أخيراً العالم يكتشف سبتة

أخيراً العالم يكتشف سبتة

07-08-2026 02:53 AM

ثلاثة مشاهد من بين أخرى كثيرة منتشرة هذه الأيام عبر شبكات التواصل الاجتماعي، تستوقف المرء، وهو يتابع بألم وحسرة، ما وقع الأسبوع الماضي من «طوفان» بشري في اتجاه مدينة سبتة المحتلة:
ـ المشهد الأول لشاب يحمل والدته العجوز على ظهره ويحاول اجتياز البحر، فالوطن بالنسبة إليه يُختصر في الأم التي أرضعته وربّته حتى اشتدّ عوده، لكنه فقد الأمل في الأرض التي ترعرع بين أحضانها، وتمسّك ببارقة أمل في حلم الوصول إلى مدينة تبعد عنه ببضعة كيلومترات فقط!
ـ المشهد الثاني لطفل صغير لم يبلغ سن الرشد بعد، يترجّى جنديًا إسبانيًا في سبتة بألا يعيده من حيث أتى، ويريد أن يُقبّل رأسه لأجل ذلك، فيتدخّل جندي آخر من أجل أخذه نحو مركز للإيواء، لعدم وجود مُرافق له. الصبي فضّل لوحده اقتحام المجهول على العودة إلى بلاده، وهو مجرد مثال لمئات القاصرين والقاصرات الذين لا يُعرف كيف سيكون مصيرهم هناك!
ـ المشهد الثالث لأعضاء فرقة فنية شعبية مختصّة في إحياء جانب من طقوس الأعراس، يُطلق عليهم في المغرب «الدقايقية» نسبة إلى «الدقة المراكشية». ويبدو أنهم تركوا عرسًا كانوا يشاركون فيه، وولّوا وجوههم مُهرولين، وهم يرتدون لباس المناسبة، نحو سبتة، آملاً في العثور على فرح ما هناك، كما يدور في خلدهم بدون شك!
المَثل ا لمغربي يقول ما معناه (مع بعض التحوير): لا أحد يفرّ من «دار العرس»! بما يعني أنه إذا لاذ بالفرار، فإن شيئًا على غير ما يرام في تلك الدار… ولو وجدوا فيها المطلوب لمكثوا فيها. وذلك شأن أصحاب «الهروب الجماعي» من بلادهم.
وإنْ أردنا مواصلة سرد أمثلة ومشاهد أخرى لَما كفانا حيّز هذا العمود. غير أن تلك الصور والأحداث لم تحرّك في الحكومة المغربية قيد أنملة، فآثرت الصمت المطبق، وكأن الأمر لا يعنيها. وفي الجهة المقابلة، لوحظ أن رئيس الحكومة الإسباني كان يتابع الأحداث لحظة بلحظة ويدلي بالتصريحات، بل إنه «طار» من مدريد، العاصمة الإسبانية الواقعة في القارة الأوربية نحو سبتة، من أجل طمأنة سكان هذه المدينة السليبة الواقعة في الأراضي المغربية!

أقصر إجازة!

أما رئيس الحكومة المغربية، عزيز أخنوش، فقد «ترك الجمل بما حمل»، واستقلّ طائرته الخاصة، ليسافر نحو جزيرة «مايوركا» الإسبانية، من أجل التمتع بالراحة والاستجمام… وكأن أحداث سبتة المأساوية لا تعنيه في شيء، ما جعلها فرصة سانحة لأحد المواقع كي يكتب ساخرًا: «عزيز أخنوش ينضمّ إلى الشباب المهاجر إلى إسبانيا لكن عبر طائرته الخاصة»!
وسرعان ما وجد «المسكين» نفسه مضطرًا ليقطع «عطلته» ويعود إلى المغرب على عجل، بعد يومين فقط. المصادر المغربية الرسمية لم تفسّر سبب العودة السريعة لمعاليه، فجاء الجواب من صحف إسبانية، ذكرت أن أوامر عليا أُعطيتْ من أجل العودة العاجلة لعزيز أخنوش من مايوركا، بعدما كان شرع في توزيع صور الاستجمام، وهو بلباس الإجازة، على المواقع الإلكترونية والحسابات الافتراضية المقرّبة!
وما بين الذهاب والإياب، قوبل معاليه بوابل من اللوم والانتقاد عبر منصات التواصل الاجتماعي، لكن أقواها هو ما فاه به عبد الإله بن كيران، أمين عام حزب «العدالة والتنمية» المعارض، إذ وصف سلوك عزيز أخنوش بـ «المراهقة السياسية»، وقال في فيديو بثّه عبر حسابه الخاص إن رئيس الحكومة كان مطالبًا بتحمّل مسؤولياته في ظرفية استثنائية تستدعي حضوره ومتابعته لتطورات الأوضاع، عوض مغادرة البلاد في هذا التوقيت، واختيار إسبانيا بالذات وجهة لسفره وإجازته.
وكتب مدوّن باللهجة العامية ما معناه بالفصحى تعليقًا على تصرّف أخنوش: «إذا كان والدك في خصومة مع جارك، وأبناء ذلك الجار يُسيئون إلى إخوتك، ثم قصدتَ أنت بيته متودّدًا ومؤانسًا، فإنك قد جمعت بين عقوق الوالدين ونكران الوفاء، أو أنك تصرّفتَ تصرّفًا يفتقر إلى أبسط معايير الحكمة والتعقل».
فئة أخرى من التعليقات ذهبت إلى القول إنه كان أجدر برئيس الحكومة أن يعطي القدوة بنفسه، من خلال اختيار الاصطياف في إحدى المناطق المغربية، تشجيعًا على السياحة الداخلية… وحتّى «لا يذهب خيرنا إلى غيرنا»!
أما المدوّنة الإسبانية الشهيرة فيليبا فيلاثكيث فقد نشرت على «الفيسبوك» صورة لعزيز أخنوش بلباس العطلة، ومعها تعليق: «رئيس حكومة المغرب يستمتع بوقته في مايوركا». ووجّهت سؤالاً إلى المغاربة عن سبب بقائه في منصبه، لكنها نسيت أن موعد رحيل الحكومة المغربية قريب جدًا مع الانتخابات المقبلة. أمّا ساعة تقديم الحساب فعلمها عند الله!

ناطق رسمي… مجهول!

ما زاد من حدة السخط والغضب أن الحكومة المغربية خلدت إلى الصمت منذ اندلاع الأزمة، وسايرها الإعلام الرسمي في ذلك، وكأن ما يحدث في الشمال يتعلق بأرض توجد في جزيرة «الواق واق»… ومرت ثلاثة أيام بالتمام والكمال، حتى ظهر ناطق باسم وزارة الداخلية يتلو بيانًا جافًا بلغة رسمية باردة، تفادى فيه الترحّم على أرواح ضحايا العبور الجماعي نحو سبتة وتقديم التعازي لذويهم.
وتماديًا في هذا السلوك الغريب، قامت وكالة الأنباء المغربية بعد ذلك، بتعميم تصريح طويل نسبتْه إلى «مسؤول حكومي»، بقي اسمه في طي المجهول والكتمان، وكأنه يخشى على نفسه من إفشاء أسرار الدولة أو تسريب معلومات أمنية وعسكرية في غاية الخطورة؛ مع أن للحكومة ناطقًا رسميًا معروفًا بالاسم والصفة!
اللافت للانتباه أن كلام المسؤول الحكومي المجهول تضمّن رسائل موجهة إلى الداخل بالحديث عن «استغلال» البعض للأزمة من أجل حسابات انتخابية؛ ورسائل أخرى إلى الخارج خاصة القارة الأوروبية، بالقول إن المغرب «ليس شرطيًا ولا حارسًا لها» أمام زحف الهجرة غير النظامية!
بيد أن ذلك التصريح الحكومي «مجهول النسب» اكتسى طابعًا سياسيًا صداميًا، وافتقر إلى الاتّزان والموضوعية وتطمين المغاربة ومواساة المكلومين منهم. ولم يجب عن السؤال الجوهري: لماذا يفرّ أولئك المواطنون والمواطنات أفرادًا وجماعات، صغارًا وكبارًا، من (دار العرس)؟ بعبارة أخرى: «لماذا يفكّر أكثر من نصف الشباب المغربي في الهجرة؟» حسب نتائج استطلاع أنجزه «البارومتر العربي».

صلة الرحم!

خلف هذه الصورة القاتمة، لننظر إلى النصف الممتلئ من الكأس، يقول أحد الإعلاميين متفائلاً، فإن واقعة «الهروب الجماعي» رغم ما ارتبط بها من أحداث مؤلمة، كشفت للعالم حقيقة وضع مدينة سبتة، مثلما اتّضح من التقارير التلفزيونية والإذاعية والتدوينات الافتراضية.
لقد اكتشف الناس في مشارق الأرض ومغاربها أن سبتة ـ شأنها في ذلك شأن مليلية ـ مدينة تقع داخل نطاق التراب المغربي، لكنّها خاضعة للاحتلال الإسباني منذ خمسة قرون؛ كما اكتشفوا أن حوالي نصف عدد سكانها مسلمون ذوو أصول مغربية، وما زال أغلبهم محافظًا على قيمه وعاداته الأصيلة.
ألا يجوز، بالتالي، القول إن هجرة الآلاف نحو سبتة هي من أجل صلة الرحم على أرضٍ مغربية؟!

٭ مدير مكتب «القدس العربي» في المغرب



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

بعد انتشار فيديو مؤثر لها .. آخر تطورات قضية نور برغل

النواب يقر 27 مادة .. والحكومة توضح تعديلات تملك غير الأردنيين

فيديو يهز إربد .. سائق يفر بعد الاستيلاء على 50 ديناراً وشاب يسقط أرضاً خلال مطاردته

نور برغل .. ماذا بعد عطوة الاعتراف وكيف سيحدد القضاء التهمة؟

قطعت جثة والدتها ووضعت رأسها بالثلاجة لأنها أفشلت زيجاتها

خبر سار من الحكومة .. مدعوون لاستلام آلاف الدنانير .. أسماء

122 موقعاً مزيفاً تنتحل مؤسسات أردنية .. تقرير رسمي يكشف أخطر أبواب الاختراق

هزة أرضية تضرب مصر ويشعر بها سكان العقبة

لديك مخالفات سير؟ تعرّف من يشمله خصم الـ30% وكيف يُحتسب المبلغ

إيران تحدد أهدافاً عربية إذا هاجمت أمريكا منشآت الطاقة

تفسير رؤية الخنزير في المنام

كم دقيقة يستطيع الإنسان تحمل الشمس عند 38 أو 40 درجة مئوية؟

شاهد .. ضحية الكريستال: المخدر شيطان دمّر حياتي

15 حالة إصابة بتسمم غذائي في الهاشمية والزرقاء تغلق مطعماً احترازياً

اتهامات الأمير علي تهز الفيفا .. ماذا قالت الصحافة العالمية عن إنفانتينو؟