الرجل الذي كان أفعى
11-08-2026 03:20 AM
كان لي في الجامعة زميل يشبه الأفعى. لا أعرف كيف يمكن لوجه إنسان أن يشبه أفعى من غير أن يكون قبيحاً؛ بل كان، على العكس، وسيماً ورقيقاً، وفي رقته خيط أنوثة خفي لا يظهر إلا عندما يحتاج شيئاً: أن أساعده في درس، أو ننتظره نحن شلة الأصدقاء قبل أن نأكل في كافتيريا الجامعة. عندها، كان يحني رأسه قليلاً، في حركة رقيقة تكاد تكون توسلاً، بينما تبقى عيناه خارج الحدث تماماً؛ باردتين، ساكنتين، كأن الوجه تلقى تعليمات بالمشاركة ونسي أحدهم إبلاغ العينين.
كنت أراقبه بفضول أكثر مما ينبغي، وأتساءل: أين تذهب مشاعر هذا الرجل؟ حين يريد إظهار الامتنان، كان يسدل عينيه فيبدو يائساً، وحين يفرح يبتسم بمشقة هائلة، حتى يخيل إليّ أن في طرفي فمه ثقلين، وزن كل منهما عشرون كيلوغراماً، وعليه أن يرفعهما بعضلات وجهه. لذلك بدت ابتسامته مصنوعة على نحو يبعث في النفس نفوراً غامضاً. ولأنني كنت، وما زلت، أمتلك تلك الصراحة التي أفسدت عليّ فرصاً كثيرة للنجاة الاجتماعية، قلت له مرة: أرجوك يا صديقي، لا تبتسم لي هكذا، ابتسامتك مخيفة. اعتذر برقة، ثم ابتسم لي الابتسامة نفسها! عندئذ، فهمت أنه لم يكن يتصنّعها، بل لعلها كانت كل ما في جعبته من تعبيرات بشرية.
في الغضب فقط كان وجهه يستيقظ كاملاً؛ تتحرك يداه بعنف، بينما تتشنج عضلاته، ويخرج من ذلك الكائن الصامت شيء بدائي مفاجئ، فيما تظل عيناه محتفظتين ببرودتهما العجيبة. ومع ذلك، كان ثمة شيء آخر يستطيع إحياءهما: «الأفاعي»! إذ كلما ارتديت قطعة من حلي بولغري التي جعلت الجسد الملتف للأفعى واحداً من أشهر رموزها الفنية، كان يلتقطها من بين كل التفاصيل. وما إن يراها عليّ، حتى ترتسم على وجهه نصف ابتسامته المعهودة، إلا أن تقاسيم وجهه هذه المرة كانت تسترخي بسعادة تجعلها أخاذة وخبيثة في آن، ثم يسألني بشغف غريب: هل تحبين الأفاعي؟ هل تحبين أن تكوني أفعى؟ هل أنتِ أفعى؟
لم أفهم يومها إن كان يهجوني أم يغازلني بطريقته الخاصة. فالأفعى في مخيالنا الشعبي وريثة سيئة الحظ لقرون من الشر والشيطان والخديعة، لكن طريقته كانت توحي بشيء آخر، كأنه لا يسأل إن كنتُ شريرة، بل إن كنت أنتمي إلى جنس سري لا يعرف جماله إلا أفراده. كنت أترك السؤال في الكافتيريا مثل العادة، وأعود إلى البيت من دونه؛ حتى وصلنا السنة الرابعة، وحدث ما جعلني أتذكر كل شيء بعد سنوات!
كانت الجامعة تخضع لبعض الترميمات، وكنا أربعة نمشي معاً حين لم أنتبه إلى دكة مرتفعة، وكدت أتعثر. أنقذني صديقي من السقوط، لكن بالطريقة التي قد يحتاج المرء بعدها إلى إنقاذ آخر: أمسك رقبتي بكلتا يديه كما لو أنه لا يمنعني من الوقوع، بل يشرع في تصفية حساب قديم، لم تكن نظرة بين شخصين، بل إعلان حرب صامتاً. دفع نحوي بنظرة ثقيلة، مظلمة، فيها من التحدي ما يشبه أمراً بالتراجع، ومن النقمة ما جعلني أشعر لثانية واحدة، أنه لا يريد إخافتي بقدر ما يريد محوي. لم أكن أعرف أن العين البشرية تستطيع أن تحمل كل ذلك من دون أن تتحرك فيها عضلة واحدة. كانت يداه ما تزالان حول عنقي، لكن الخطر الحقيقي انتقل منهما إلى عينيه، وهناك بدأت معركة لم يكن أحد من أصدقائنا يعرف أنها تجري، كان ينتظر أن أخفض بصري ولسبب لم أفهمه، لم أفعل.
لم نعد طالبين يقفان في ممر جامعة؛ صرنا جيشين وصلا إلى السهل نفسه ولا يملك أحدهما طريقاً للانسحاب. كان هو إسبرطة بكل قسوتها، وكنت أثينا بعنادها الطويل. شعرت بأن نظرته تحاول دفعي إلى الوراء كما تدفع اليد جسداً، فدفعتها بنظرتي، وكلما ازداد قسوة ازددت سكوناً، ثم فجأة سمعت صوت دفوف! لم تكن هناك دفوف في الجامعة طبعاً، لكنني سمعتها كما كنت أسمعها طفلة في تكيات بغداد؛ ذلك الضرب العميق المتتابع الذي كان يتسلل إلى أذني ولا أفهم منه شيئاً، ثم يهبط إلى مكان ما في الجسد ويبقى هناك. حتى بدأت أشعر بشيء يتغير في الجهة الأخرى. لم يعد يهاجمني؛ بدأ ينتظر. ثم لم يعد ينتظر؛ أصبحَ يتردد. وأخيراً حدث الانقلاب الصغير الذي حسم المعركة كلها: لمح في عيني أنني عرفت أنه يريدني أن أخاف، وعندها فقط خاف هو.
تعالت الدفوف في رأسي، حتى لم أعد أعرف إن كنت أنا التي تنظر إليه أم أن شيئاً راسخاً في دمي استعار عيني للحظة.
انكسرت عيناه أولاً، وفي اللحظة التي ارتخت فيها يداه عن رقبتي، وسقطت نظرته بعيداً، سكتت الدفوف دفعة واحدة. وسط ذلك الصمت تناهى إلى سمعي أو تخيلت أنني سمعت صوتاً قديماً يأتي من مكان أبعد من ذاكرتي، يقول لي بحنان المنتصرين: «عفية جدي، بنت الشيخ رجب»!.
اعتذر لحظتها بشدة. أما أنا فواصلت طريقي وأنا أعرف للمرة الأولى أنني رأيت الوجه الحقيقي الذي كان يختبئ خلف وجه زميلي. بعد مدة بدا لا يحتمل النظر إلي ولا إلى سماع صوتي، وكنت أراه ينهار ببطء كلما لمحني، ثم اختفى من الجامعة ولم نعرف السبب.
تذكرت هذه الحكاية قبل فترة حين شاهدت طبيب تشريح يتحدث عن «عقل الزواحف»، وهي تسمية جاءت من نظرية «الدماغ الثلاثي» التي اقترحها عالم الأعصاب بول ماكلين في القرن الماضي؛ إذ تخيل الدماغ البشري وكأنه يحمل في طبقاته تاريخ تطوره: جزءاً قديماً للغرائز والبقاء والقتال والسلوك الطقوسي، ثم منظومة للعاطفة، ثم قشرة أحدث للتفكير المعقد. والعلم الحديث تجاوز هذا التقسيم المبسط؛ فالإنسان لا يحمل سحلية صغيرة في قاع جمجمته، والانفعال والعقل والغريزة لا تقيم في ثلاث غرف مستقلة. ومع ذلك، بقيت الاستعارة فاتنة، وربما لأن الأدب أقل اكتراثاً من المختبر بصحة الاستعارات إذا استطاعت إضاءة زاوية معتمة من الإنسان.
