لا تُراهن

لا تُراهن

17-08-2026 12:06 AM

ستُفلت يوماً ما… كُلُّ ما أحببتَه، نعم، كُلُّه. لا تسألني لماذا، ولا كيف. ستُرخي قبضة يديك عن اشخاصٍ كنت تظن انهم سيبقون، وعن ذكرياتٍ قديمة، وعن صورٍ احببتها وكنت تُفضّلها في معرض صورك، وعن تفاصيل كنت تظن أنها جزءٌ لا يتجزّأ منك. ثم تستيقظ يوماً لتكتشف أن ظنّك كان خاطئاً .

ستحذف من ذاكرتك جزءاً كنت تظن انك لا تستطيع العيش بدونه، وستتعجّب كيف استطعت يومًا أن تمنحه كل هذا المكان في قلبك .

وبالرغم من جمال المشاعر، وتدفّق ما نشعر به تجاه من اخترناهم ليكونوا أجزاءً منّا، تبقى صفعة الواقع، والعقل، والمنطق… أجمل بكثير؛ ليس لأنها أقلّ وجعاً، بل لأنها تُعيدك إليك .

ترفع من قدرك عند نفسك، بعد أن اهدرتَها في اشياء استنزفت قلبك، وروحك، وجسدك، في كثرة الشرح، والمبالغة في التبرير، ومحاولات الإقناع، والسعي المستمر لأن تكون مفهوماً لدى شخصٍ لم يختر أصلًا أن يراك كما أنت.

ومن لا يختار أن يراك كما أنت، بمميّزاتك وعيوبك، بوضوحك وعفويّتك، فلا تظن أن يوماً سيأتي وتشعر فيه بالراحة معه. فالارتياح لا يولد من كثرة التبرير، ولا من مراقبة كلماتك، ولا من محاولتك الدائمة أن تثبت انك جدير بأن تُفهَم .

الارتياح شعورٌ يُخلَق حين تكون أنت… دون خوف، دون شرح، ودون ان تضطرّ كل مرة إلى الدفاع عن حقيقتك .

وهنا يحدث الانطفاء الحقيقي؛ ذلك الانطفاء الذي يصيب أرواحنا ونحن لا نراه، لأننا نكون منشغلين جداً بخلق المبرّرات لمن أطفأنا .

ولا تفترض انك تعرف داخل أحدهم حقَّ المعرفة؛ لن تعرفه إلى الأبد. ففي كل إنسان وجوهٌ كثيرة تظهر مع الأيام؛ وجهٌ يريحك، وآخر يُربك قلبك، ووجهٌ ثالث يصدم كل ما راهنت عليه، فيسقط رهانك أمام عينيك .

لذلك… لا تُراهن .

لا تُراهن على شخص، ولا على شعور، ولا على كلام، ولا على وعود، ولا على فرضيّات صنعتها مخيّلتك، ولا حتى على محبّةٍ ظننت أنها ستبقى كما هي .

ففي لحظةٍ واحدة، قد ينتهي كل هذا. وتأتي الأيام لتُثبت لك أن الإنسان، مهما أحبّ، ومهما ظنّ، ومهما اطمأنّ… لا يملك ضمانةً واحدة تجاه ما في قلوب الآخرين .

لذلك لا تجعل قلبك معلّقًا برهانٍ لا تملك نتيجته .

الرهان الوحيد الذي لا يخسر هو أن تُحسن ظنّك بالله، وأن تجعل علاقتك به هي الشيء الثابت وسط كل ما يتغيّر .

فكل ما احببتَه قد يُفلت من يدك يوماً …

إلّا الله .



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد