كيف يحدث السلام

كيف يحدث السلام

20-09-2026 05:38 AM

لولا اختراع عودة الماضي «المجيد»، ما كانت كل هذه الحروب العبثية.

ظن العالم المتحضر أن نهاية الحرب العظمى الثانية سوف تنتهي معها فكرة الغزو والضم والكوارث الكبرى، لكن هذا لم يحدث على أرض الواقع.

كان من نصيب الشرق الأوسط، كأثر مباشر وغير مباشر، عشرات الحروب، وبعضهم يقول بالمئات.

من عيوب الحروب الحديثة أنها لا تترك منتصراً ولا مهزوماً واضحاً، تبدأ هادرة، وسرعان ما تتحول حالة استنزاف طويلة، تستهلك الشعوب والدول، وتفتح الأبواب أمام حروب جديدة.

الحرب التي تدور حول هرمز وتأثيرها على الاقتصاد العالمي، وكذلك حرب الإخوة: روسيا وأوكرانيا.

وثمة حروب كلامية حامية كالتي بين أميركا وكندا حول التجارة والجمارك وتبادل السلع، وحرب أخرى مع أوروبا حول جزيرة غرينلاند الدنماركية غير تلك التي تدور حول المضايق والبحار والممرات والطرق، وحول تغيير الخرائط وإعادة رسم مناطق النفوذ.

هل نحن إزاء حرب عالمية صامتة؟ نقول نعم باطمئنان.

فأوروبا، أكبر كتلة عالمية متحدة، تواجه أزمة بنيوية عميقة جراء الحرب الروسية الأوكرانية، وتواجه شبح التشقق في حلف «ناتو»، فأميركا، الحليف الأكبر الذي كان يدفع الحصة الأعلى، ويشكل الدرع الواقي والمظلة الحامية على مدى ثمانين عاماً، بدأت تتخلى عن هذا الدور، وطبقاً لوثيقتها للأمن القومي، فإن شعار «أميركا أولاً» هو الغالب، والحرب التجارية هي السائدة، والتخلي عن أوروبا في مواجهة أزمات الطاقة أصبح مسلسلاً حقيقياً نراه على شاشات التلفزة في نشرات الأخبار.

لا تبدو المسألة اقتصادية أو عسكرية فقط، فالعالم كله يعيد الآن حساباته، فالتحالفات القديمة لم تعد بالصلابة التي عرفناها، والمصالح تتقدم على الشعارات، والقوى الكبرى تتحرك في أكثر من اتجاه؛ بحثاً عن مواقع جديدة في عالم يتغير بسرعة.

لا شك أن الشرق الأوسط، الذي تدور على مسرحه حروب مركبة عدة، يواجه الأثرين معاً: المباشر وغير المباشر، وكلما حاول أن يتلمس طريقه إلى سلام عادل في فلسطين وسوريا ولبنان، اصطدم بالعقبة الإسرائيلية؛ وهي عقبة تقوم على فكرة واحدة: الحروب المستمرة، وصولاً إلى إسرائيل الكبرى، حسب الخرائط التي أفردها نتنياهو خلال سنوات العصف الماضية، ولا تزال الضفة وغزة تتعرضان للقصف بالنيران، في حين تتسع المستوطنات في أراضي الضفة، ويتواصل تغيير الواقع على الأرض، بما يجعل فكرة السلام أكثر صعوبة يوماً بعد يوم.

فلسفة نتنياهو تكشف عن خلل بنيوي عميق، خلل في مسألة الوكلاء، وفي مسألة صناعة حرب كبرى في الشرق الأوسط، كل طرف يعلن أنه يقاوم الآخر، في حين تنتهي النتيجة، في كثير من الأحيان، إلى توسيع مساحة الحرب وإطالة أمدها، وإلى منح إسرائيل مزيداً من الذرائع والفرص لإعادة تشكيل الإقليم وفقاً لمصالحها الخطيرة.

تقريباً، هناك فرصة واحدة، بعيدة ولكنها ليست مستحيلة: فرصة أن يكون العالم متعدد القطبية، فما قاله أنطونيو غوتيريش، الأمين العام للأمم المتحدة، عن ضرورة وجود نظام متعدد الأقطاب، وإلى أن يحدث هذا، يجب أن تتم إدارة مرحلة السيولة هذه بحكمة ورشد؛ حتى لا تقع حرب كارثية، ويجب أيضاً أن يكون «العقل» هو العنوان العريض للمرحلة المقبلة وإلا فقد تندفع البشرية إلى واحدة من اللحظات الأخيرة، أخيرة في كل شيء.

وسط هذه الصورة الرمادية، يجب أن يفكر الإقليم العربي، بقيادة دوله الكبرى والوازنة، في زاوية مختلفة، وعليه أن يخوض، من خلالها، معركة البقاء وسط تعدد القطبية القادم بلا ريب.

ليست المسألة أن يختار العرب بين قطب وآخر، ولا أن يتحولوا أدوات في صراع القوى الكبرى، وإنما أن يمتلكوا، للمرة الأولى، قدرة حقيقية على الحركة بين هذه الأقطاب، وأن يحوّلوا ثقلهم الجغرافي والاقتصادي والسياسي قوةً تفاوضية مستقلة.

فالعالم الذي يتشكل أمامنا لن يمنح مكاناً لمن ينتظر على هامش الخرائط، ومن يريد السلام، فعليه أن يمتلك أدواته، ومن يريد حماية مصالحه، فعليه أن يعرف كيف يدير التوازنات الجديدة.

ربما تكون هذه هي الفرصة العربية النادرة وسط كل هذه الفوضى: أن يتحول تعدد الأقطاب من خطر يهدد الإقليم إلى مساحة للحركة والمناورة وصناعة المصالح.

هنا، فقط، يمكن أن يحدث السلام.

وربما كان يمكن أن يحدث منذ البداية، لولا أن العالم ظل يبحث عن المستقبل بأدوات الماضي.


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

استهداف جديد في مطار الرياض .. حريق في صالة المسافرين

أسس جديدة لخدمة المناطق غير المخدومة والحد من النقل مقابل أجر

التربية ترعى حفل إطلاق الاستراتيجية الوطنية للتغذية المدرسية

مدير الأمن العام يفتتح المبنى الجديد لمركز تدريب مكافحة المخدرات

اليوم .. الأردن على موعد مع أمطار غزيرة .. والأرصاد تحذر من السيول

الصناعة والتجارة تؤهل 280 منشأة صناعية ميكروية وصغيرة للتدريب والإرشاد الفني

توغل إسرائيلي في سوريا ينتهي باختطاف 3 رعاة أغنام

الهميسات يسأل عن نتائج برامج «جيدكو» وآليات الرقابة على المنح والتمويل

الصفدي: الأردن يقف مع السعودية في كل ما تتخذه لمواجهة العدوان الحوثي

الكرك حارسة الذاكرة .. تعليله تراثية كركية على الرصيف

تركيا وباكستان بدل الكيان .. !

هجوم مطار الرياض يفتح فصلا جديدا من التصعيد الإقليمي

قبل ساعات من انطلاقها .. تأجيل مواجهة أبها والفيصلي في الدوري السعودي

وفاة شخص وإصابة اثنين بانفجار جسم مجهول داخل منزل في عمان

الأمن العام يكشف حقيقة سائق اتهم رقيب سير بظلمه

الأردنيون على موعد مع رسوم عبور هذا الطريق .. توضيح آلية الدفع

بعد 18 عاماً من أول محاولة .. هل يصنع الأردن سياراته أخيراً وكم ستنخفض أسعارها؟

قطع أراضٍ سكنية بانتظار الأردنيين .. من يحق له الاستفادة

إعفاء السيارات الأميركية يقترب .. هل تنخفض الأسعار وتتغير الخريطة؟

الأردنيون على موعد مع أمطار وسيول .. وهذا موعد الذروة

أمطار رعدية وبرد وعواصف رملية في الأردن

شتوة الزيتون ليست كما يعتقد الأردنيون .. خبراء يحسمون الجدل

جملة للفنان زهير النوباني تشعل ردود الفعل .. ماذا قال وكيف رد الأردنيون

جماجم بشرية ورفات في الكرك تحيّر الأردنيين .. ما القصة

يزن النعيمات يعود إلى العشب .. نجم ينتظره الأردنيون قبل كأس آسيا

الكشف عن هوية القتيل الاردني بمطار الرياض

ملامحه صينية ولهجته أردنية .. قصة يوسف يو الذي حوّل اختلافه إلى جسر بين عالمين

انخفاض جديد على أسعار الذهب في الأردن .. وهذا سعر عيار 21

الأردنيون متفائلون .. ما القصة

إطلاق نار على شاب أردني في الفلبين .. والشرطة تكشف مفاجأة أثناء ملاحقة المتهم