فوكوياما و«نهاية التاريخ»: مذكرات إفلاس معلن
18-09-2026 01:00 AM
الفصل الذي يحمل عنوان «نهاية التاريخ»، وهو الـ15 من أصل 35 فصلاً في كتاب فرنسيس فوكوياما الأحدث، «في مدى الإنسان الأخير ــ مذكرات»، منشورات FSG، نيويورك؛ لا يشغل سوى 5 صفحات وربع الصفحة (قرابة 2300 كلمة، فقط) من 304 صفحات وعشرات آلاف الكلمات. وهذا تفصيل لافت وجدير بالتأمل، بالنظر إلى أنّ صيت فوكوياما، وعتبة صعوده وعلوّ شأنه، إنما كانت مقالته الأشهر سنة 1989، التي حملت العنوان ذاته، وتحولت سريعاً إلى كتاب؛ ساجل، في خلاصته الأهمّ، بأنّ التاريخ لعبة كراسٍ موسيقية بين الإيديولوجيات (عصر الأنوار، الرأسمالية، الليبرالية، الشيوعية، الإسلام، القِيَم الآسيوية، ما بعد الحداثة…)؛ مع فارق أنّ التاريخ انتهى وانتهت اللعبة، إذ توقفت الموسيقى تماماً (مع سقوط جدار برلين، وانتهاء الحرب الباردة)، وكذلك لأنّ الموسيقى الوحيدة التي باتت متوفرة اليوم هي تلك التي تُعزف من جانب الرأسمالية والليبرالية واقتصاد السوق.
والأرجح أنّ لا غبن يمكن أن يلحق بالرجل إذا افترض المرء أنّ الحجم الضئيل المختصر الذي يمحضه لموضوعة نهاية التاريخ في مذكراته، إنما يدلل على مقدار الإفلاس الذي حاق بالفكرة؛ التي انقلبت من موضة رائجة/ موجة عاتية إلى ركام من الترهات التي لم يتوقف التاريخ إياه عن دحضها وتبخيسها وتفضيحها، ليس لأيّ اعتبار آخر يسبق الحقيقة الكبرى الساطعة: أنه لم ينتهِ البتة، بل تسارع وتضاعف واحتدم واشتعل هنا وهناك في العالم بأسره، وابتداء من عوالم هيمنة «الإنسان الأخير» المزيف الملفق ذاته. وعدا عن الفصل اليتيم الهزيل في المذكرات، فإنّ مؤلفات فوكوياما التي تعاقب صدورها بعد «نهاية التاريخ» لم تغادر منهجية الالتفاف على الأطروحة تارة، والتماس الأعذار لإفلاسها تارة أخرى، واقتراح بدائل أقرب إلى التأتأة منها إلى تكوين جملة مفيدة سليمة.
ليس أقلّ مغزى، إلى هذا، أنّ الصفحات القليلة التي يكرسها فوكوياما للأطروحة الشهيرة لا تعكس أيّ معنى للمراجعة أو الأسف أو الاعتذار، بقدر ما تواصل نهج التعمية على خلفيات التعميم بصدد نهاية التاريخ وسيطرة الإنسان الأخير؛ بل إن صاحب الضجيج والعجيج يكتفي بالعودة إلى نهايات أخرى للتاريخ سبق أن قال بها الفيلسوف الألماني هيغل (الأشدّ انهماكاً بالتاريخ والتاريخانية، في ناظر فوكوياما)، وتأثيرات شارحه الفيلسوف الروسي ألكسندر كوجيف الذي ألهم فوكوياما… موظف وزارة الخارجية المساعد لدى دنيس روس، خلال عهد الوزير جيمس بيكر. لائحة الفلاسفة، في الفصل اليتيم هذا، حاشدة: جان ــ جاك روسو، توماس هوبز، كارل ماركس، جورج باتاي، جاك لاكان، موريس ميرلو ــ بونتي، ريمون آرون، ليو شتراوس، إمانويل كانط… وهذا كله بغرض واحد وحيد: الفرار من الإقرار بأي مستوى من الخطأ والخلل والزلل !
وقد تكون مفيدة استعادة محطات سابقة سجلت من جانب فوكوياما إطلالات (إذْ تعزّ، ربما، مفردة توصيف أخرى) على الفكرة؛ كما في مناسبة الذكرى العاشرة، وبعد أن تبيّن أنّ التاريخ يغلي ويستعر لهيباً، وأنّ البشر يموتون كلّ يوم بفعل القاذفات والصواريخ والمدافع أكثر من الكوارث الطبيعية؛ وحينذاك قدّم صاحبنا تنازلاً واحداً وحيداً يخصّ تتويج التاريخ في صيغة الدولة الليبرالية الحديثة. «كانت هذه الأطروحة خاطئة تماماً»، قال فوكوياما، «لأنّ التاريخ لا يمكن أن ينتهي ما دامت علوم الطبيعة المعاصرة لم تبلغ نهايتها بعد، ونحن على أعتاب اكتشافات علمية ذات جوهر كفيل بإلغاء الإنسانية في حدّ ذاتها»! وفي ختام مقالة اليوبيل العاشر ذاك، كتب فوكوياما: «إنّ السمة المفتوحة لعلوم الطبيعة المعاصرة تسمح لنا بالقول إنّ تكنولوجيا علوم الأحياء سوف تبيح لنا، وخلال جيلَين قادمَين، باستكمال ما فشل اختصاصيو الهندسة الاجتماعية في القيام به. وفي المرحلة تلك سوف تكون علاقتنا بالتاريخ الإنساني قد انتهت تماماً لأننا سوف نكون قد أبطلنا الوجود الإنساني في حدّ ذاته. عندها سوف يبدأ تاريخ جديد عابر للإنساني».
وأمّا في الصفحات الأولى من كتابه الثاني، «الثقة: الفضائل الاجتماعية وخلق الرخاء»، فقد اعترف فوكوياما بأنّ الهدوء الذي أعقب انهيار الشيوعية، في روسيا وأوروبا الشرقية، كان مريباً وخادعاً لأنه أخفى ما سينفجر حول آفاق تطوّر الإنسانية (التي اختتمت تاريخها) ومعضلات إنسانها الأخير في تقاسم اقتصاد ما بعد التاريخ. وبطبيعة الحال سكت فوكوياما عن الأشباح القومية والإثنية التي استيقظت في وجدان ذلك الإنسان ومن حوله، وأشعلت الحرائق هنا وهناك، فانشغل الاقتصاد بلملمة الأشلاء والأموات بدل رعاية الأحياء. الفلسفة المنقلبة إلى ــ أو القادمة من ــ البيروقراطية يحقّ لها ما لا يحقّ لغيرها، ولها أن تصمّ الآذان وتؤجّل القرارات وترجئ إرسال عربات المطافئ لوقف انتشار اللهيب على الأقل.
وفصول هذا الكتاب الثاني كانت قد راهنت على إمكانية بلوغ الرخاء من باب التعاضد الاجتماعي ـ الثقافي وليس عبر اقتصاد السوق وفتح أصقاع الأرض أمام استثمارات الرساميل العملاقة. ذلك لأنّ الاقتصاد الذي لا ينهض على الثقة التلقائية وائتمان الآخر، هو اقتصاد بطيء النموّ محدود الرخاء، ولن يكون له مكان مرموق تحت شمس العالم ما بعد نهاية التاريخ. ومفهوم التعاضد الاجتماعي مركزي في هذا المعمار النظري، وفوكوياما عكف على تقسيمه إلى ثلاثة سُبُل: العائلة والقرابة أوّلاً، والترابط الطوعي خارج مختلف أنماط القرابات (أواصر الدم والحزب والمنظمة والمعمل والمؤسسة) ثانياً، والدولة ثالثاً.
ثمة، في جانب آخر من المعادلة، رأس المال الاجتماعي الذي تملكه دول وتحسن توظيفه على أساس مبدأ الثقة بين المنتج والمستهلك وبين السوق والسلعة، أو لا تملك الكثير منه دول أخرى وتسيء توظيف ما تملك لصالح طغيان ولاءات أخرى أدنى مستوى (المؤسسة البيروقراطية، العائلة، الدولة)، أو تفتقر إليه تماماً دول ثالثة لا يشير إليها فوكوياما، وكأنه يعتبرها خارج المعادلة الكونية لهذا الاندماج السحري الناجح بين الأخلاق والسوق (وغنيّ عن القول إنّ اقتصادات العالم الثالث هي على رأس هذه اللائحة).
محطة أخرى أقرب إلى الوقوف على أطلال إنسان نهاية التاريخ، تمثلت في كتاب «الهوية: طلب الكرامة وسياسة السخط»، 2018، حين ذكّر فوكوياما قارئه بأنّ موجة الديمقراطية آخذة في الانحسار على صعيد عالمي: في سنة 1970، كانت هناك 35 ديمقراطية انتخابية؛ وازداد العدد خلال ثلاثة عقود حتى بلغ 120 نظاماً، خاصة خلال سنوات 1989 ــ 1991 مع تفكك المعسكر الاشتراكي؛ ولكن، ومنذ أواسط 2000، انكمش الاتجاه وانحسر، وباتت البلدان «التسلطية»، الأوتوريتارية وفق تعبيره، أكثر ثقة وتمكناً. النقطة الثانية، في تلك الخلاصة الاستهلالية التي سوف تحكم الكثير من فصول الكتاب اللاحقة، أنّ صاحبنا لا يرى مفاجأة في عجز «الديمقراطية الليبرالية» عن التجذّر في بلدان مثل أفغانستان والعراق، رغم التدخل العسكري الأمريكي المباشر؛ ويرى باعثاً على الخيبة، في المقابل، أن ترتدّ روسيا إلى التقاليد الأوتوريتارية، وأن تتعرض الديمقراطية للتهديد الجدّي في بعض بلدان أوروبا الشرقية ذاتها التي تحررت من السلطة الشيوعية (كما في هنغاريا، مثلاً).
تلك كانت نبرة فجائعية رثائية، خالية من حسّ النقد التاريخي الذي يتوجب أن يتمتع به زاعم التتلمذ على الفيلسوف الألماني هيغل، والذي لم تكفّ الوقائع (ذاتها التي بدأ بضربها أمثلة) عن إبطال أطروحته المركزية تلك، والتشديد على بقاء التاريخ، بل استفحال نيرانه. وليس الفصل اليتيم الوجيز في مذكرات الرجل سوى شهادة إفلاس معلن، أياً كانت ألاعيب التمنّع في الإقرار الصريح.
تهجير الفلسطينيين قادم … فماذا نحن فاعلون؟
فوكوياما و«نهاية التاريخ»: مذكرات إفلاس معلن
الزيارات الملكية تجيبكم: أين الملك؟
ارتفاع قوي للأسهم الأمريكية .. أرقام
تفاصيل وفاة طالب اليرموك الإندونيسي .. قطار يجر سيارته مئات الأمتار
مطار الملك الحسين يستقبل أولى الرحلات القادمة من الرياض
العثور على جثة أول فائز بـ "ذا فويس" الهولندي .. تفاصيل
خسائر واشنطن العسكرية تتزايد بعد تقارير الكونغرس
صفقة عسكرية ضخمة بين واشنطن والرياض بمليارات الدولارات
اختتام الدورة الـ15 لمشروع تطوير الخدمة المدنية
ثاني أردنية تترأس جاهة صلح وشيخ عشائري يرد: الجاهة ليست مشوار بل كلمة رجال
حصيلة وفيات جديدة لحادث حافلة المكلفين بخدمة العلم
إصابة 9 طلبة إثر انقلاب حافلة مدرسية في لواء بني كنانة
16 عاما من الانتظار .. انتهت بوفاة أماني الحجيجي
إربد .. سائق بحالة غير طبيعية يتسبب بحادث والمفاجأة بما عُثر بحوزته
مسيّرة حوثية باتجاه مكة .. الدفاعات السعودية تعترضها وتدمرها
من هو الداعية إبراهيم السعودي الذي أحزن رحيله الأردنيين؟
عرض مغرٍ انتهى بخسارة أمواله .. قصة احتيال تحولت إلى كابوس .. تحذير أمني
الجيش يعلن عن منح هندسية في أمريكا .. التفاصيل والشروط
مشاجرة في إربد تنتهي بطعن لاعب الحسين إربد وشقيقه .. التفاصيل
بالصور .. أردنيون يعبرون عن استيائهم: أوقفوا المجزرة .. ما القصة
قصتان صادمتان تعيدان ملف حقوق الرجل بعد الطلاق إلى الواجهة في الأردن
كاميرات جديدة في إربد .. رصد مخالفات الإشارة آليا
ضبط 56 عاملة منزل مخالفة داخل 4 حافلات على طريق المطار
هروب الذكاء الاصطناعي يثير الذعر .. أنظمة تخرج عن السيطرة واجتماع أممي لاحتواء الخطر
