تشابُك القيامة والنهوض في فلسطين وإسرائيل
08-08-2026 03:02 AM
في مارس 2023، أجريتُ لمجلة «ذا مركز ريفيو» مقابلةً مع المحامي الحقوقي والكاتب رجا شحادة. وكان قد أصدر حديثاً كتابه «كان يمكن أن نكون صديقين: أبي وأنا». يروي الكتاب رحلةَ ابنٍ موجعةً لاستعادة ألفته الفكرية والوجدانية مع شخصيةٍ شامخةٍ غابت منذ زمن بعيد. لكنومع انكشاف السيرة، تنكشف أيضاً واحدةٌ من أكثر الروايات سلاسةً وبلاغةً عن محنة الفلسطينيين.
وفي ختام المقابلة، طلبتُ من شحادة، المتشائم، إلى أقصى حدّ والعصيّ على الانكسار في آنٍ معاً، أن يرسم أسوأ السيناريوهات وأفضلها لفلسطين. كان يرى نكبةً أخرى قد يعقبها فعلٌ يائس، لنقل في رام الله. لكنه كان يرى أيضاً، في ظل تلك النكبة، غرباً يفيق أخيراً على هول ما ترتكبه إسرائيل من فظائع، فيمارس ضغطاً دولياً مستداماً، ويفرض نهايةً للاحتلال.
لا أدري إن كان شحادة قد قصد أن يطوي أكثر رؤاه إشراقاً داخل أكثر نبوءاته قتامة. لكنني أتذكر في اللحظات التي أعقبت المقابلة، وجدت نفسي أفكر بأن في فلسطين شيئاً ما حمل عشاقها دائماً على أن ينسجوا النهوض مع القيامة. وأكثر ما يبعث على المأساة في هذا التشابك أن هؤلاء العشاق هم شعبان: الغزاة والمغزوون، المحتلّون والواقعون تحت الاحتلال، الظالمون والمظلومون. نحن الذين شهدنا وعشنا الحرب الوجودية على هذه البقعة النفيسة من الأرض، أدركنا منذ زمن بعيد أن «النهوض»، في معجم الصهيونية السياسية، لم يكن يعني إلا موت الآخر، الفلسطيني، بشكل أو بآخر، ومن ثم، فإن نهوض الفلسطينيين شعباً حراً، لا بد أن يعني نهاية الصهيونية نفسها.
وقد تحققت أسوأ مخاوف شحادة في أعقاب السابع من أكتوبر: قيامةٌ صنعتها إسرائيل، بلغت ذروة كارثيتها في غزة، لكنها استهدفت جميع الفلسطينيين بين نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسط. ففي غزة، ما انفكت الإبادة الجماعية تنحدر إلى معرضٍ دوّارٍ للرعب؛ وفي الضفة الغربية، اكتسبت العمليات العسكرية، واعتداءات المستوطنين المنظّمة التي ترعاها الدولة، وسرقة الأراضي، طابعاً جنونياً وإيقاعاً محموماً. وكأن إسرائيل تسابق الزمن لإنجاز الوقائع التي تريد فرضها على الأرض، حمايةً لمكاسبها من الحساب الآتي؛ أو، على مستوى أعمق، لإجهاض الخلاص الذي تصوّره شحادة.
وفي أعقاب القيامة إذن، موتٌ لا ينتهي.
