حروب ما بعد الذكاء الاصطناعي

حروب ما بعد الذكاء الاصطناعي

28-08-2026 02:05 AM

تبدأ الحروب الكبرى في الذاكرة العامة في حدث محدد، وربما في صورة شهيرة تختصر لحظة اندلاعها، بينما يكشف التحليل التاريخي المعمّق أن ذلك الحدث لم يكن سوى حلقة أخيرة في سلسلة طويلة من الاشتباكات الإقليمية والاختبارات العسكرية والمناورات السياسية، التي تراكمت حتى بلغت نقطة تحول نوعيّ.
هكذا تهيأت أوروبا للحرب العالمية الأولى، عبر سباق التسلح وأزمات البلقان وتنافس الإمبراطوريات، وهكذا تحركت جبهات متباعدة خلال ثلاثينيات القرن الماضي، قبل أن تندمج في الحرب العالمية الثانية، حين التقت طموحات القوى التوسعية مع تردد الديمقراطيات وظهور أسلحة وأساليب قتالية منحت الهجوم أفضلية حاسمة.
في عالم اليوم، تتكرر حركة التهيئة لنزاع عالمي الأبعاد بنسق يناسب عصر العولمة والاعتماد المتبادل: روسيا تخوض حربها في أوكرانيا مستفيدة من ذخائر كورية ومكونات صينية وطائرات مسيرة إيرانية، فيما تصمد أوكرانيا بأسلحة أمريكية وتمويل أوروبي وإسناد استخباراتي غربي.
وفي الشرق الأوسط تتقاطع المصالح الإيرانية والروسية والصينية مع الحضور العسكري الأمريكي المتوزع بين أكثر من مسرح في أوروبا والشرق الأوسط، وأصبح كل صاروخ باتريوت اعتراضي يستخدم في جبهة، ينعكس نقصاً على جبهة أخرى، وتتداخل المصانع والمخازن والممرات البحرية في شبكة خطوط خلفية هائلة لحرب مترابطة، حتى حين يحتفظ كل نزاع باسمه المحلي وأطرافه المعلنين وخطابه الخاص.

جبهات متباعدة
في حرب واحدة

تكشف الشاشات هذا الترابط وتحجبه في اللحظة ذاتها، فهي تقدم كل حدث بوصفه خبراً منفرداً وعناوين عاجلة، ثم تدفع المشاهد إلى الخبر التالي قبل أن تتاح له الفرصة للقبض على السلسلة التي تجمع الوقائع. هكذا تبدو أوكرانيا ومولدوفا وبولندا ودول البلطيق وتايوان وقبرص وبلغاريا وبريطانيا والبحر الأحمر وشرق المتوسط كنقاط متباعدة على الخريطة، بينما تتحول في حسابات القوى الكبرى إلى أوراق داخل ملف واحد عنوانه اختبار حدود الخصم، واستنزاف موارده، وقياس قدرته على الاحتمال.
ومع تكرار الهجمات الملتبسة والعمليات التي تجري عبر وكلاء محليين، تتشكل حرب عند الحواف يشارك فيها الجميع بدرجات متفاوتة. ويبقى الغموض مفيداً لكل الأطراف، لأنه يتيح تصعيداً محسوباً ويمنح الحكومات فرصة ممارسة القوة مع إبقاء أبواب التراجع مفتوحة. غير أن تراكم هذه الاختبارات قد ينتج لحظة تتجاوز فيها الأحداث قدرة أصحابها على التحكم، خصوصاً عندما يصبح القرار في إحدى الجبهات مؤثراً بصورة كبيرة على توازن جبهة أخرى.
منطق الخطورة في هذا المناخ يتصل بالبنية العريضة التي تتكون حول النزاعات بقدر اتصاله بحجم المعارك نفسها. فعندما تتشارك دول عدة السلاح والمعلومات والخبرات، وتترابط شبكات الإمداد، ويتم تنسيق الضغوط السياسية والاقتصادية عبر تحالفات علنية ومضمرة، تبدأ الأزمات المنفصلة في اكتساب خصائص منظومة حرب واحدة. بالتأكيد قد يحمل كل طرف أهدافاً محلية محددة في نطاق اقليمه، إلا أن حركة الموارد والتحالفات تجعل نتائج المواجهة في أوكرانيا مؤثرة في حسابات تايوان، وتجعل استنزاف الدفاعات الجوية في الشرق الأوسط عاملاً حاضراً في الحرب عند شرق أوروبا.

عندما يقرر الذكاء
الاصطناعي أن يقتل

لقد ارتبطت الحروب الكبرى تاريخياً بظهور أسلحة غيرت موازين القوة ووسعت نطاق الدمار، من المدفعية الثقيلة والدبابات والطائرات إلى الصواريخ والسلاح النووي، لكن التصعيد الراهن يتزامن مع تحول أكثر جذرية يتمثل في دخول سلاح تتراجع في حساباته السيطرة البشرية المباشرة. فقد تجاوز الذكاء الاصطناعي دوره في تحسين دقة الإصابة وتسريع تحليل المعلومات، وبدأ يقترب من اختيار الأهداف واتخاذ القرار القاتل باستقلال متزايد.
نقلت نشرات الأخبار من مدينة زابوريجيا الأوكرانية أخيراً واحدة من أكثر الإشارات إثارة للقلق، بعد مقتل ثلاثة مدنيين الشهر الماضي في هجوم بطائرة مسيرة روسية يبدو أنها وجهت نحو محطة وقود، ثم اختارت بنفسها موضع الضربة الأخير استناداً إلى قدرتها على تحديد الأهداف.
ووفق التحقيقات الاستخباراتية الأوكرانية، فقد كانت المسيرة مزودة بنظام يتيح لها مواصلة رحلتها وتحديد نقطة الهجوم بعيداً عن توجيه مباشر من مشغل بشري، في واقعة وُصفت بأنها أول حالة موثقة لسقوط ضحايا نتيجة اختيار ذاتي كامل للهدف من قبل الذكاء الاصطناعي.
خطورة الحادثة ليست متعلقة بعدد الضحايا في حرب استنفذت أرواح ملايين البشر بقدر العتبة التي تشير إليها.
فالضحايا، وبينهم طالبة في التاسعة عشرة ورجلان داخل حيز مدني، تحولوا خلال لحظات إلى قرار تقني محض اتخذته خوارزمية آلة تتعرف إلى الأشياء باعتبارها أنماطاً بصرية اختزلت محطة الوقود والخزانات والمباني والأجساد القريبة في نقاط معلومات، متجاهلة تماماً العواقب في حياة ناس المدينة.
عند هذه النقطة تحديداً انتقلت الحرب من مرجعية بشرية يمكن تحديد صاحبها ومساءلته إلى سلسلة تنقل المسؤولية إلى المنظومة التي نفذت الاختيار الأخير.
تفتح واقعة زابوريجيا باباً يتجاوز أوكرانيا، لأن الأدوات التجارية منخفضة الكلفة تنتقل عبر الأسواق وسلاسل التوريد بسرعة تتفوق على حركة أي قانون دولي. وكل تقدم في استقلال السلاح عن التوجيه البشري يمنحه أفضلية عسكرية، كما يمنح متخذي القرار إغراء بتوسيع استخدامه وتقليص الكلفة السياسية المباشرة للعمليات.
ومع تدفق صور الهجمات سيعتاد الجمهور تدريجياً عبارة الذكاء الاصطناعي حدد الهدف، فتظهر الضربة كأنها نتيجة آلية محايدة، رغم أن مسارها بدأ بقرارات بشرية شملت التصميم والشراء والتدريب والبرمجة والإطلاق وتحديد نطاق العمل.

سباق بين التصعيد والسيطرة

يقرأ هذا التحول بوصفه أشد خطورة عندما يوضع ضمن صورته العالمية الأوسع، لأن زيادة استقلال السلاح داخل جبهات مترابطة تقلص الزمن الفاصل بين الرصد والقرار والهجوم، وتوسع فرص الخطأ وسوء التفسير والتصعيد المتسارع. فالمنظومة الذكية تتعامل مع المهمة وفق البيانات والتعليمات المتاحة، فيما يحمل الهدف العسكري أحياناً معنى سياسياً يتجاوز قيمته الميدانية، وقد تؤدي إصابة سفينة أو منشأة أو اغتيال شخصية بعينها إلى إشعال مواجهة أوسع قبل أن يتمكن متخذو القرار من استعادة السيطرة.
بالطبع كلما اتسعت دائرة القرارات المفوضة إلى الذكاء الاصطناعي، ازدادت أهمية السؤال المتعلق بالتحكم والمساءلة. فالدقة العالية تعطي المسيرة الذكية قدرة أكبر على بلوغ الهدف، بينما تتطلب الحكمة السياسية تقدير توقيت الضربة وعواقبها وما قد تستدعيه من ردود.
تحمل حادثة زابوريجيا، بهذا المعنى، قيمة رمزية تشبه جرس إنذار. فهي تضيف إلى الإشارات السياسية والعسكرية المتجمعة مؤشراً يتعلق بطبيعة الحرب المقبلة نفسها.
ففي الوقت الذي تتقارب فيه الجبهات وتتصل التحالفات وتتوزع مخزونات السلاح بين مسارح متعددة تبدأ من بريطانيا ولا تنتهي في تايوان، ينتقل جزء من القتال حثيثاً إلى أنظمة تستطيع الرؤية والتعرف، والاختيار، والتحرك باستقلال، واسع. وهنا يصبح احتمال الحرب التالية مرتبطاً بتفاعل قوتين متزامنتين: منظومة صراعات بشرية تتجه نحو مزيد من التشابك، ومنظومة أسلحة آلية تتجه نحو مزيد من الاستقلال.
قد تبقى الحرب العالمية الثالثة احتمالاً مؤجلاً، وقد ينجح الردع والعمل الدبلوماسي في إبقاء ساحات الصراع ضمن حدودها الراهنة، إلا أن السؤال عنها اكتسب خلال السنوات الأخيرة ثقلاً متزايداً، بعدما انتقل العالم من أزمات متزامنة إلى جبهات وتحالفات وموارد ومصالح تتشابك داخل بنية صراع واحدة.
في كل الحروب السابقة على الإطلاق انتصر طرف بشري على طرف آخر، ودفع الجميع أثماناً تفاوتت في حجمها. أما الصراع المقبل فقد يحمل نتيجة مختلفة، حين يكتشف البشر أن الآلة التي صنعوها لتمنحهم التفوق العسكري انتزعت منهم بالتدريج القدرة على ضبط الإيقاع والقرار والعواقب، ليغدو انتصار الآلة على الإنسان وكأنه القدر المحتّم.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد