حتى يزول الخَدر
18-09-2026 01:03 AM
مع التغير السريع والحاد الآخذ في التفشي سياسياً حول العالم كله، يحضر التاريخ البشري القديم والحديث بكل تفاصيله حزيناً، مخيفاً، منذراً من تكرار أخطائه ومن تبعات هذا التكرار في عالم اختلفت أدواته وأفكار القائمين عليه اليوم. ها هي موجة القمع السياسي تعود للعالم من جديد، لتتحول الكثير من الحكومات والمؤسسات الديمقراطية إلى الحالة الديكتاتورية القمعية، لتتبنى قوالب شمولية حاول البشر تفعيلها مراراً وتكراراً عبر تاريخهم الطويل الحزين، التي لم تعطهم قط -أي هذه القوالب- الأساس المطلوب لبناء أمة، ولم تقدم قط الأمان والاستقرار الحيويين لتشكيل ثقافة. قوالب القمع السياسية أعطت القائمين عليها قوة، أغرقتهم بالمال والسلطة، ولكن دوماً إلى حين، إلى لحظة السقوط المدوية، التي دوماً ما تكون أقرب من المتوقع.
حكمت سلالة التشين الصين سنة 221 قبل الميلاد، حيث كانت هي ثالث سلالة قوية في سلسلة سلالات ستحكم الصين على مدى ألفي سنة. هزمت التشين كل المدن والأُسر المتنافسة على الحكم، ونجحت للمرة الأولى في توحيد الصين بأكملها، إلا أن حكمها لم يدم سوى خمس عشرة سنة، لتسقط بكل قوتها سقوطاً مدوياً بسبب قمعيتها وعدم قبولها للآخر المختلف. ومثلها ظهرت مدينة روما كقوة يعتد بها في القرن الرابع قبل الميلاد، لتتحول إلى القوى العظمى في العالم في القرن الثاني قبل الميلاد، ثم لتتحول إلى الإمبراطورية الأكثر رعباً في العالم بعد انتصاراتها في الحرب البيونية ضد قرطاجة، لتلاحقها سمعة الإمبراطورية الأعنف والأكثر رعباً في العالم، حتى إن ملوك المدن المحيطة بها كانوا ما إن يسمعوا بإقبال جيش روما عليهم، حتى يبعثوا مسلّمين مفاتيح مدنهم طوعاً، ليقوم الجيش الروماني بحرق المدينة وقتل أهلها كافة رغم الرضوخ والاستسلام. روما العظيمة الخارقة المرعبة تلك سقطت إبان القرن الأول بعد الميلاد جزئياً بسبب حجمها الضخم، ولكن -رئيسياً- بسبب عنفها وتجبرها داخلياً وخارجياً.
لا تنتهي الأمثلة القديمة في تاريخنا البشري لقوى عظمى وإمبراطوريات خارقة سقطت، ببساطة، بسبب تجبرها وقمعها، الداخلي قبل الخارجي، وبسبب عدائها للآخرين، أو لـ «الغرباء»، كما كانوا يسمون في ذلك الزمن. ثم تستمر هذه الأمثلة في زمننا الحديث، لنشهد سقوط دول وجيوش وقوى عظمى بسبب التجبر واعتماد الدكتاتورية والشمولية كأساليب حكم. الاتحاد السوفييتي سقط بسبب قمعه السياسي والاقتصادي، ومصر الاشتراكية انتهت بسبب من قمعها السياسي و«الروبن هودي» الاقتصادي، أقولها بغصة المُحِبة لجمال عبد الناصر واشتراكيته المثالية على الورق، وألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية سقطتا بسبب تجبرهما الخارجي ومنعهما للحريات الداخلية، وهل أوضح مثالاً من ألمانيا النازية التي امتدت لتحكم العالم كله، مُعملة فيه قتلاً وحرقاً وتدميراً إلى أن سقطت هي بحد ذاتها وبشكل مفاجئ وحاد على أعتاب روسيا؟
أعلم أن واقع الحال مدعاة يأس، وأننا نشهد قيام الدكتاتوريات التي لا يبدو لها سقوط، خصوصاً وهي تمتلك السلاح النووي، لكن التاريخ البشري يحكي حكايات مثيرة لأمم بسيطة أسقطت بإرادتها الحرة وغضبها المستحق واحتياجها الغريزي للحرية أعتى القوى والسلطات. هذا سيكون مصير كل قوى تتجبر وتطغى وتكمم الأفواه، فلا أخطر في هذه الدنيا من سلب الحريات وقطع دابر الأمل وتكميم الأفواه، ذلك أن الإنسان يستطيع أن يصبر على كل ألم ومصاب، أن يتحمل الفقر والجوع، أن يتعامل مع الفقد، أن يجاري كل صعوبات الحياة، إلا أن يُكمم فمه وتُسلب حريته. قد يصبر الإنسان إلى حين، قد يخدره الخوف على ماله وعياله إلى زمن، قد تقيده مصلحته ومكسبه واستقراره في الحياة، إلا أن هذا خدر سيزول لا محالة، وحين يزول لن يبقى بعده سوى الألم الشديد والغضب الشديد والثورة العارمة.
«نامي جياع الشعب نامي» قال محمد مهدي الجواهري «حرستك آلهة الطعام/نامي فإن لم تشبعي/من يقظة فمن المنام/نامي على زبد الوعود، يداف في عسل الكلام». صدق الجواهري في اعتداده بالجوع منوماً للشعوب، في شهوده لزبد الوعود مخدراً عاماً لهم، إلا أن النائم مصيره أن يصحو من النوم، والموعود مصيره أن يمل الانتظار، وآلهة الطعام مصيرها أن تَنْفَد قواها ويختفي تأثير تجويعها لشعوبها. سيأتي يوم يصحو فيه العالم أجمع، سيأتي يوم تثور فيه الشعوب على جوعها وخوفها ومكاسبها وحتى حياتها، لترى فقر المعنى في حياة أشبه بالموت، حياة «تعلف» فيها ولا تأكل، تئن وتتأوه فيها ولا تتحدث، تصارع فيها غريزتك الإنسانية وأفكارك ورغباتك الساعية للحرية ولا تعبر، سيأتي هذا اليوم الذي تكتشف فيه الشعوب أن ثمن خوفها وسكوتها مرتفع جداً، كلفها أكثر من حياتها، كلفها أن تموت وهي على قيد الحياة، وليس هناك نهاية أبشع من تلك.
ربما السقوط الأعلى والأكثر دوياً سيكون لأمريكا الترامبية، هذه التي أتصور أنها لن تتحمل المزيد لتتفتت قريباً وسريعاً إلى قطع متناثرة ستحاول أن تبني نفسها من جديد، لتمر بتجارب فاشلة ومرعبة عدة قبل أن تتجه إلى درجة من النجاح. ستسقط كوريا الشمالية والحكومة الصينية، ستسقط الميليشيات السودانية والأفغانستانية الطالبانية، سيسقط التطرف في سوريا وسيسقط نظام الملالي الإيراني، ستسقط كل قوة وسلطة قمعية ديكتاتورية شمولية تكمم الأفواه.
لو عرفت كل هذه القوى أنها ربما ستستمر ردحاً أطول من الزمان، لو سمحت لشعوبها على الأقل بالتنفيس، على الأقل بالتعبير عما يدور في خوالجها، لو أنها تركت لهم حرية الشكوى والنقد وحتى القدح، لكانت «استفادت» أكثر من دكتاتوريتها وقمعها. السلطة تمتلك كل القوى والمال، والشعوب لا تمتلك سوى ألسنتها، سوى ضغطها الإعلامي والتعبيري، وحين يُسرق هذان تختنق الشعوب وتبدأ تركل بأياديها وأقدامها بحثاً عن الهواء. وستكون تلك بداية النهاية.
لو تَفْهم الديكتاتورية أن كل ما تحتاج ليمتد أمدها إلى حين هو شيء من الديموقراطية، لربما تمكن هذان النظامان، الدكتاتورية والديموقراطية -ولله الحمد أن الدكتاتورية لا تفهم- من التعايش معاً. لكن الدكتاتورية غبية أنانية، لا تريد سوى نفسها، لتبقى دوماً تدفع الثمن سقوطاً مدوياً. لا أحد يتعلم الدرس، ونبقى ندور في دوائر زمن مغلقة علينا حتى فنائنا، فنرتاح ويرتاح الكون منا.
تهجير الفلسطينيين قادم … فماذا نحن فاعلون؟
فوكوياما و«نهاية التاريخ»: مذكرات إفلاس معلن
الزيارات الملكية تجيبكم: أين الملك؟
ارتفاع قوي للأسهم الأمريكية .. أرقام
تفاصيل وفاة طالب اليرموك الإندونيسي .. قطار يجر سيارته مئات الأمتار
مطار الملك الحسين يستقبل أولى الرحلات القادمة من الرياض
العثور على جثة أول فائز بـ "ذا فويس" الهولندي .. تفاصيل
خسائر واشنطن العسكرية تتزايد بعد تقارير الكونغرس
صفقة عسكرية ضخمة بين واشنطن والرياض بمليارات الدولارات
اختتام الدورة الـ15 لمشروع تطوير الخدمة المدنية
ثاني أردنية تترأس جاهة صلح وشيخ عشائري يرد: الجاهة ليست مشوار بل كلمة رجال
حصيلة وفيات جديدة لحادث حافلة المكلفين بخدمة العلم
إصابة 9 طلبة إثر انقلاب حافلة مدرسية في لواء بني كنانة
16 عاما من الانتظار .. انتهت بوفاة أماني الحجيجي
إربد .. سائق بحالة غير طبيعية يتسبب بحادث والمفاجأة بما عُثر بحوزته
مسيّرة حوثية باتجاه مكة .. الدفاعات السعودية تعترضها وتدمرها
من هو الداعية إبراهيم السعودي الذي أحزن رحيله الأردنيين؟
عرض مغرٍ انتهى بخسارة أمواله .. قصة احتيال تحولت إلى كابوس .. تحذير أمني
الجيش يعلن عن منح هندسية في أمريكا .. التفاصيل والشروط
مشاجرة في إربد تنتهي بطعن لاعب الحسين إربد وشقيقه .. التفاصيل
بالصور .. أردنيون يعبرون عن استيائهم: أوقفوا المجزرة .. ما القصة
قصتان صادمتان تعيدان ملف حقوق الرجل بعد الطلاق إلى الواجهة في الأردن
كاميرات جديدة في إربد .. رصد مخالفات الإشارة آليا
ضبط 56 عاملة منزل مخالفة داخل 4 حافلات على طريق المطار
هروب الذكاء الاصطناعي يثير الذعر .. أنظمة تخرج عن السيطرة واجتماع أممي لاحتواء الخطر
