إجراءات لابد منها لنجاح أي حوار في السودان

إجراءات لابد منها لنجاح أي حوار في السودان

17-08-2026 12:23 AM

نجاح أي حوار وطني، في السودان أو غيره، يشترط الاستيفاء الكامل لمنظومة متكاملة من الترتيبات الإجرائية والتنظيمية والسياسية، تشمل:
أولا، أي حوار جاد ويراد أن يُكتب له النجاح، لابد أن يسبقه تحضير جيد في شكل مشاورات واتصالات ولقاءات غير رسمية بين كل الأطراف، يمكن تنظيمها خارج السودان وداخله، وتبحث تشكيل اللجنة التحضيرية للحوار، وماهية أهدافه، وكيفية تنظيمه، والتحديات التي ستواجهه. وتتضمن هذه اللقاءات والمشاورات، مناقشات وعصفا ذهنيا لتقريب وجهات النظر، وتحديد وحصر القضايا الخلافية حول أسباب الحرب، تعريف الأزمة وسيناريوهات الخروج منها، تقييم فشل تجارب الحوارات السابقه واستخلاص الدروس المستفادة، أسباب فشل الحكومات الوطنيه منذ استقلال السودان وحتى تاريخه في بناء دولة ما بعد الاستقلال الوطنيه…الخ. صحيح هي مشاورات ولقاءات غير رسمية، ولكن لا أعتقد بإمكانية التئام أي حوار جاد بدون نجاحها.
ثانيا، التوافق على لجنة تحضيرية من كل الأطراف، تبحث كيفية تنظيم الحوار وإدارته والمشاركين فيه وأجندته ومقر انعقاده وتمويله، وكل القضايا الفنية واللوجستية…الخ. كما تقترح مسودة لائحة لإدارة وتنظيم الحوار، يتوافق ويُوقّع عليها الجميع في الجلسة الأولى، وتتضمن: قواعد سلوك احترام الرأي الآخر، منع الخطاب التحريضي، احترام وقت المتحدث، منع المقاطعة، وتجريم السب والقذف، آلية اتخاذ القرارات…الخ. وكل ذلك بهدف خلق مساحة رحبة تتصارع فيها الأفكار وليس الأشخاص، مما يثري المداولات ويساعد التوصل إلى حلول توافقية.

ثالثا، لا يمكن أن يكون الحوار الوطني جادا وحقيقيا إلا إذا انعقد في ظل مناخ سياسي وإجتماعي ملائم وآمن يسمح بحرية التعبير والتنظيم، ويوفر التواصل الحر بين الجماهير وممثليها في طاولة الحوار. وتوفير هذا المناخ يتم وفق إجراءات محددة وملموسة، ومشفوعة بضمانات قانونية، وتشمل: الإفراج عن المعتقلين السياسيين وإلغاء الملاحقات القضائية، إلغاء قوانين الاعتقال التحفظي والمقيدة للحريات، وقف التصعيد العسكري والأمني، وقف التهديدات والحملات الإعلامية ضد الخصوم، وقف خطاب الكراهية والتحريض على العنف، السماح للجان المجتمعية لإدارة المساعدات الإنسانية في المناطق المتأثرة دون وصاية عسكرية…الخ.
رابعا، التوافق على هيئة/وسيط لإدارة الجلسات وتلخيص وصياغة نتائجها. والوسيط ليس مجرد منسق إداري ينظم تناوب الكلام، بل هو «مهندس للتوافق»، ويلعب دورا في تقريب وجهات النظر، ويقترح حلولًا توفيقية عند الوصول إلى طريق مسدود. لذلك، يجب أن يتصف بالحيدة التامة، والنزاهة والكفاءة والخبرة في فض النزاعات. أما إذا كان الوسيط منتميًا أو مقربًا من أحد الأطراف، فسيتحول الحوار إلى مسرحية ركيكة.
خامسا، التوافق على أمانة فنية مستقلة للتوثيق وتسجيل المداولات وجمع وتوفير المعلومات والتقارير الرسمية، والإحصاءات المطلوبة، والدراسات المقارنة حول القضايا المطروحة، وتعميمها على جميع الأطراف قبل المناقشة، مع توفير خبراء محايدين لتقديم الإيضاحات الفنية. وذلك بهدف إبعاد المناقشات من دائرة «التخوين» إلى دائرة «التفكير المبني على المعطيات»، مما يسهل التفاهم ويقلل من فرص المزايدة الخطابية.
سادسا، تمثيل حقيقي ومتكافئ للأطراف كافة دون أي اقصاء، ودون تدخل من السلطة، لا يقتصر على الأحزاب السياسية والفصائل والحركات فقط، بل يشمل المجتمع المدني، الشباب، المرأة، القطاعات المهمشة من الأقليات القومية والدينية، الشخصيات المستقلة والنخب الأكاديمية والفكرية…الخ. وتُحدد أعداد الممثلين عبر التشاور وبالتوافق، بحيث يشعر كل طرف أن صوته ممثل بشكل عادل.
سابعا، التوافق على أجندة واضحة، بالاستفادة من المشاورات الأولية، تُطرح من قبل المشاركين أنفسهم، ولا تُفرض من قبل جهة بعينها. وتُصنف الأجندة حسب الأولويات التي يتفق عليها، مع التوافق على جدول زمني يحدد مواعيد واقعية لكل محور، مع مرونة تتيح التمديد في القضايا العالقة، ولكن دون فتح الباب للمماطلة اللانهائية. الأجندة الواضحة تمنع الخروج عن السياق أو تحويل الحوار إلى منصة لإعادة إنتاج الصراعات القديمة، والجدول الزمني يخلق زخمًا ويحول دون استنزاف طاقة المشاركين.
ثامنا، ضربة البداية لانطلاق أي حوار ناجح هي التوافق على إعلان مبادئ يشكل إطارا للحوار، توقع عليه جميع الأطراف، ويتضمن: وحدة السودان الطوعية على أساس الاعتراف وتقنين التنوع واللامركزية الموسعة، العدالة الانتقالية وعدم الإفلات من العقاب، إصلاح القطاع الأمني والعسكري بما يفضي إلى جيش واحد مهني بعقيدة وطنية، معالجة جذور الحرب وأزماتنا المتفاقمة منذ فجر الاستقلال…الخ.
تاسعا، مشاركة الإعلام، الرسمي والخاص، بمسؤولية في نشر ثقافة الحوار، وتغطية أخبار الجلسات بشكل موضوعي ودون إثارة وتأجيج، واستضافة خبراء لشرح نقاط الالتقاء والافتراق. ويقوم المجتمع المدني بدور الرقابة الشعبية لمسار الحوار والتأكد من شفافيته، ويعقد ورشات موازية لشرح مخرجاته للناس، وجمع مقترحاتهم لإثراء النقاش. إن الإعلام الذي يمارس التضليل أو التحريض ضد أي من الأطراف يهدد بانهيار الثقة في العملية برمتها. كما أن قصر الحوار على النخب السياسية فقط وداخل الغرف المغلقة، بعيدا عن جموع الناس، يجعل ميزان القوى يميل لصالح الطرف الأقوى، السلطة، الذي يحتكر كل أشكال التواصل مع الجماهير. وفي هذه الحالة، فإن أقصى ما سينتهي إليه الحوار هو تسوية للمشاركة في السلطة، دون التصدي لعلاج جذور الأزمة، مما يعني إعادة إنتاجها. بينما الحوار في الضوء وبعيدا عن العتمة المنشطة لمساومة الصفقات الفوقية، وتحت أعين ورقابة الجماهير، يمكن أن يحقق اختراقا في جذور الأزمة.
عاشرا، تشكيل آليات للتنفيذ والمتابعة تضم ممثلين عن الأطراف الموقعة على الوثيقة النهائية. كما يجب ربط تنفيذ المخرجات بجدول زمني محدد، ومؤشرات قياس أداء واضحة، تُعرض دوريًا على الرأي العام. فالحوارات الوطنية غالبا ما تفشل لأن مخرجاتها تبقى حبرًا على ورق.
أحد عشر، إذا اقتضى الحال، يمكن الاستعانة بدعم محدود من المنظمات الإقليمية أو الدولية، أو الدول الصديقة، يتم تسميتها بالتوافق التام بين أطراف الحوار، وينحصر دورها فقط في تقديم التسهيلات الفنية والمساعدات اللوجستية، وتأمين تنقل المشاركين من مناطق النزاع.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد