"فاش خدام باك ؟" : بين الفضول والبيداغوجيا

"فاش خدام باك ؟" : بين الفضول والبيداغوجيا

27-08-2026 12:29 AM

عند كل دخول مدرسي، وعلى نطاق واسع يكثر الجدل بين الأسر و بعض المهتمين بالشأن التربوي وكذلك بعض الجهات الإلكترونية، حول السؤال الذي يطرح مهنة الأب أو وضع الأسرة الاجتماعي أو ما يطلق عليه بالعامية " فاش خدام باك" ، فالسؤال على بساطته سرعان ما تحول إلى قضية معقدة حملت أبعادا نفسية واجتماعية و تربوية، و فتحت تساؤلات حول حدود دور المدرسة و المعلم ومبرراته.
إن مسألة سؤال التلميذ عن وضعه الاجتماعي أو مهنة أبيه ليست إشكالية محلية بل هي إشكالية عالمية نوقشت في أبحاث علمية ودراسات سيسيولوجية عديدة فقد أظهرت دراسات منشورة في المجلة العلمية frontiers in psychology أن أبناء الأسر ذات المهن المستقرة يحققون نتائج أفضل من نظرائهم الذين ينتمون إلى أسر غير مستقرة. أما في الولايات المتحدة فقد خلص تقرير " كولمان " منذ سنة 1966 إلى الفوارق في تحصيل التلاميذ ترتبط بالأساس بالوضع الاجتماعي، والضعف هنا ليس ماديا بل مفهوما أوسع يشمل الجانب الثقافي : فبعض الأسر تكون مستقرة ماديا، لكنها ترى التعليم غير مهم. والجانب التعليمي فالوالدان إذا لم يتلقيا تعليما فذلك يؤثر، كذلك الجانب النفسي و الاجتماعي: كالأسر التي عاشت في بيئة هشة (بطالة، غياب، ضعف الدعم النفسي ..) لها عامل مؤثر في مساره الدراسي .
إن السؤال عن الوضعية المهنية أبدا ليس من باب الفضول ، و إنما يدخل في إطار البحث الاجتماعي الذي يجريه الأستاذ في بداية السنة الدراسية، والذي لا يقتصر على مهنة الأب، بل يشمل مهنة الأم، وعدد الإخوة، ومستوى تعليم الوالدين، وبعض المعطيات الأخرى التي تساعد على تكوين صورة أشمل عن محيط الطفل. ومن ثم، فمن الظلم اختزال هذا البحث كله في سؤال «فاش خدام باك؟» وكأن مهنة الأب وحدها هي المعطى الذي يحدد وضعية المتعلم. كما أن معرفة هذه المعطيات يمكن أن يدخل ضمن منطق البيداغوجيا الفارقية ، فالأستاذ الذي يتعرف، منذ بداية السنة، إلى بعض الظروف التي يعيشها متعلموه، يصبح أكثر قدرة على فهم الصعوبات التي قد تعترضهم في مراجعة دروسهم أو إنجاز واجباتهم، وعلى استيعاب بعض أسباب التعثر، ثم تكييف أساليب الدعم والمواكبة بما يناسب حاجاتهم.
إذن، إذا كانت الفائدة العلمية تحتم السؤال، فلماذا تحول الأمر إلى مصدر إزعاج وقلق وجدل مستمر ؟
لأن المشكل ليس في السؤال وإنما في طرائق طرحه و صيغ إجرائه، فإذا اختار الأستاذ طرح الأسئلة أمام المتعلمين فإنه سيحول الأمر إلى مصدر مقارنة واستهزاء أو تنمر. وقد يخرج الطفل من السؤال وهو يحمل شعورا لم يكن يحمله قبل أن يجيب . فمن المهم جدا ان ندرك أن نية المعلم في الأصل حسنة، لكن حسن النية لا يكفي إذا كانت النتائج سلبية . لهذا يجب الانتباه الشديد إلى أن للبحث الاجتماعي أخلاقيات تحكمه ، من ظروف مناسبة تحفظ السرية وألا تتحول المعلومات التي جمعت لمساعدة التلميذ إلى وسيلة إحراج أو تصنيف لأن كرامة الطفل ليست تفصيلا جانبيا يل جزء من التربية.
من جهة أخرى، على المجتمع أن يعيد النظر في نظرته إلى المهن. فليس هناك عمل شريف أفضل من آخر، و كل مهنة لها قيمتها و دورها في بناء الوطن . فالمشكلة ليست في السؤال في حد ذاته ، بل في الحمولة الثقافية التي نحمله له : هل ننظر إلى المهن باعتبارها مراتب اجتماعية، أم باعتبارها مساهمات مختلفة في خدمة المجتمع ؟
نهاد حساني / أستاذة وطالبة باحثة بجامعة القاضي عياض
مهتمة بالشأن التربوي والكتابة التأملية.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد