ادب الهجرة بين صدق المهاجر ومجاملة المكان واختلاط المشاعر

ادب الهجرة بين صدق المهاجر ومجاملة المكان واختلاط   المشاعر

21-08-2026 04:09 PM

أثناء مشاركتي أ في ملتقى الحرف العربي حول «اللون الآخر، شعرية الاغتراب: مشاهد من حلم»، ومن إدارة الأديبة إخلاص فرنسيس، واثناء تطرقي إلى زوايا عادية في كتابة أدب الرحلة أو أدب المهجر، طرحت إشكالية الاغتراب والكتابة الادبية الصادقة...
ولن أعود إلى المفاهيم السوسيولوجية والأنثروبولوجية لمفهومي الاغتراب والتحول إلى دويل الكتابة ورسمها من جديد، إما بلغة المكان المستقبل، وإما بلغة المهجر. كما لا يمكن أن أعود إلى تسمية ما كتب المهاجرون بأدب الرحلات أو الاغتراب، لأن شكل الرحلة والاغتراب لا يتعدى المجالات التي يطرقتها الأديب حتى وهو في بلده قبل الهجرة. ولي مع المصطلحين شائبة تعود إلى دراسة شخصية الأديب المهجري والأديب الرحالة؛ لهذا، في اعتقادي، لا يتشابهان، لا في الهدف الذي وجد من أجله كل منهما، ولا من حيث وصفهما.
ولهذا سأتحاشى الحديث عن أدب الرحلة، لأني أراه منفصلا تماما عن أدب المهجر. وقبل ذلك، نتفق أن الهجرة مرتبطة زمانيا ومكانيا بما يكتبه المهجري، مهما كان مجال كتابته أو اللون الأدبي الذي يختاره. فالكاتب المعني يبقى في هجرة متنقلة بين مكانين: مكان التواجد والتنفس، ومكان الهوية والذاكرة. والصراع حول المكانين هو زاوية من زوايا تأهيل الكلام المناسب للحديث عنهما، واللذين، في اعتقادنا، غاليان بالنسبة إلى عقدة الأديب المهجري.
اولا : المهاجر بين الصدق والمجاملة
إن التطرق إلى معيار الصدق عند الكاتب المهجري معيار صعب؛ لأنه مرتبط بخاصية الود والقابلية التي حظي بها الكاتب في المكان المستقبل، مما يجعله أحيانا يطعن في حريته، فلا يكاد يخرج الملفوظ سليما إلا ما بقي جحودا في حالة العكس.
ولكن عندما يستوي الصرف السياقي لبيت شعري، فيشعره بالغبن والتهميش، فهو لا يذكر ذلك بالتمام، ظنا منه أنه إنسان غير جاحد للنعم. ماذا يحدث لديه؟ أكيد تنقلب موازين الدراسة العقلية المستقيمة، ويلجأ إلى التغاضي عن بعض الأمور والشفاشف ويحاول أن يداريها أو ينظر إليها، ولا يستعملها في أسلوبه القصصي أو الروائي.
لأن الأديب المهجري لا يترك قلمه يمشي بكل سهولة ليعبر عن ذاته، ما لم يتوقف مرات عند نقاط المراقبة الخارجية أو الداخلية. ولذلك تنعدم إحدى بواعث الصدق، وهنا أظنه يبقى بعيدا عن التعبير الحقيقي، أما في السرد فالأمر ممكن أن يكون مكشوفا، وبالتالي تنفضح المقاييس الكبرى التي منها المبادئ والإحسان إلى المكان الأصلي.
يعني، يتكون له شيء من المجاملة لمكان المحل أو الإقامة، خاصة إذا كانت عقدة العمل الروائي أو القصصي منظمة على أساس عرف أو تقليد يمس أعراف مكان الإقامة. وإن فعل ما يمليه التابو والضمير، سيكون منبوذا أو فاقدا لنعمة الإقرار بالحقوق، أو ما نسميه بالجحود، فيصير موضوعا دسما ربما قد يؤول سياسيا، أو ربما قد يؤدي به إلى ترحيل.
والمشكلة عويصة في اختبار الصدق في الكتابة؛ فإذا انحرف هذا المعيار، يصير أدب المهجر مجرد موسوعة جغرافية، أو أداة وصفية لأماكن لا يستطيع أن يتعرف عليها القارئ إلا من المصدر. وهنا تحضرني العوامل البحثية الأنثروبولوجية التي نستعملها في الحصول على المعرفة من طرف المقيم، وخاصة إذا كانت عامة.
أما بخصوص ما تعانيه الذات من اغتراب، فيتطلب الأمر حكمة وتقنية أسلوبية؛ لأن الأدب، كما يرى إدوارد سعيد في كتاباته حول المنفى، لا يجعل المنفي مجرد شخص خارج المكان، وإنما يجعله واقفا بين أمكنة وذاكرات وانتماءات متقاطعة. ومن هنا تصبح الكتابة نفسها مساحة للتفاوض بين ما عاشه الأديب وما يستطيع أن يقوله.
وكثير من الأعمال الإبداعية التي مرت عليّ طيلة حقبة زمنية ليست بالقليلة، أجد فيها مظاهر المجاملة، مع أن الأديب كان في وقت سابق صادقا في ترويساته ومناشيره المتعددة.فهل يكتب ما يشعر به، أم ما يُسمح له بقوله؟
ثانيا: هل يكتب ما يشعر به أم ما يُسمح له بقوله؟
لو نغوص في أعماق الكاتب ونبحر في جوهرياته، نجد أننا كلنا ندعي الحرية في الكتابة في المهجر، لكوننا نملك معيار المفهوم المغاير للحرية. وربما كان هذا الكلام يصح قبل التدويل الإعلامي للمنصات، أما الآن فقد أصبح الاعتقاد زائلا، ويخضع لحسابات تتعلق سمعة الأدبية للأديب.
ولكون الأدب تعبيرا حرا لا يخضع للتوقف، وخاصة فيما يتعلق بالمشاعر، فإننا لو نعود إلى نموذج المخطط البنائي للمجتمعات نجدها تختلف حتى في زوايا النظر إلى ما يريد الأديب إثارته، كالخيانة العاطفية أو المحافظة القيمية،او حتى الحب مما يعني أن المكتوب في المشاعر يبقى ناقصا، وإلا يدخل الأديب المهجري في دوامة النقد، أو حتى ربما التعدي على أعراف بلد الإقامة، مما قد يسبب له انهيار مشروعه الأدبي الذي جاء يبحث عنه في بلاد الناس.فلا شيء يجعل الأديب يستقر في كتابته إلا في وطنه، وفق نمط يبرر فيه ما يريد قوله؛ لأن الحرية المعتقدية واحترام الخصوصية الإنسانية معياران عالميان يقتدى بهما، كما أنهما من أخلاقنا.
ويظل الكاتب المهجري ناقصا في التعبير عن إرادته بدون كذب، لكنه مجبر على التقيد والحرص على عدم مساس الخصوصية. وهذا يتعلق بمفهومه للحريات الفردية التي تحترم إرادة الجميع في الداخل أو الخارج.فلا مجال الآن للكتابة خارج مجال الكشف العالمي؛ كلها تحت المجهر. إن أسأت فقد أخطأت وأخللت بنظم اتفق عليها السواد الأعظم، وإن وفقت فأنت سفير للنوايا الجيدة في الخارج.
وهنا لا أقول إن الأديب المهجري كاذب، وإنما أقول إن الصدق الأدبي نفسه أصبح محكوما بسياقات متعددة. فهناك فرق بين أن يكذب الكاتب، وبين أن يصمت، وبين أن يرمز، وبين أن ينتقي من الحقيقة ما يستطيع تمريره داخل بيئته الجديدة. وهذا هو الفرق الذي يجعل سؤال الصدق أكثر تعقيدا من مجرد سؤال: هل قال الحقيقة أم لم يقلها؟
ثالثا: اللغة العربية بوصفها منفذا للقول
ولا يعتبر هذا الاستنتاج غلقا للمنافذ، بل هو دعوة إلى الالتفات التنقيبي للغة العربية، كأرقى لغات العالم، ويمكن فيها أن يلجأ الأديب المهجري أو المحلي إلى ملفوظاتها الدالة على ما أراد أن يقوله الأديب، وحتى ما يريد أن يقوله مستقبلا.
وهنا تحضرني مقولة رولان بارت في النظر إلى الكتابة باعتبارها فعلا لا ينحصر في نية المؤلف وحدها، لأن النص، بعد خروجه إلى القارئ، يدخل في شبكة واسعة من التأويلات.ولهذا فإن سؤالنا لا ينبغي أن يكون فقط: هل الأديب المهجري صادق أم مجامل؟ بفعل مايعيشه
إن الاغتراب، في اعتقادي، لا يجعل الأديب خارج وطنه فقط، وإنما يجعله خارج اليقين أيضا. فهو كلما كتب عن المكان الذي يعيش فيه، حضرت ذاكرة المكان الذي تركه، وهنا يحدث التنازع القوي ن لان حنين المرا الى ذاكرته واصله يبقى هو المستقر بتفاصيله لذلك، فإن صدق الأديب المهجري لا يقاس فقط بما قاله، وإنما بما استطاع أن يتركه للنص كي يقوله عنه.وهنا تحديدا تبدأ شعرية الاغتراب.عندئذ يصبح اللون الآخر ليس لون المكان وحده، وإنما لون الذات وهي تحاول أن تجد لنفسها مكانا وسطزخم متراكم مكتسب وطبيعي من المشاعر التي اصبح الذكاء الاصطناعي يحصيها بدقة.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

سياحة الأعيان: ضرورة مواصلة تطوير موقع المغطس ومحيطه

أرض بملايين الدنانير وموظفون بلا دوام .. الحكومة أمام أسئلة حاسمة .. صور

أمطار صيفية نادرة تفاجئ الشمال .. وهذا ما ينتظر الأردن خلال الأيام المقبلة

77 مليار لتر سُرقت من مياه الأردن .. رقم يفوق سعة سد الملك طلال

القبول الموحد يغلق قبل المكرمة .. موعدان مختلفان وخطوة لا يجوز تأجيلها

مصرع زوج فنانة لبنانية بصعقة كهربائية أثناء الاستحمام

«خيّي وخيّك» .. اسم مطعم يفتح جدلًا لغوياً وإدارياً في الأردن

قرار في جامعة حكومية يفتح ملف الصلاحيات القانونية

وفاة ممثل مصري شهير .. صورة

مهم من الحكومة بشأن الخدمات المقدمة للمواطن

تعديلات تمس الاقتراع والدعاية والترشح .. ماذا سيتغير في الانتخابات بالأردن؟

حقيقة الذهب والكنوز بوادي السير .. الآثار الأردنية تحسم الجدل وتوجه رسالة للبحيشة

بعد سرقة 77 مليار لتر في الأردن .. فتوى تحسم الحكم الشرعي

النقل المدرسي المجاني يبدأ الأحد .. من يشمله فعلًا وكيف يعرف الأهالي أن أبناءهم ضمن الخدمة؟

بعد تصريحاتها المستفزة تجاه الأردن .. زوجة مسلّم تتصدر المواقع مجدداً