التهديم الإداري ..

التهديم الإداري ..

26-08-2026 01:25 PM

يوجد العديد من الأسباب التي تؤدي الى انهيار المؤسسات، ولا مجال لذكرها بهذه العجالة، لكن من أبرزها التهديم الإداري، ذلك النوع من الممارسات التي تستنزف المؤسسة من الداخل، وتضعف كفاءتها تدريجياً، حتى تتحول الإدارة من أداة للبناء والتطوير إلى وسيلة لتعطيل الإنجاز وإحباط العاملين.
التهديم الإداري لا يحدث عادةً بقرار واحد، وإنما يبدأ بممارسات تبدو بسيطة، ثم تتراكم مثل: وضع الشخص غير المناسب في المكان غير المناسب، تهميش الكفاءات، غياب العدالة في الترقية والمكافآت، المركزية المفرطة، ضعف التفويض، تضخم الإجراءات، وتقديم العلاقات الشخصية على الجدارة والاستحقاق...الخ.
ولعل أخطر أشكال التهديم الإداري هو قتل روح المبادرة لدى الموظف. فعندما يكتشف الموظف أن الاجتهاد لا يختلف عن التقاعس، وأن الإنجاز لا يؤدي بالضرورة إلى التقدير أو التقدم، وأن صاحب الرأي المختلف قد يدفع ثمن رأيه، فإنه يتعلم مع الوقت أن الصمت أكثر أماناً من المبادرة.
وهنا تبدأ المؤسسة بخسارة أصولها الفكرية وتسرب الكفاءات. فالقيادة التي تدير موظفيها بالخوف قد تحقق انضباطاً شكلياً، لكنها لا تستطيع بناء مؤسسة مبتكرة ومستدامة. الموظف الخائف يخفي الأخطاء، ويتجنب المسؤولية، ولا يقدم الأفكار؛ بينما الموظف الذي يشعر بالثقة والعدالة يكون أكثر استعداداً للمبادرة والابتكار وتحمل المسؤولية.
ومن جهة أخرى، تتحول البيروقراطية إلى تهديم إداري عندما تصبح الإجراءات غاية بحد ذاتها. فليس المهم عدد التواقيع والأختام التي تمر بها المعاملة، وإنما القيمة التي تضيفها كل خطوة. وعندما يصبح الموظف مشغولاً بحماية نفسه من الخطأ أكثر من انشغاله بتحقيق النتيجة، تكون المؤسسة قد انتقلت من إدارة الأداء إلى إدارة الخوف.
ولا يمكن مواجهة التهديم الإداري بإضافة المزيد من اللوائح واللجان، وإنما بإعادة بناء النظام الإداري والثقافة المؤسسية. وهذا يتطلب معايير واضحة للجدارة، وربط الترقية والمكافآت بالأداء، وتبسيط الإجراءات، وتفويض الصلاحيات، وتطوير القيادات، وحماية أصحاب المبادرات، وربط الأداء الفردي بالأهداف الاستراتيجية للمؤسسة.
كما أن التحول الرقمي يجب ألا يكون مجرد نقل البيروقراطية من الورق إلى الشاشة (رقمنة البيروقراطية)؛ بل فرصة لإعادة تصميم الإجراءات وإلغاء الخطوات غير الضرورية وتسريع تقديم الخدمات.
إن المؤسسة القوية ليست التي تعتمد على شخص واحد، مهما كانت قدراته، وإنما التي تمتلك أنظمة واضحة، وقيادات مؤهلة، وكفاءات محفزة، وثقافة قائمة على العدالة والمساءلة والنتائج.
فالتهديم الإداري عملية بطيئة؛ يبدأ بتراجع العدالة، ثم ضعف الثقة، ثم انحسار المبادرة، ثم انخفاض الإنتاجية، وفي النهاية فقدان الكفاءات. أما البناء المؤسسي فيبدأ عندما يشعر الموظف أن كفاءته مقدّرة، وأن صوته مسموع، وأن الإنجاز هو معيار التقدير.
ولذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن تطرحه كل مؤسسة ليس فقط: هل نحقق أهدافنا اليوم؟ بل: هل أسلوب إدارتنا اليوم يبني قدرتنا على النجاح غداً، أم أنه يهدمها بصمت؟ فنجاح المؤسسات يقاس بالأثر على الإنسان والمؤسسة والمجتمع.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد