الشمائل النبوية والهدر الأخلاقي

الشمائل النبوية والهدر الأخلاقي

26-08-2026 12:54 AM

يحتفل المسلمون عادة بمولد النبي (صلى الله عليه وسلم)، وبعض المسلمين لا يحتفلون بدعوى أنه تقليد مستحدث عن الغرب. ولنا إسوة بالرسول حين صام عاشوراء، بقوله: «نحن أحق بموسى منكم». ألسنا أحق بالاحتفال بمولد الرسول، إقرارا لما اضطلع به في حياة الإنسان، إذا كان الاحتفال مناسبة للتمعن في فضائله وشمائله، وقراءتها في ظل التغيرات الطارئة على سلوكنا وعاداتنا وعلاقاتنا ببعض، وقد تحولت بحكم ما صار يفرضه علينا الواقع الحديث المعقد من إكراهات وضغوط؟
قال يهودي لعمر بن الخطاب: إنهم لو نزلت عليهم آية: «اليوم أكملت لكم دينكم» لاتخذوا يوم نزولها عيداً شكراً لله. فرد عليه عمر: «وافق ذلك اليوم (عرفة) يوم الجمعة، وهما عيدان عظيمان للمسلمين». إن للأعياد والمناسبات دورا مهما في حياة الفرد والجماعة إذا كانت للتذكر والتفكر، وربط الصلات بين الناس، وتعزيز العلاقات الاجتماعية وتحقيق التقارب بينهم، لكن التحولات الطارئة في الغرب أدت إلى استحداث الكثير من المناسبات خلال السنة، ولم يكن لها من هدف سوى الترفيه السلبي، وتحقيق الرواج الاقتصادي. لقد امتدت إلينا بعض المناسبات الغربية، وصار الاحتفال بها يعرف ما تضطلع به في الغرب، فكان استحداثها حجبا لما كان من الممكن أن نقوم به احتفاء بمناسبات تاريخنا، التي يمكن في حال تنزيلها وفق المطلوب لعب دور مهم في حياتنا الواقعية.

لا مراء في أن إقامة حلقات الذكر، ولقاء الأقارب في مثل هذه المناسبات ذات البعد الديني مهمة جدا. وعلاوة على ذلك، فالاحتفاء بالمولد النبوي مناسبة لتربية الأجيال الصاعدة على فضائل النبي (ص) وشمائله، ولا سيما ما اتصل منها بالأخلاق النبوية السامية، التي تهم الفرد في ذاته، أولا، وفي علاقته بوالديه وأقاربه ثانيا، وجيرانه والمجتمع بصفة عامة، ثالثا. إن استثمار هذه المناسبة على النحو الأمثل، من خلال الاجتهاد في خلق تقاليد وثقافة جديدة للاحتفال، كفيل بجعلنا نفكر في آليات جديدة لتجاوز ما أسميه بـ»الهدر الأخلاقي».
أعتبر الهدر الأخلاقي إيمان المرء بشيء، وممارسته نقيضَ ما يؤمن به. إنه إلغاء لما هو سويّ في التصور، بالإقدام على نقيضه، أي كل ما هو معوج ومنحرف في العمل. إن هناك إجماعا عن كل ما هو سوي في التصور في ما يخص علاقة الفرد بالمجتمع. لكن الإخلال بالسويِّ من الأخلاق وليد مستوى وعي المرء ومدى تجاوبه مع نفسه. فلا مجال للمقارنة بين الصلاح والفساد، أو بين الطيبوبة والخبث، والمحبة والكراهية، أو الصدق والكذب، وهكذا. لكن غياب التربية على الأخلاق النبيلة في الممارسة العامة، وليس في الأحاديث، هو ما يسبِّب ذاك الهدر الأخلاقي. قد يكون الحديث (التصور) سليما، لكن العمل حين يكون غير سوي فإنه لا يؤدي إلا إلى هيمنة العمل على الحديث لدى الجميع، فإذا الكل واغل في هدر العلاقات وواحل في الممارسات الأخلاقية التي تجعل المرء لا يسوَى شيئا، والناس في هذا سواء.

عندما يقول الرسول صلى عليه وسلم: «إنما جئت لأتمم مكارم الأخلاق»، فمعنى ذلك أن مكارم الأخلاق اعتقاد ومطلب إنساني. لكن نزوع الإنسان إلى نقيضها وليد الأهواء الفردية والجماعية، ونتاج استعمال العقل الخاضع للأهواء لتبرير ممارسات يتم التنظير لها، بما يتلاءم معها، بلغة مثيرة ومبهرة، ومؤثرة. إن الهدر الأخلاقي تبعا لذلك لغة يتم اللجوء إليها لإعطاء الممارسة اللاأخلاقية بعدا تصوريا مقبولا لا مرذولا. وما المسوغات، والمبررات والذرائع سوى تحقيق لهذا الهدر الأخلاقي لأنها تجسد النقيض الثقافي لكل ما هو طبيعي في الفطرة الإنسانية. «كل مولود يولد على الفطرة. فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه».

نجد ذاك النقيض الثقافي في ما يهيمن من أفكار وقيم في زمن ما، يتم فيه الانحراف عن القيم الأصيلة بدعوى الغاية العملية التي يكون السعي إلى تحقيقها. فكل الأخلاق غير السوية تصبح مبررة ومقبولة بدعوى الذريعة. فإبادة شعب، والاتجار بالبشر، ونهب ثروات الشعوب، والتسابق على التسلح، وممارسة الغش في كل شيء، بما فيها التربية والتعليم، تصبح الممارسة الدالة على النجاح وتحقيق المصالح. يبدو لنا النقيض الثقافي، في اتصاله بالهدر الأخلاقي بجلاء، في ما يصلنا من الغرب على مستوى الممارسة العامة، وليس التصور، وإن كانت بعض التصورات تصب وتنظِّر فكريا وفلسفيا لتلك الممارسة. فنشر الحضارة الغربية مسوغ لإبادة شعوب، واستعمارها، وفرض ثقافتها عليها، ونهب ثرواتها، وتكريس الهيمنة عبر ممارسة التفرقة.. إلى ماذا أدى هذا الهدر الأخلاقي الذي بدأ مجتمعنا يعرفه بسبب التحولات الطارئة عالميا، والتي فرضت نفسها علينا بسبب التبعية. صارت المناسبات والأعياد قشورا بلا فاكهة، وكثرت الأحاديث التي «تهرّ»، أي تدغدغ الممارسة، من دون أن تمس الجوهر، وصار المرء يبصر ولا يرى، ويسمع ولا يفقه. عندما نصبح نتحدث عمليا على: دار المسنين، وعدم احترام كبار السن، والتباعد بين الأقارب، والصراع بين الجيران، والعزوف عن الزواج وتراجع الإنجاب، وتزايد الطلاق، وعدم إعطاء الطريق حقها، والإصرار على ممارسة الفساد، وما شابه، فإننا نمارس الهدر الأخلاقي المتعارض مع قيمنا النبيلة. أما على مستوى الحديث: فالحديث جار عن الحوار، والتسامح والتعايش، في الوقت الذي تمارس فيه الكراهية، والخلاف القاتل، ونفي الآخر، والدفاع عن الحقوق الفردية بما تبرر به أخلاق ضارة بالمجتمع وقيمه السامية.

جاء الرسول (ص) ليتمم مكارم الأخلاق، فكان فعلا كما وصفه القرآن الكريم بقوله: «وإنك لعلى خلق عظيم». فهل الانتصار للهدر الأخلاقي، وتبريره بدعاوى مثل: العولمة، والحداثة، والعقلانية، وما ماثل هذا من قيم وذرائع بديلة في خدمة المجتمع؟ أم أن إعادة التفكير في الشمائل النبوية في مختلف المناسبات مطلب حيوي لدعم العلاقات بين الناس على أسس سليمة؟ إنه الفرق بين الطبيعة السوية التي تدعو إلى التعاون بين الأخوة على صعيد التصور، والثقافة التي تبرر الصراع بين الأشقاء على مستوى الممارسة.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

سبب وفاة فؤاد حجازي تهز مواقع التواصل

سياحة الأعيان: ضرورة مواصلة تطوير موقع المغطس ومحيطه

الذهب يلمع في الأردن اليوم .. أسعار

أرض بملايين الدنانير وموظفون بلا دوام .. الحكومة أمام أسئلة حاسمة .. صور

بيان شديد اللهجة من عشائر الخزاعية بشأن عرس مادبا: سنلجأ للقضاء

إحالة خليل الزيود إلى النائب العام بعد جدل حول تصريحات مسيئة للنبي

قرار في جامعة حكومية يفتح ملف الصلاحيات القانونية

سقط قرار الـ30% وبقيت الأزمة .. من يفك طلاسم التوجيهي والحقول؟

غضب أردني من تصريحات خبير تربوي أساء للنبي ﷺ .. والإفتاء ترد

تصريحات الخبير التربوي عن النبي ﷺ .. القصة الكاملة من الجدل إلى تدخل الإفتاء

وفاة عشريني متأثرًا بإصابته برصاص والده في البلقاء

وائل كفوري يختار عمّان محطة لتقديم "محبوبي"

حقيقة الذهب والكنوز بوادي السير .. الآثار الأردنية تحسم الجدل وتوجه رسالة للبحيشة

من 50 إلى 300 دينار .. أجور الإتلاف تقفز 500% ومكافآت جديدة

بعد سرقة 77 مليار لتر في الأردن .. فتوى تحسم الحكم الشرعي