"المولد النبوي" رسالة سلام ومحبة للعالم

"المولد النبوي" رسالة سلام ومحبة للعالم
السفير حسن الوهداني

26-08-2026 12:52 AM

السفير حسن الوهداني

في ذكرى المولد النبوي الشريف، لا نستحضر مجرد مناسبة دينية عزيزة على قلوب المسلمين، بل نستعيد رسالة إنسانية عظيمة انطلقت قبل أكثر من أربعة عشر قرناً لتضع أمام البشرية منظومة متكاملة من القيم القائمة على الرحمة والمحبة والعدل والتسامح وصون كرامة الإنسان.

إن مولد سيدنا محمد، صلى الله عليه وسلم، كان بداية مرحلة غيرت مسار التاريخ، وحملت إلى العالم رسالة جعلت من الإنسان محوراً للخير والإعمار، ورسخت مبادئ الأخوة والتكافل والعدالة، ودعت إلى احترام الإنسان بصرف النظر عن أصله أو لونه أو مكانته.

لقد جاء النبي محمد، صلى الله عليه وسلم، برسالة عنوانها الرحمة، وهو ما اختصره القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾. ولم تكن هذه الرحمة شعاراً، وإنما منهج حياة ظهر في تعامله مع أسرته وأصحابه وجيرانه، ومع الضعفاء والفقراء، وحتى مع من خالفوه وعادوه.

وفي عالمنا اليوم، الذي يعيش أزمات وحروباً وصراعات متلاحقة، تبدو البشرية أكثر حاجة إلى استحضار هذه القيم. فالحروب لا تخلّف سوى المزيد من الألم، والكراهية لا تنتج إلا كراهية أخرى، بينما يظل الحوار والعدل والاحترام المتبادل الطريق الأقصر لبناء السلام الحقيقي بين الشعوب.

المولد النبوي وتجديد القيم

إن الاحتفاء بالمولد النبوي الشريف ينبغي ألا يقتصر على استذكار السيرة النبوية وأحداثها، على أهميتها، وإنما يجب أن يكون مناسبة لمراجعة أنفسنا وسلوكنا ومدى التزامنا بالقيم التي جاء بها الرسول الكريم.
فمحبة النبي صلى الله عليه وسلم لا تقاس بالكلمات وحدها، وإنما تتجسد في الصدق والأمانة والرحمة والإحسان إلى الآخرين، وفي احترام حقوق الناس، وإغاثة المحتاج، ونصرة المظلوم، والحفاظ على كرامة الإنسان.

ومن أعظم الدروس التي تقدمها السيرة النبوية أن الاختلاف بين البشر لا ينبغي أن يتحول إلى عداوة. فقد أسس الرسول الكريم نموذجاً مجتمعياً يقوم على التعايش وتنظيم العلاقة بين مكونات المجتمع، وإعلاء قيمة العدل باعتبارها أساساً لاستقرار الدول والمجتمعات.

رسالة إلى العالم

في ذكرى مولده الشريف، يستطيع المسلمون أن يقدموا للعالم الصورة الحقيقية للإسلام من خلال أفعالهم قبل أقوالهم؛ صورة الدين الذي يدعو إلى السلام ويحرم الاعتداء ويحفظ الحقوق ويحث على العلم والعمل والإعمار والتعاون بين البشر.

إن رسالة الإسلام ليست رسالة صراع بين الحضارات، بل دعوة إلى التعارف والتعاون بينها، فالإنسانية، رغم اختلاف أديانها وثقافاتها ولغاتها، تتشارك تطلعاً واحداً إلى الأمن والسلام والعدالة والعيش الكريم.

ومن هنا، فإن المولد النبوي يمثل فرصة لإعادة التأكيد على أن الحوار بين الأديان والثقافات ليس ترفاً فكرياً، وإنما ضرورة في عالم باتت أحداثه مترابطة، وأصبحت فيه الأزمات تتجاوز الحدود الجغرافية لتؤثر في الجميع.
فلسطين في وجدان الرسالة


ولا يمكن ونحن نتحدث عن قيم الرحمة والعدل والسلام أن نغفل معاناة الشعب الفلسطيني، وما يتطلع إليه من حياة آمنة وكريمة ينعم فيها بالحرية والعدالة والسلام.

فالسلام الذي تحتاجه منطقتنا لا يمكن أن يكون مجرد غياب مؤقت للحرب، بل يجب أن يقوم على العدالة واحترام الحقوق وكرامة الإنسان، وأن يمنح الأجيال القادمة فرصة للحياة بعيداً عن الخوف والعنف والكراهية.

إن حماية المدنيين، وصون حياة الأطفال والنساء وكبار السن، ورفض استهداف الأبرياء، قيم إنسانية تتجاوز الحدود والانتماءات، وهي في جوهرها من القيم التي أكدتها رسالة الإسلام ودعت البشرية إلى الالتزام بها.

الشباب وحمل رسالة المستقبل

وتقع على الشباب مسؤولية كبيرة في حمل هذه الرسالة، فهم الأكثر قدرة على التواصل مع العالم، والأقدر على تقديم نموذج حضاري يعكس حقيقة مجتمعاتنا وثقافتنا.

ونحن بحاجة إلى أجيال تؤمن بأن العلم قوة، وأن الحوار فضيلة، وأن الاختلاف لا يعني الخصومة، وأن النجاح الحقيقي لا يتحقق إلا بالعمل والإبداع وخدمة المجتمع والوطن.
كما اننا بحاجة إلى خطاب ديني وثقافي واعلامي يعزز الاعتدال ويرفض التطرف والكراهية، ويعيد الاعتبار إلى القيم المشتركة التي تجمع البشر بدلاً من البحث عما يفرق بينهم.

الرحمة طريقنا إلى السلام


إن ذكرى المولد النبوي الشريف ليست ذكرى عابرة في التقويم، بل محطة تتجدد فيها الدعوة إلى العودة إلى جوهر الرسالة: أن نكون أكثر رحمة ببعضنا، وأكثر عدلاً في مواقفنا، وأكثر صدقاً في تعاملاتنا، وأكثر قدرة على قبول الآخر.

وفي هذه المناسبة المباركة، نتطلع إلى عالم تتراجع فيه لغة السلاح أمام لغة الحوار، وينتصر فيه العدل على الظلم، والمحبة على الكراهية، والتسامح على التعصب، وتصبح فيه كرامة الإنسان قيمة لا تقبل المساومة.

وفي ذكرى مولد رسول الرحمة، سيدنا محمد، صلى الله عليه وسلم، نبعث من أرضنا العربية رسالة إلى شعوب العالم كافة: إن السلام ليس ضعفاً، والتسامح ليس تنازلاً، والمحبة ليست مجرد كلمة، بل هي أساس بناء المجتمعات واستقرار الدول وصناعة مستقبل أكثر أمناً وإنسانية لأبنائنا وأجيالنا القادمة.

كل عام وأمتنا العربية والإسلامية بخير، وكل عام وشعوب العالم أقرب إلى السلام والمحبة والعدل، سائلين الله أن يعيد هذه المناسبة المباركة على الجميع بالأمن والاستقرار والخير والسلام.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

إربد تحت موجة صاروخية إيرانية غير مسبوقة .. مشاهد توثق ما حدث

إلى الأردنيين .. هذه الهواتف سترتفع أسعارها بزيادة قد تصل إلى 240 ديناراً

تحذير للأردنيين بشأن مندوبي التعداد السكاني .. لا تعطوا بياناتكم قبل هذه الخطوة

إيران تستهدف مدناً أردنية بموجة صاروخية غير مسبوقة .. فيديو

فاجعة أطفال الزرقاء تفتح ملف المراوح .. علامات خطرة لا تتجاهلها

من هو اللواء مجدي الحراسيس رئيس هيئة الأركان الجديد ؟

إلى الأردنيين .. تحذير مهم من البحث الجنائي

تفاصيل وفاة الطفل إلياس داخل حافلة مغلقة على لسان والده

مهم لغير الأردنيين بشأن الاستفادة من الخدمات الحكومية عبر سند

من المفرق إلى إربد .. والد أسامة يكشف تفاصيل جديدة حول مقتله

بيان للجيش يكشف ما حدث في سماء الأردن .. وكاميرا السوسنة توثق الصواريخ

مجلس الوزراء يقر حزمة قرارات تشمل التعليم والطاقة والطفولة والجامعات

بالفيديو .. بلدة أيرلندية تحمل «حجر الأردن» في اسمها منذ 800 عام .. ما قصتها؟

الملك يكرم شخصيات بارزة في مركز التميز

حق تجهله فتيات في الأردن .. هل يجوز اشتراط عدم زواج الزوج بأخرى؟