فنانون… أم شهود زور

فنانون… أم شهود زور

18-09-2026 01:04 AM

تحوّل بعض الممثلين المغاربة، هذه الأيام، إلى حديث الناس عبر منصات التواصل الاجتماعي، ليس لأنهم أنجزوا أعمالاً درامية مميّزة، أو لأنهم قاموا بأعمال اجتماعية وإنسانية جديرة بالتقدير، ولا لكونهم عبّروا عن مواقف مشرّفة تجاه قضايا راهنة… ولكن، بكل بساطة، لأنهم اختاروا «تأجير» أصواتهم ووجوههم لسياسيين دخلوا غمار الانتخابات التشريعية، وتحديدًا للحزب الذي ترأّس الحكومة المغربية خلال الخمس سنوات «العجاف» الأخيرة، التي اكتوى من قراراتها غير الشعبية المواطن البسيط.
من بين هؤلاء الوجوه الفنية «المستأجرة» للدعاية الانتخابية، ممثل كوميدي زعم ـ عبر تصريحات مصوّرة متداولة ـ أن الحزب صاحب شعار «الحمامة» استطاع الوفاء بأكثر من تسعين في المئة من التزاماته خلال الولاية الحكومية الحالية. إزاء هذا الادّعاء الغريب طرح الكثيرون التساؤل التالي: هل نكذّب ما تراه أعيننا ونلمسه على أرض الواقع، ونصدّق مزاعم هذا الفنان الذي لم يعد يميّز بين الخيال والحقيقة، بين تقمّص الأدوار والحياة اليومية الاعتيادية؟!
وعلى المنوال نفسه، انبرى ممثل آخر ساعيًا إلى «تبييض» سيرة الحكومة التي تعيش أسابيعها الأخيرة، حيث صرّح لكاميرا صحيفة إلكترونية قائلاً: «نرمي بفشلنا على الحكومة وعلى الدولة وعلى الأشخاص، ولكن ماذا فعلنا نحن كي نغيّر مجموعة من الوضعيات؟» وكمن اكتشف سرًّا عظيمًا قال الشخص نفسه: «حتى أمريكا فيها مشرّدون»… ونسي أو تناسى، وهو يُقارن بين المغرب والولايات المتحدة الأمريكية، أن يعقد المقارنة نفسها بين البلدين كليهما في الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والحقوق؟ وكيف يتجاهل الممثل نفسه أن ظاهرة التشرد في جل البلدان الغربية راجعة إلى اختيار أفراد بعينهم، بينما تكون في المغرب مثل غيره من البلدان «النامية» ـ غالبًا ـ نتيجة سياسات حكومية ظالمة!
ليس مستغربًا أن يحاول البعض تلميع صورة الحكّام، خاصة حين يكون مُستفيدًا من رضاهم وعطفهم عليه، أو طامعًا في تحقّق وعود مستقبلية. وتلك هي «الطامة العظمى» التي تجعل الفنان يرهن مواقفه بامتيازات شخصية، متحققةً أو مأمولةً، ويتخلّى عن مبادئه ووقوفه المطلوب إلى جانب الشعب في انشغالاته وقضاياه ومعيشه اليومي!
بعبارة أخرى، إن الفنان في هذه السياق البئيس، يتحول إلى «شاهد زور»، لا فرق بينه وبين أولئك الأشخاص الذين «يعتصمون» قرب المحاكم، عارضين خدماتهم، لتقديم «شهادات» مؤدًّى عنها، في قضايا لا يعلمون عنها شيئًا!
وإذا كان برنامج «45 دقيقة» الذي يبث على القناة الأولى المغربية، خصص إحدى تحقيقاته، منذ سنوات، لظاهرة «شهود الزور» في المحاكم، فيبدو أنه أغفل طائفة من الفنانين المختصين في كيل المديح للسياسيين والمسؤولين الحزبيين، عشية كل انتخابات، طمعًا في مقعد ما داخل المجالس المنتخبة، التشريعية أو البلدية، أو على الأقل في دعم مادي سخي عن مشاريعهم الفنية.
والحال أن رأسمال أي فنان هو مصداقيته وصورته الإيجابية أمام الجمهور. وحين يتخلى عن هذه المصداقية ويُخندِق نفسه في إطار حزبي ضيق، فإن السخط الشعبي على هذا الحزب الفاشل في الوفاء بوعوده الانتخابية، يشمل الفنان ذاته، لأنه ارتدى قناعًا ليس له، وأقام حاجزًا يفصله عن جمهوره الواسع. فكيف يريد الفنان أن تمتد الجسور المتينة بينه وبين المتلقّين، وهو يجعل نفسه رهينةً لدى «خصمهم» السياسي الذي يمسّهم في قوتهم وعيشهم؟ كيف يطمع في إعجاب الجمهور وإقباله على أعماله، وهو يحصر نفسه في لون حزبي بعينه، ويستبعد باقي الألوان؟ ولكل لون أتباع وأنصار، وبالتالي يضيق حيز الإعجاب حين تغيب باقي الألوان؟ فليحرص الفنان على أن يكون مِلكًا للجميع، بغضّ النظر عن الانتماءات الحزبية، وليبتعد عن حسابات السياسيين الضيقة التي تتغير وتتلوّن كما الحرباء بحسب الأحوال والمقامات!

غضب المذيعة!

من أطرف الفيديوهات التي انتشرت في الآونة الأخيرة ذاك السجال الذي احتدم بين المذيعة التونسية فضيلة السويسي، نجمة قناة «سكاي نيوز عربية»، والخبير الإيراني محمد غروي، مدير «مركز الجيل الجديد للإعلام».
ففي البرنامج الحواري المباشر «ستوديو وان مع فضيلة» الذي استضاف بعض المحللين لمناقشة موضوع التصعيد في مضيق هرمز، قال غروي: «إذا قبلت إيران أن تشترك أمريكا في أخذ الرسوم مقابل عبور السفن، فإن الجميع سيسكت، لأن سيدهم الأمريكي قبل بذلك»!
وهنا انتفضت المذيعة، وقاطعت المتحدث قائلة: «لو سمحت سيد غروي، خلّينا نلتزم، أنت (طالع) على قناة عربية في دولة خليجية، فلا تستعمل هذه العبارات»؛ فردّ عليها «أنا لا أقصد أحدًا بعينه»… لكنها واصلت حديثها بوجه متجهّم وبلغة غاضبة: «أنت تقصد. نحن احترمناك ودعوناك إلى البرنامج، فاحترمنا»، وهنا علّق عليها الرجل: «أنا احترمتكم، وطلعت معكم، ما هذا الكلام؟!»
المذيعة تمنّ على الخبير الإيراني كونها استضافته ـ عن بعد ـ في قناتها التي تبثّ انطلاقًا من أبو ظبي، وكأن المشاركة في برنامج تلفزيوني منّة تستحق الشكر من لدن الضيف، كما تستحق التذكير من لدن الإعلامية متى تصاعدت حدة الخلاف.
وكما كتب أحد المدونين: «من حق المذيعة أن تضبط النقاش، وأن توقف الإساءة أو التجاوز (إن وجدت)، لكن ذلك لا يكون بتحميل الضيف جميلاً أو فضلاً ومنّة بسبب استضافته؛ فالقناة هي التي اختارته للمشاركة، ومنحته صفة الضيف، واستدعته لتقديم موقف تعرف مسبقًا أنه قد يخالف توجّهها أو يثير الجدل».
لعلّ من الأمور اللافتة التي أتاحتها المواجهة بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية، أنها أماطت اللثام عن محللين إيرانيين، يُتقنون الحديث باللغة العربية الفصحى، ويمتلكون قدرة قوية على السجال الإعلامي استعانة بالحجج التي يدافعون بها عن بلادهم خلال استضافتهم في بعض الفضائيات العربية، كما هو الشأن ـ مثلا ـ بالنسبة للمحلل الإيراني حسن احمديان الذي صار نجم «الجزيرة».

قضايانا بكاميرات غيرنا!

من أجمل ما قرأت، أخيرًا، للكاتب القطري مرزوق بشير بن مرزوق، تدوينة يعلّق فيها على فيلم «نازا» الوثائقي، إذ كتب: «لم يكن أحد يتوقع أن يخرج أقسى فيلم عن حرب غزة هذا العام من أيدٍ إسرائيلية. (نازا) وثائقي للمخرجَين يوفال أبراهام وراشيل زور صُوّر سرًّا على مدى ثلاث سنوات، ويقوم على شهادات 24 ضابطًا وجنديًا إسرائيليًا يكشفون منظومة كاملة لاستهداف الفلسطينيين في غزة، تعتمد على المراقبة والذكاء الاصطناعي، وتحسب مسبقًا عدد المدنيين الذين سيسقطون قبل كل ضربة. حتى اسم الفيلم مأخوذ من اختصار يستخدمه الجيش نفسه للإشارة إلى قتل المدنيين».
وتابع: «في مهرجان فينيسيا وقف الجمهور يصفّق قرابة خمس وعشرين دقيقة، في رقم غير مسبوق، ثم نال الفيلم جائزة لجنة التحكيم الخاصة. أما داخل إسرائيل فقد نزل الفيلم كالصاعقة. وزير الثقافة وصفه بالحقير واتهم مخرجَيه بالخيانة وتوعّد بسحب جنسيتهما، وبن غفير طالبهما بالرحيل إلى غزة، ونتنياهو اعتبره تحريضاً لا يُحتمل لأنه جاء من الداخل. والجيش شكك في الشهادات ونفى أن تكون قرارات القتل بيد الآلة. واللافت أن الغضب كله انصبّ على من نقل الحقيقة، لا على الحقيقة نفسها».
مؤلم حقًا، كما قال مرزوق بشر، أن تُروى قضايانا الكبرى للعالم بكاميرات غيرنا، بينما يلهث صناع الفيلم العربي خلف شباك التذاكر، مُستعينين بالتهريج والاستسهال، تحت شعار «الجمهور عايز كده»!



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

ثاني أردنية تترأس جاهة صلح وشيخ عشائري يرد: الجاهة ليست مشوار بل كلمة رجال

حصيلة وفيات جديدة لحادث حافلة المكلفين بخدمة العلم

إصابة 9 طلبة إثر انقلاب حافلة مدرسية في لواء بني كنانة

16 عاما من الانتظار .. انتهت بوفاة أماني الحجيجي

إربد .. سائق بحالة غير طبيعية يتسبب بحادث والمفاجأة بما عُثر بحوزته

مسيّرة حوثية باتجاه مكة .. الدفاعات السعودية تعترضها وتدمرها

من هو الداعية إبراهيم السعودي الذي أحزن رحيله الأردنيين؟

عرض مغرٍ انتهى بخسارة أمواله .. قصة احتيال تحولت إلى كابوس .. تحذير أمني

الجيش يعلن عن منح هندسية في أمريكا .. التفاصيل والشروط

مشاجرة في إربد تنتهي بطعن لاعب الحسين إربد وشقيقه .. التفاصيل

بالصور .. أردنيون يعبرون عن استيائهم: أوقفوا المجزرة .. ما القصة

قصتان صادمتان تعيدان ملف حقوق الرجل بعد الطلاق إلى الواجهة في الأردن

كاميرات جديدة في إربد .. رصد مخالفات الإشارة آليا

ضبط 56 عاملة منزل مخالفة داخل 4 حافلات على طريق المطار

هروب الذكاء الاصطناعي يثير الذعر .. أنظمة تخرج عن السيطرة واجتماع أممي لاحتواء الخطر