كان المؤرخ الإسرائيلي المولد عمير بارتوف، من أوائل الباحثين في مجال دراسات الإبادة الجماعية، الذين أطلقوا التسمية الصحيحة على الدمار الذي لحق بقطاع غزة. وقد حذّر مؤخراً من أن إسرائيل قد تنجح في تجاوز التداعيات القانونية والسياسية لجرائم الحرب التي ارتكبتها. وفي مقاله الذي نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» المعنون «أنا من علماء الإبادة الجماعية. نحن ندخل عصراً جديداً مروّعاً»، يكتب أن الإبادة الجماعية تنتهي عندما «إما أن يحقق المرتكبون غايتهم، أو توقفهم قوة عسكرية، وتعقب ذلك المساءلة». وإسرائيل لم تحقق غايتها بعد، ولذلك ستتواصل الإبادة الجماعية والتطهير العرقي في الأراضي الفلسطينية المحتلة. لكن تدخلاً عسكرياً لن يوقف إسرائيل، كما أن فرص تنفيذ أي حكم يصدر عن محكمة دولية ضئيلة للغاية. وهكذا، تمضي إسرائيل، رغم انحدارها الأخلاقي وتزايد نبذها دولياً، نحو الإفلات من المساءلة عن جرائمها، بما يفتح الباب أمام جرائم أخرى. ولا تقتصر تداعيات ذلك على النهوض الفلسطيني، بل تمتد إلى جميع ضحايا الحاضر والمستقبل، على أيدي مرتكبي الإبادة الجماعية الذين يتعلمون من النموذج الإسرائيلي. ويرى بارتوف أن خطة الرئيس ترامب ذات النقاط العشرين بشأن غزة صُممت تحديداً لتأمين هذا المخرج:
«صحيح أن إسرائيل تواجه عزلةً دوليةً متزايدة، وتراجعاً في التأييد لها بين الأمريكيين من مختلف الأطياف السياسية، لكن هذا بالتحديد ما قد تخففه، أو حتى تعكسه، الخطط اللامعة لغزة الجديدة: إذ تقنع جمهوراً مشتتاً في عالم مضطرب بأن قضية غزة قد طُويت بما يرضي الجميع».
أتعامل مع حجة بارتوف بجدية بالغة. لكن لعلّه يتوقع من إسرائيل وأوروبا والولايات المتحدة، أداءً في تبييض الصفحات، تبدو الأطراف الثلاثة عاجزةً تماماً عن تقديمه في هذا العصر الذي يتسم بضآلة القادة، ونفوذٍ مستنفد، وانكشافٍ غير مسبوق. فالدول القوية، مثل إسرائيل، قادرةٌ بلا شك على ارتكاب الإبادة الجماعية، والتطهير العرقي، والفصل العنصري: وهي القواعد التي تقوم عليها الاستراتيجية الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين. لكنها لم تعد قادرةً على إعادة تسويقها بوصفها ترتيباتٍ «ترضي الجميع»، لأنها لم تعد قادرةً على احتكار السردية التي تبررها وتطبعها. كما لا يبدو أن القادة الإسرائيليين معنيون، مجتمعين، بمثل هذا المسعى، وهم يدمرون ويتباهون، في الوقت نفسه، بما يدمرونه. ولا يمكن التعويل على أصدقاء إسرائيل، في ظل الانهيار المتواصل للسلطة الأخلاقية الغربية، وتراجع النفوذ الأمريكي، لمساعدتها على الإفلات من المساءلة عبر «أتلانتيك سيتي» غزية متخيَّلة. والأسوأ أن العمر الافتراضي لـ«مجلس السلام» لا يكاد يتجاوز ولاية الرئيس ترامب، في حين أن التطهير العرقي في غزة مشروعٌ هائلٌ يمتد لسنواتٍ أخرى كثيرة.
لا يعني هذا أن فكرة شحادة حول النهوض هي المآل الأرجح أو الأكثر وضوحاً؛ إذ قد يظل الفلسطينيون عالقين في معاناتهم هذه إلى ما لا نهاية. كما يمكنهم أن يتوقعوا أن تلجأ إسرائيل إلى مزيد من القوة الغاشمة في حملاتها المتعثرة لاقتلاعهم من الأرض. وليس ثمة ما يوحي بأن الحصانة التي تتمتع بها إسرائيل قد تعرضت، بأي معنى يُعتد به، للاهتزاز، لا في فلسطين ولا في جوارها القريب، حيث تمتعت دائماً بحرية العبث والتدمير بلا قيد.
ومع ذلك كان هذا القرن مقبرةً ليقينياتٍ كانت تبدو عصيةً على الانهيار، ولمنظوماتٍ فكريةٍ وعقائدَ كبرى. وقد شهدنا نحن أبناء هذه المنطقة أفول كثيرٍ من تلك القوى القديمة: أنظمةً مهيمنة، وأيديولوجياتٍ دولية، وأحزاباً جماهيرية، وبُنى استعمارية.. بل أصبحنا، في واقع الأمر، سكانَ فراغاتٍ تنتشر وسط حطام السياسة الكبرى. ومنذ السابع من أكتوبر، أصبحت إسرائيل أحدث دولة تشهد اهتزاز أعز تصوراتها عن نفسها، ومسلّمات إيمانها. فتفرّدها الذي لم يكن موضع مساءلة في نظر رعاتها وحماتها الغربيين، وإحساسها الراسخ بمنعتها، وصورتها الديمقراطية، التي طالما تباهت بها، والهالة التي أحاطت طويلاً بالمشروع الصهيوني، أصبحت جميعها مواضعَ صراعٍ محتدم. إن استعادة كل هذه المرتكزات التي قامت عليها القوة الإسرائيلية مهمةٌ هرقلية، غير أن إسرائيل ليست هرقل.
لماذا لم تشارك مصر في اتفاق مكّة
اتفاقية مكة: مثلث الردع الجديد في المنطقة
نتائج التوجيهي على الأبواب .. التفاصيل والموعد المتوقع لإعلانها
الدراسات تؤكد: الذكاء الاصطناعي تكنولوجيا بلا جدوى
تشابُك القيامة والنهوض في فلسطين وإسرائيل
«حياد» لبنان إلى الانقسام الواضح حول إسرائيل
هل سيعيش أبناؤنا حياة أسوأ منا
مات قبل تخرجه بشهر .. فيديو مؤثر لأم تتسلم شهادة ابنها الراحل
موجة حر قوية تضرب المنطقة بحرارة تلامس 50 مئوية .. ماذا عن الأردن؟
البرلمان العربي يدين تفجيرًا إرهابيًا استهدف حافلة ركاب بريف دمشق
واشنطن تضغط على إسرائيل لإقرار هدنة في غزة
إسبانيا تفرض قيودًا على الرحلات الجوية والسفن القادمة من إيطاليا
الحكومة التركية تنفي أي تعارض بين اتفاقية الدفاع والتزامات الناتو
بعد انتشار فيديو مؤثر لها .. آخر تطورات قضية نور برغل
122 موقعاً مزيفاً تنتحل مؤسسات أردنية .. تقرير رسمي يكشف أخطر أبواب الاختراق
النواب يقر 27 مادة .. والحكومة توضح تعديلات تملك غير الأردنيين
فيديو يهز إربد .. سائق يفر بعد الاستيلاء على 50 ديناراً وشاب يسقط أرضاً خلال مطاردته
نور برغل .. ماذا بعد عطوة الاعتراف وكيف سيحدد القضاء التهمة؟
احتراق 3206 مركبات في الأردن خلال عامين
قطعت جثة والدتها ووضعت رأسها بالثلاجة لأنها أفشلت زيجاتها
هزة أرضية تضرب مصر ويشعر بها سكان العقبة
لديك مخالفات سير؟ تعرّف من يشمله خصم الـ30% وكيف يُحتسب المبلغ
تعديلات قانون الجامعات الأردنية تدخل حيز التنفيذ
إيران تحدد أهدافاً عربية إذا هاجمت أمريكا منشآت الطاقة
كم دقيقة يستطيع الإنسان تحمل الشمس عند 38 أو 40 درجة مئوية؟
شاهد .. ضحية الكريستال: المخدر شيطان دمّر حياتي
15 حالة إصابة بتسمم غذائي في الهاشمية والزرقاء تغلق مطعماً احترازياً