فكرت بصديقي: ماذا لو كان يمتلك، مجازاً لا تشخيصاً، شيئاً من ذلك الاقتصاد للزواحف في التعبير؟ كائن لا يجيد الزينة الاجتماعية المعقدة للعاطفة، فتأتي ابتسامته كحركة متعلمة، بينما يخرج الغضب والدفاع والسيطرة من جسده بلا ترجمة؛ سريعاً، جسدياً، ومباشراً. وربما لم تكن عيناه خاليتين من الشعور كما ظننت، بل كنت أنا التي أبحث عن قاموسي العاطفي في وجه يتحدث بلهجة أخرى. فنحن نتورط في ظلم الآخرين أحياناً حين نعتقد أن المشاعر التي لا تشبه طريقتنا في التعبير عنها ليست موجودة.
لكنني روائية، وهذه مهنة تمنح صاحبها رخصة محترمة لإفساد التفسير العلمي بعد أن ينتهي منه. ففي الرواية يتحدث الدب، وتنجو القطة من الأسد، ويمكن لرجل في كافتيريا جامعة أن يكون أفعى هربت من زمن سحيق، وارتدت قميصاً وحملت كتباً وجلست إلى جواري أربعة أعوام تنتظر اللحظة المناسبة للانتقام من حفيدة السيد أحمد الرفاعي. والسيد أحمد الرفاعي ليس شخصية من فولكلور الأفاعي، بل واحد من كبار أعلام التصوف في القرن السادس الهجري، وإليه تنتسب الطريقة الرفاعية التي امتد حضورها من العراق إلى الشام ومصر والأناضول ومناطق أخرى من العالم الإسلامي. عرف في التراث الصوفي بالزهد والتواضع وخدمة الفقراء والمرضى، وحمل من ألقابه «أبو العلمين»، وأحاطته كتب المناقب بمكانة روحية عظيمة، حتى أصبح اسمه عبر القرون أكبر من اسم رجل؛ صار طريقة وذاكرة ومجالاً روحياً واسعاً ترك أثره في الحياة الدينية والاجتماعية والثقافة الشعبية. ولم يتوقف الخيال عند الشيخ نفسه، بل أحاط ذريته وأبناء طريقته بهالة من الهيبة والقوة، حتى صار الانتساب إليه في بعض الحكايات الشعبية أشبه بوراثة سر لا مجرد وراثة اسم.
ثم فعلت المخيلة الشعبية ما تفعله دائماً حين تحب رجلاً صالحاً: لم تكتف بفضائله، فأهدته الخوارق. تراكمت حول الرفاعية حكايات النار والحديد والأفاعي، وظهرت «الكفكفية»، وهي كلمات وعزائم يزعم أصحاب الموروث الشعبي أنها تمنح صاحبها سلطاناً على الحيات، فيستدعيها من مخابئها أو يرد أذاها. وبعض أهل الطريقة أنفسهم ينفون نسبة هذه الممارسات إلى السيد أحمد الرفاعي، ويرون أن كثيراً مما ألصق باسمه جاء بعده. وربما تكون هذه أجمل مفارقات الذاكرة البشرية: نحب أولياءنا إلى درجة أننا لا نسمح لهم بالبقاء بشراً صالحين؛ لا بد أن نجعلهم قادرين أيضاً على إخضاع الأفاعي.
ومع ذلك سأسمح لنفسي باحتمال أخير. ربما كان صديقي أفعى بالفعل، أفلتت من زمن سحيق وظلت تتعقب ذرية الرجل الذي أخضع أسلافها حتى عثرت بعد قرون على حفيدته في جامعة. لهذا كان يحدق في أفاعي بولغري كمن يرى صور عائلته، ولهذا كان يسألني بإلحاح: هل أنت أفعى؟ ربما لم يكن السؤال سؤالاً أصلاً، بل محاولة للتأكد من هوية الخصم. وربما حين وضع يديه حول رقبتي لم يكن ينقذني من السقوط، وإنما كان هناك ثأر قديم قد وصل أخيراً إلى موعده.
فإذا كانت الحكايات الشعبية قد منحت أجدادي موهبة ترويض الأفاعي، فلعلها ضلت طريقها في شجرة العائلة قروناً ثم وصلت إلي في ذلك الممر. لم أحتج إلى كفكفية ولا تعويذة؛ احتجت فقط ألا أرمش. نظر إليّ منتظراً الخوف، فنظر الخوف إليه من عيني. أفلتني، ثم مضى، وعادت الأفعى، إن كانت أفعى حقاً، من حيث أتت خائبة.
أما علم النفس، الأقل تسلية من الأنساب الصوفية ولكنه أكثر رحمة، فيقترح خاتمة أبسط: بعض الناس محدودو التعبير فيما يخص الوجه والملامح، وبعضهم يتعلم الإشارات الاجتماعية بدلاً من أن تصدر عنه بعفوية، وبعضهم حين يشعر بالتهديد ينتقل جسده بسرعة إلى الدفاع أو العدوان. لا تجعلهم هذه الصفات أفاعي ولا أشراراً ولا كائنات ناقصة الشعور؛ إنها تذكرنا فقط بأن الإنسان ليس وجهه، وأن أكثر ما يخيفنا في الآخرين قد يكون أحياناً ما نعجز عن قراءته فيهم.
وأنا، بعد كل هذه السنوات، أميل إلى هذا التفسير العاقل تماماً. لكنني أحتفظ بالتفسير الآخر للضرورة المهنية؛ فلو صدق الروائيون كل ما يقوله العلم، وأعادوا كل أفعى إلى علم الزواحف، وكل ولي إلى كتب التاريخ، وكل رجل غامض إلى علم النفس، فلن يبقى لنا نحن الروائيين إلا أن نعتذر من القراء ونبحث عن عمل أكثر وقاراً، ككتابة نشرات الطقس مثلاً!
تهنئة لـــ جنى محمد سلطان أزمقنا
إلغاء مفاجئ لندوة سياسية في إربد .. ما الأسباب؟
يقيسون قيمة النّاس بطول القماش
حرب الممرات المائية: سؤال الخيارات والبديل
هل تتشكل حركة سياسية شعبية أمريكية على أرض الواقع
صفقة في الخفاء: كواليس الأزمة داخل الفيفا
رغم فوائدها الذهبية .. متى تتحول بذور اليقطين إلى خطر على صحتك؟
حقيقة توقف الجاذبية في 12 أغسطس .. ما الذي يحدث فعلياً في هذا اليوم؟
سلاح غير متوقع: كيف تحارب العلكة الفيروسات والمُركبات السرطانية؟
واجبات الحكومة لمتضرري شركات التأمين المتعثرة
تكاليف الانتصار السياسي في الحرب الدائرة في المنطقة
إسرائيل تحتجز جثامين 1700 فلسطيني كورقة مساومة بمفاوضات مستقبلية
مسيرة تستهدف منشأة نفط في الزاوية بليبيا وتحذير من احتمال إغلاق المصفاة
الكركم الأزرق .. توابل نادرة قد تحمي غضاريف المفاصل من التلف
منع مواطن من السلام على العيسوي .. وما فعله رئيس الديوان يشعل التفاعل
بعد انتشار فيديو مؤثر لها .. آخر تطورات قضية نور برغل
122 موقعاً مزيفاً تنتحل مؤسسات أردنية .. تقرير رسمي يكشف أخطر أبواب الاختراق
موجة حر قوية تضرب المنطقة بحرارة تلامس 50 مئوية .. ماذا عن الأردن؟
نتائج التوجيهي 2026 في الأردن اليوم .. رابط الاستعلام الرسمي
فيديو يهز إربد .. سائق يفر بعد الاستيلاء على 50 ديناراً وشاب يسقط أرضاً خلال مطاردته
احتراق 3206 مركبات في الأردن خلال عامين
الحيصة: أراضي مشروع سكة العقبة ستسجل باسم خزينة الدولة
التربية تحدد موعد إعلان نتائج التوجيهي
الأمن السيبراني يحذر من رسائل واتساب احتيالية باسم الضمان الاجتماعي
الأردن يستقبل 3.15 مليون زائر ويحقق 2.47 مليار دينار دخلاً سياحياً
الأردنيون يترقبون عطلة رسمية في آب
مقتل مدنيين وعسكرين بهجمات للحوثيين في اليمن
اسرار تكشف لاول مرة .. لماذا انسحبت ياسمين صبري من مسلسل الشادر
مات قبل تخرجه بشهر .. فيديو مؤثر لأم تتسلم شهادة ابنها الراحل