الممر الجبلي، تلاقت أيادي المهاجرين والأنصار مع يدِ النبي ﷺ في عهدٍ لم يكن مجردَ تحالفٍ قبلي، بل كان "عقداً إيمانياً" بايعوه فيه على النصرةِ والحماية، ليكون ذلك العهدُ هو الجسرَ الذي عَبَرَ عليه الإسلامُ من مكةَ إلى المدينة، والأساسَ الذي قامت عليه أولُ دولةٍ تُبنى على الرضا لا على الإكراه.

​وفي طريقِ العبور، أتأملُ غارَ "ثور"؛ حيث الضيقُ والظلامُ يحيطان بكل اتجاه، فإذا بضعفِ الطبيعة -خيوطِ عنكبوتٍ واهنةٍ وعشِّ حمامةٍ وديع- يتحول إلى أسوارٍ لا تُخترق. يهمسُ لي هذا المشهدُ أنَّ "الأسبابَ" ليست ماديةً فقط، بل هي يقينٌ يسري في الصدر حين تضيق الدنيا، فيكونُ لطفُ اللهِ هو الجدارَ الذي لا تراهُ أعينُ المتربصين.
وما أروعَ تلك الشجرة في "قديد"! ظلالٌ امتدت لتُعانقَ التعب، لتعلمنا أن اللهَ يرحمُ السائرين في دروبه، ويُهيئُ لهم من فيءِ لطفه ما يُعينهم على إكمالِ المسير.

​وحين لاحتْ بيوتُ المدينة، لم تكن مجردَ جدرانٍ طينية، بل كانت قلوباً تنبضُ بالنشيدِ والمحبة، تستقبلُ النورَ بـ "طلعَ البدرُ علينا"؛ صرخةَ حبٍّ أعلنت أنَّ الحقَّ لا يحتاجُ لجيشٍ ليُنتصر، بل لقلوبٍ تؤمنُ بالبناءِ وتنبذُ الشتات.
تلك "يثرب" التي استقبلت الرسول ﷺ، كانت واحةً من النخيل تتمايلُ بشوق، وأرضاً طاهرةً احتضنت بذورَ الدولة الأولى. وحين استقرَّ بها المقام، فاض قلبُ الحبيبِ ﷺ حباً لها، فكانت كلماته نداءً خالداً: "اللهم حبّب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد".

​لقد رأيتُ في الهجرةِ كيف تُغسلُ القلوبُ من دنسِ العصبية؛ فالمؤاخاةُ لم تكن مجردَ مواساةٍ، بل كانت "هندسةً للروح"، ذابت فيها الفوارق، وتلاشت فيها المسافات بين "المهاجر" و"الأنصاري"، ليصبحا جسداً واحداً، وروحاً واحدة، في وطنٍ قام على المودة لا على السيف.

​حين أنظرُ اليومَ إلى ما خلفتهُ تلك الرحلة، أدركُ أننا لا نزالُ نعيشُ أثرها؛ فكلما ضاقت بنا سبل الحياة، تذكرنا الغارَ ونسجَ العنكبوت، وكلما عصفت بنا الفتن، عدنا إلى "وثيقةِ المدينة"، لنستلهم منها درساً في كيف نصنعُ وطناً يتسعُ للجميع.

​وفي نهايةِ المطاف، لا تظلُّ الهجرةُ مجردَ ذكرى نُحييها في كُتبِ التاريخ، بل هي ميثاقٌ أبديٌّ يُنيرُ لنا عتمةَ الطرقِ في كلِّ زمان. إنَّها تعلمنا أنَّ كلَّ خروجٍ من ضيقِ الخوفِ إلى سعةِ الإيمان هو هجرة، وأنَّ كلَّ بناءٍ يُشيّد على ركائزِ العدلِ والوئام هو مدينةٌ من نور. لقد مضى الحبيبُ ﷺ تاركاً لنا أثراً لا يندثر، وبذرةً نبتت لتصيرَ أمّةً تقتفي أثرَ الرحمةِ والمحبة؛ فتبقى فينا تلك القوةُ الخفيّةُ التي تجعلُ من "نسجِ العنكبوت" حصناً، ومن "النشيد" إيماناً، ومن "الغربة" وطناً. هي دعوةٌ مفتوحةٌ لكلِّ قلبٍ أن يُهاجرَ من ضيقِ ذاته نحو أفقِ الإنسانيةِ الرحب، لنجعلَ من حياتنا مسيرةً حافلةً بالبذل، وميثاقاً للوفاء، نُورثه للأجيالِ كما أورثنا الرسولُ ﷺ إرثَ النور.




تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

رسالة انتخابية من الحدود الشمالية .. نتنياهو يتعهد بتدمير إيران

غارات إسرائيلية تستهدف بلدات بالجنوب اللبناني وتحليق حربي في أجواء البقاع

مجلس الوزراء يقر استراتيجية توطين الطائرات المسيرة

الخدمات الطبية والجامعة الهاشمية توقعان ملحق اتفاقية تعاون تدريبي وأكاديمي

خبراء: الذكاء الاصطناعي أسهم بتحسين جودة الحياة اليومية للإنسان

اتفاقية دعم تشغيلي لإطلاق خط جوي مباشر بين موسكو والعقبة

انخفاض جديد على أسعار الذهب في السوق المحلي

متى يعود ستاد الحسن؟ .. وزارة الشباب تحدد المدة المتبقية

زراعة إربد تعلن فعاليات مهرجان الرمان الـ 18

المخابز الأردنية المتنقلة في غزة تنتج أكثر من 69 مليون رغيف خبز

العقبة تستعد لختام سباق هيئة أجيال السلام في آيلة

وزارة الثقافة تنظم "يوما ثقافيا شاملا" في مدرسة الزميلة الثانوية

Orange Money تتصدر المحافظ الإلكترونية في الأردن بإتاحة خدمات "ويسترن يونيون" بالتعاون مع مشربش

الدكتور أحمد الفاعوري يؤدي اليمين القانونية أمام الملك محافظا لجرش

موجودات صندوق استثمار أموال الضمان ترتفع إلى 20.1 مليار دينار بنمو 8 بالمئة

خبير اقتصادي يحذر الأردنيين .. استعدوا لسيناريوهات صعبة

17 ألف تنكة زيت فارغة تثير الشبهات في إربد .. ما القصة؟

التربية توضح للسوسنة السبب وراء حذف صور طالبات مدرسة جرش

عطلة الـ3 أيام لموظفي الحكومة .. ما حقيقة تطبيقها نهاية الشهر

خدمة جديدة من الضمان الاجتماعي للمشتركين والمتقاعدين .. تفاصيل

ترفيع وإحالات إلى التقاعد في الحكومة .. أسماء

اعتداء جماعي على طفل في إربد .. تفاصيل

لا تسلم مركبتك لغير المرخصين .. الأمن العام يوضح العقوبات

الأمن العام يفتح باب التجنيد للذكور والإناث في الأردن .. تفاصيل

مقاطعة أربع جهات تأمينية الأحد .. ماذا ينتظر المرضى؟

تصريح عن تصفيق الأردنيين لصواريخ إيران يشعل ردود الفعل

زيادة 30 دينارا لرواتب الموظفين والمتقاعدين .. تفاصيل موازنة 2027.

خبر هز الوسط الفني .. وفاة نجم أردني كبير .. صورة

عرّوه وصوّروه وكسروا جمجمته .. تفاصيل صادمة عن خطف طالب إعلام في إربد

عنوان رقمي مرتبط بهويتك .. تعديل جديد على التبليغات القضائية في الأردن