حريم الـ«نولان»

حريم الـ«نولان»

17-08-2026 12:25 AM

كنت – وما أزال- مهجوسة بصوت المرأة المغيّب، وكيف يُكتم هذا الصوت فيتبرع مثلا نزار قباني ليكتب لها شؤونها الصغيرة ويومياتها اللامبالية، لذلك كتبت كتابيَّ «شعر المرأة في ألف عام» و»ما لم يقله الرجال» في محاولة لتحرير تاء التأنيث من سطوة واو الجماعة. عاد إليّ هذا الهاجس بعد مشاهدة فيلم كريستوفر نولان المبهر «الأوديسة» وقراءة ما تيسر من مقالات نقدية تناولت الفيلم، وقد استوقفتني فكرة ذكرتها إميلي ويلسون – مترجمة الأوديسة إلى الإنكليزية، التي اعتمد نولان على ترجمتها في كتابة السيناريو- أوردتُها عرَضا في مقالي الأسبوع الماضي، «حصان طروادة يخدعنا مجددا»، لخصتُ فيها رأي إميلي في أن «شخصيات الفيلم غير مطورة بما فيه الكفاية، خاصة الشخصيات النسائية التي تبدو بسيطة، فكاليبسو في الفيلم معالجة نفسية غير مدفوعة الأجر، وبينيلوبي تُختزل في امرأة تنتظر زوجها».
وللإنصاف هناك في مقال مترجمة الأوديسة ملاحظات وجيهة، وتحامل شديد في آن واحد. واتهام كريستوفر نولان بتحجيم الشخصيات النسائية في فيلمه، وذهاب بعض النقاد إلى أن هوميروس قبل ثلاثة آلاف عام «يبدو شبه نسوي إذا قورن بفيلم صنع في القرن الحادي والعشرين»، هذا الاتهام ينظُر بعين سخط نسوية إلى الفيلم، تعتقد أن أوديسة نولان منحت النساء حضورا بصريا وحرمتهم الفاعلية الدرامية. فتحولن إلى أكسسوارات تُبهرج حكاية العائد المأزوم. فهل همّش كريستوفر

نولان في فيلمه دور النساء فعلا؟

قبل الإجابة على هذا السؤال نرجع إلى الأصل الهوميري، فالملحمة الأوديسية تحكي رحلة تيه دامت عشر سنوات كاملة لبطل عاد منتصرا من معركة طروادة بمكره وذكائه، ولكنه أغضب الآلهة فعرقلت عودته إلى دياره، فالأوديسة ليست قائمة على ثنائية كلاسيكية مثل روميو وجولييت، أو قيس وليلى، بل هي رواية البطل الواحد، وإن تقاطعت رحلة عودته مع نساء كثيرات كزوجته بينيلوبي التي انتظرته عشرين عاما، أو مروره عبر فضاءات تحكمها نساء بعضهن من الآلهة، كما حمته إلهة امرأة هي الأخرى. ولأن مركز ثقل الأوديسة رجل، هو متن الملحمة والنساء هامشها، حاولت عدة كاتبات وروائيات زحزحة المركز السردي إلى شريكات الرجل في الأوديسة، فظهرت منذ خمسينيات القرن الماضي كتابات نسوية عموما تسلط الضوء على بطلات الأوديسة، ثم تطورت هذه الكتابات إلى روايات نقلت المرأة من الظل إلى الضوء، فصدرت روايات مثل «الأوديسة كما ترويها النساء» لماريلو أوليفا، تعيد فيها كتابة الملحمة من منظور نسائي معاصر يمنح الصوت لنسائها، ورواية «سيرسي» (Circe) لمادلين ميلر التي أخذت شخصية الساحرة التي تظهر في جزء محدود نسبيا من الأوديسة، وأعطتها حياة كاملة، أو «البينيلوبية» (The Penelopiad) لمارغريت أتوود التي منحت زوجة أوليسيوس حقها الكامل في رواية الأحداث، وأنصفت معها الجواري اللواتي اتُّهمن بإقامة علاقات مع الخُطّاب وقتلهن تليماخوس.
هذه الروايات جميعها لا تشتكي من قلة الحضور النسوي في الأوديسة، فهن حاضرات وقويات، ولكن اعتراض كاتباتها أن نساء الأوديسة لم يكن لديهن الحق في رواية قصتهن بأنفسهن، فتناوب روايتها نيابة عنهن راوٍ عليم أو أوديسيوس نفسه في الملحمة الهوميرية. فحاولن من خلال ما كتبن أن يعدن للنساء أصواتهن. وهي الحجة نفسها التي استعملها الذين اتهموا كريستوفر نولان بتهميش المرأة في فيلمه، فلم يكن السؤال المركزي: هل في فيلم الأوديسة حضور نسوي؟ بل: هل أعطاهم الفيلم صوتا ووجهة نظر أم أعاد توظيفهن كمحطات في رحلة أوديسيوس؟

بينيلوبي: تحترف الحزن والانتظار

لا أجد أفضل وصف لبينيلوبي في فيلم الأوديسة من هذا المقطع من أغنية لفيروز «أرتقبُ الآتي ولا يأتي/ تبدّدتْ زنابق الوقتِ/ عشرون عاما وأنا أحترف الحزن والانتظارْ»، يُحسب لكريستوفر نولان أنه منح بينيلوبي مساحة بصرية جيدة، فابتدأ الفيلم بها وبابنها وهما يعانيان من غيبة أوديسيوس الموجعة وحضور الخُطّاب الثقيل، وحسنا فعل حين عزلها عن مجتمع الرجال بحاجز خشبي مخرّم تراهم ولا يرونها، وتراقبهم من مكان عالٍ تحتفظ فيه بموقع السلطة داخله، فهي غائبة حاضرة ومحجوبة ظاهرة، وهي في الأوديسة الهوميرية من أكثر شخصيات الملحمة ذكاءً وتعقيدا. تجسد الوفاء والصبر، لكنها تمتلك أيضا دهاءً يوازي دهاء أوديسيوس نفسه. حافظت بذكاء على عرش إيثاكا عشرين سنة في غياب زوجها، وحمت ابنها المراهق، وقاومت مئة خاطب بحيلة الغزل الذي تنكثه كل ليلة، وحتى حينما يعود أوديسيوس لا تستسلم لعاطفتها، بل تُعمل عقلها وتعرّض زوجها لاختبار، فهي امرأة ذات بصيرة وحكمة واستقلال في التفكير، وشريكة فكرية لأوديسيوس يتجاوز دورها دور زوجة سلبية تنتظر عودة الزوج من غيبته الطويلة. ورغم أن نولان منحها لحظات قوية مثل ثورتها على العالم الذكوري بخطاب يكشف إحباطها من عدم الاعتراف بما فعلته للحفاظ على المملكة، فإن الخطاب في الأوديسة النولانية يخبرنا أن بينيلوبي قوية، ولكن لا يرينا كيف، بل يحرمها نولان من موقف يدلنا على أنها لم تكن أقل ذكاء وحيلة من أوديسيوس، حين تختبره بسؤاله عن السرير الزوجي المصنوع من شجرة زيتون ثابتة، ولا يعرف سره إلا اثنان هي وهو، لذلك لا يمكن زحزحته. وحتى لا نظلم نولان فهو لم يلغ بينيلوبي ولم يقلل من زمن ظهورها، ولكن أنزلها مرتبة عن أوديسيوس فلم تكن ندّاً لذكائه، بل زوجة وظيفتها الاشتياق لزوجها وانتظاره فكأنها جائزة ترضية له على عذابات سفره.

أثينا: الإلهة المعزولة عن عرشها

أثينا عند هوميروس هي إلهة الحكمة والعقل والتدبير، وليست شخصية مساعدة عابرة. تحضر في كل المحطات الصعبة من الرحلة فتساعد أوديسيوس وتليماخوس، تتنكر وتخطط وتنقذ، وتساعده في الوصول إلى إيثاكا، وفي مواجهته الأخيرة مع الخطاب، وفي إيقاف دائرة الثأر وإعادة السلام إلى إيثاكا. فهي شريكة أوديسيوس الخفية في رحلة العودة، وهي النقيض الإيجابي للآلهة التي تحركها الأهواء والرغبة في الانتقام، لكنها تتحول عند كريستوفر نولان إلى شبح لا يراه إلا أوديسيوس، أشبه بصوت الضمير لا تكاد تفعل شيئا سوى أن تتبع العائد الضائع وتهز رأسها موافقة أو مستاءة، تبدّل دورها من امرأة/إلهة تغيّر مصير البطل إلى جزء من أزمته الداخلية، ذات حضور هامشي يمكن الاستغناء عنه، من دون أن يغيّر في الأحداث شيئا، فكانت كما وصفها أحد النقاد «أشبه بالمدرّسة التي تقول لتلميذها إنها ليست غاضبة منه، وإنما خاب أملها فيه». وشتان بين أثينا الهوميرية وأثينا النولانية!

كاليبسو: معالِجَة نفسية قبل ثلاثة آلاف سنة

هذه الحورية الخالدة/ الإلهة النسوية قبل ظهور الحركات النسوية، التي احتجت على ازدواجية المعايير عند الآلهة، حيث يستطيع الإله الذكر أن يقيم علاقات مع النساء الفانيات، بينما تتدخل السلطة الإلهية ضدها وتمنعها من الارتباط بأوديسيوس الفاني وتلزمها بإطلاق سراحه بعد أن احتجزته سبع سنوات كاملة، جاعلة منه عبدا يلبّي شهواتها الجسدية، هذا الجانب الذي استبعده نولان تماما حتى مع الساحرة سيرسي، ولكن في النسخة النولانية من الأوديسة تغيب كل هذه الجوانب فلا نرى الشخصية الخطيبة البليغة القوية المستحوذة التي تعاند أوامر الآلهة الذكور فتعيق عودة أوديسيوس لسنوات، بل نجد امرأة هادئة أشبه بمعلمات اليوغا والتأمّل، تعالج أوديسيوس من صدمة ما بعد الحرب، وتساعده على ترميم ذاكرته، وتيسّر له مواصلة رحلته إلى زوجته بينيلوبي غريمتها. فسيناريو نولان يصنع من كاليبسو امرأة رائعة بصريا، ولكنها مسلوبة الخصائص الهوميرية «فليست غاضبة، ولا مضحكة، ولا ماهرة في البلاغة، ولا شهوانية» هي معالجة نفسية بلا أجر.

وهناك نساء أخريات هوميريات إمّا حجمت أدوارهن أو حذفت تماما، فأغلب من شاهد الفيلم أعجب بمشهد تحويل الساحرة سيرسي رفاق أوديسيوس إلى خنازير وهو مشهد ناجح، ومبهر تقنيا، ولكننا لا نعرف عن هذه الساحرة سوى رد الفعل الغاضب هذا على السلوك الوحشي لرجال أوديسيوس. ورغم أن الفيلم احتفظ لها بجانبها القوي والمخيف إلا أنه أفقدها تعقيدها وتحوّلَها من خطر يهدد الرجال إلى حليفة لأوديسيوس بعد أن مكث عندها سنة كاملة وكانت بينهما علاقات جسدية. وإذا كان دور سيرسي قد اختُزل في مشهد تحويل الرجال إلى خنازير، فقد حذف نولان من الملحمة الهوميرية مشهدا بالغ الوحشية حيث يشنق تيليماخوس في آخر الملحمة اثنتي عشرة امرأة مستعبدة لأنهن أقمن علاقات مع الخُطّاب، واستبدله بالتضحية بالخادمة ميلانثو التي دفعتها بينيلوبي إلى قلب المذبحة لتحكم عليها بالموت فعليا، فكأن نولان استعاض عن جريمة تليماخوس بشنق اثنتي عشرة امرأة في قتل الجواري بتلزيمها لأمه وإن كانت الضحية جارية واحدة.
كريستوفر نولان لم يطرد النساء من جنة فيلمه، بل أبقاهن لأنه بحاجة إليهم في معالجة الآثار النفسية لبطل عاد من معركة انتصر فيها لكن انهزمت روحه. فكان بحاجة إلى زوجة تنتظره وتغدو حافزا يحركه للعودة، وإلى معالجة نفسية تُصلح أعطاب ذاكرته، وإلى إلهة قويّة تحولت إلى شبح يؤنس وحدته. ولكن هل استشارهن نولان إن كنت يرغبن فعلا في تلك الأدوار التي أسندها إليهن؟ أم حوّلهن إلى حريم في أوديسته؟!



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد