فيديو "البقرة الراقصة" وتذاكر بـ425 دينارا .. ماذا كسبت العقبة من حفل عمرو دياب؟

فيديو "البقرة الراقصة" وتذاكر بـ425 دينارا ..  ماذا كسبت العقبة من حفل عمرو دياب؟
من الحفل الصاخب ....

19-09-2026 11:42 PM

انتهت ليلة "الأبيض" في العقبة، لكن النقاش الذي أشعلته لم ينتهِ بانطفاء أضواء المسرح.

فمنذ الساعات الأولى لصباح السبت، انتقلت صور ومقاطع حفل الفنان المصري عمرو دياب في واحة آيلة من هواتف الحاضرين إلى فضاء أردني أوسع، وتحول ما كان يفترض أن يكون حدثًا فنيًا وسياحيًا إلى مادة لنقاش اجتماعي واقتصادي وأخلاقي، اختلطت فيه الأسئلة المشروعة بالمبالغات، والوقائع بالتأويلات.

الحفل أقيم مساء الجمعة 18 أيلول ضمن "Ayla Music Weekend"، الذي يمتد من 17 إلى 19 أيلول، وشهد حضورًا جماهيريًا كبيرًا، فيما أعلنت منصة بيع التذاكر نفادها. لكن صور الحفل لم تنقل الغناء وحده؛ فقد أظهرت جمهورًا يرتدي الأبيض ويرقص ويتفاعل مع الأغاني، ورافقتها مشاهد أثارت انتقادات لدى شريحة من مستخدمي مواقع التواصل.

ولم يكن الجدل وليد ليلة الحفل أصلًا.

فقبل نحو ثلاثة أسابيع من موعده، وجّه النائبان لبنى النمور وبكر الكساسبة كتابًا إلى رئيس الوزراء جعفر حسان، اعترضا فيه على إقامة الحفلات الغنائية في العقبة، معتبرين أن ما يصاحب بعضها من مظاهر وسلوكيات يتعارض، بحسب موقفهما، مع قيم المجتمع الأردني وعاداته وتقاليده. وفي الوقت نفسه أكدا دعمهما لتنشيط السياحة والاقتصاد في المدينة، لكن من خلال فعاليات رأيا ضرورة أن تكون منسجمة مع هوية المجتمع وخصوصية العقبة.

وهكذا دخل الحفل منذ البداية منطقة تتجاوز سؤال: هل يحب الأردنيون عمرو دياب أم لا؟

من الرقص والملابس إلى سؤال الهوية

أكثر المقاطع إثارة للانتقاد كانت تلك التي أظهرت الرقص وبعض الملابس التي وصفها منتقدون على مواقع التواصل بأنها جريئة ولا تنسجم، من وجهة نظرهم، مع طبيعة المجتمع الأردني وخصوصية مدينة العقبة.

وهنا يظهر أول خلاف حقيقي في قراءة المشهد.

فمنتقدو الحفل لا يرون المسألة مجرد تذكرة اشتراها شخص بالغ ليرقص ويستمع إلى فنان يحبه، بل يضعونها في سياق أوسع يتعلق بصورة المدينة والهوية الثقافية والاجتماعية التي تقدمها الفعاليات الكبرى المقامة فيها.

وفي المقابل، ثمة من ينظر إلى الأمر من زاوية مختلفة تمامًا: حفل موسيقي تجاري حضره أشخاص باختيارهم ودفعوا ثمن تذاكرهم، والرقص في حفل غنائي ليس حدثًا مفاجئًا، كما أن ملابس بعض الحاضرين وسلوكهم لا يمثلان الأردن كله، ولا مدينة العقبة كلها، ولا يجوز تحميل فعل فردي أكثر مما يحتمل.

وهنا تكمن إحدى مشكلات النقاش الدائر: من يمثل هوية العقبة؟

العقبة مدينة أردنية لها تاريخها وأهلها ومجتمعها وعشائرها وخصوصيتها، لكنها في الوقت نفسه منطقة اقتصادية خاصة ووجهة سياحية تسعى الدولة إلى تسويقها إقليميًا ودوليًا.

ولا يوجد ما يثبت أن لأهل العقبة موقفًا واحدًا من الحفل، ولذلك سيكون من غير الدقيق اختزال المدينة كلها في المؤيدين أو المعارضين.

"البقرة الراقصة".. من مشهد غريب إلى عشرات التأويلات

وسط آلاف الصور ومقاطع الفيديو، نجح مشهد واحد في خطف جانب كبير من النقاش.

شاب يرتدي زيًا أو مجسمًا كاملًا على هيئة بقرة ويرقص بين الحاضرين.

المشهد حقيقي ومتداول، لكن ما جاء بعده دخل سريعًا منطقة التأويل.

فقد ربط بعض المعلقين ظهور البقرة بدلالات دينية وثقافية، فيما ذهب آخرون إلى تفسيرات تتحدث عن رموز هندوسية أو ماسونية وغيرها.

لكن لا يوجد، حتى لحظة إعداد هذا المقال، أي دليل موثق يثبت أن صاحب الزي قصد إرسال رسالة دينية أو عقائدية أو ماسونية، أو أن الجهة المنظمة للحفل كانت وراء هذا الظهور.

ومن هنا يجب الفصل بين حقيقتين مختلفتين: المؤكد أن شخصًا ارتدى زيًا على هيئة بقرة ورقص في الحفل، أما المعاني التي أُلصقت بالزي فهي تفسيرات لمستخدمين على مواقع التواصل، وليست حقيقة مثبتة.

وربما يكشف تضخم هذا المشهد نفسه عن طبيعة عصر مواقع التواصل؛ إذ يمكن لشخص واحد بملابس غير مألوفة أن يتحول إلى رمز لحفل حضره الآلاف، وأن تصبح صورته أكثر تداولًا من الفنان الذي أقيم الحفل باسمه.

425 دينارًا وليلة باللون الأبيض

لكن الجدل لم يكن أخلاقيًا وثقافيًا فقط.

منذ الإعلان عن الحفل، أثارت أسعار التذاكر نقاشًا في الأردن؛ إذ بدأت من 90 دينارًا للدخول العام، ثم ارتفعت وفق الفئات إلى 135 و200 و225 و265 و325 دينارًا، وصولًا إلى 425 دينارًا لفئة Premium Lounge.

كما اشترط المنظمون ارتداء اللون الأبيض، ووصل الالتزام بالـ"دريس كود" إلى منع شاب وفتاة من الدخول لعدم التزامهما باللون المطلوب، وفق ما جرى تداوله ونشره عن الحفل.

السعر هنا ليس مجرد رقم.

فحين تصل تذكرة سهرة غنائية إلى 425 دينارًا، يصبح من الطبيعي أن يظهر سؤال اجتماعي حول طبيعة الجمهور الذي تستطيع قدرته الشرائية الوصول إلى الفئات الأعلى، خصوصًا في بلد تشغل فيه تكاليف المعيشة والدخل والبطالة حيزًا كبيرًا من النقاش العام.

لكن ارتفاع السعر يحمل قراءة أخرى أيضًا: ما دام هناك من يشتري، وما دامت التذاكر قد نفدت، فهناك سوق لهذا النوع من الترفيه، ولا يمكن مطالبة نشاط تجاري خاص بأن يسعر تذاكره وفق متوسط دخول المجتمع كله.

وهنا ينتقل السؤال من الأخلاق إلى الاقتصاد.

93% إشغالًا.. هل أنعش عمرو دياب العقبة؟

الأرقام الرسمية تمنح أنصار الفعاليات السياحية حجة لا يمكن تجاهلها.

ففي يوم الحفل نفسه، أعلنت سلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة أن نسبة إشغال المنشآت الفندقية في المدينة بلغت نحو 93% خلال الفترة من 17 إلى 19 أيلول، ووصلت في فنادق الخمس نجوم إلى 97%، مقابل 90% للأربع نجوم و93% للثلاث نجوم.

وقالت مديرة مديرية السياحة في السلطة سلام المالكي إن المدينة تشهد حركة سياحية نشطة بالتزامن مع مجموعة من الفعاليات السياحية والترفيهية، وإن هذه الأنشطة تسهم في جذب الزوار وتنشيط المشهد السياحي.

لكن هذه الأرقام، على أهميتها، لا تجيب عن السؤال كله.

فالسلطة لم تقل إن حفل عمرو دياب وحده رفع الإشغال إلى 93%، بل تحدثت عن مجموعة من الفعاليات والحركة السياحية خلال عطلة نهاية الأسبوع.

ولا توجد حتى الآن أرقام منشورة تجيب عن أسئلة أكثر تحديدًا: كم غرفة فندقية حُجزت بسبب الحفل تحديدًا؟ كم ليلة إضافية أنتجها؟ وكم أنفق جمهوره في المطاعم وسيارات الأجرة والمتاجر والأسواق خارج موقع الفعالية؟

وبالتالي، من الإنصاف القول إن الحفل تزامن مع إشغال فندقي مرتفع جدًا، لكن تحويل التزامن إلى علاقة سببية كاملة يحتاج إلى بيانات لم تنشر بعد.

وهذه المسألة مهمة؛ لأن سلطة العقبة نفسها أعلنت في حزيران الماضي استراتيجية واضحة لتوسيع سوق الفعاليات، وأطلقت "رزنامة فعاليات العقبة 2026" و"أمواج+" للحفلات الفنية الكبرى مدفوعة التذاكر، وقالت إن الهدف هو تنويع المنتج السياحي وزيادة أعداد الزوار وتنشيط الاقتصاد.

إذن نحن لسنا أمام حفلة معزولة، بل أمام توجه سياحي.

والسؤال الحقيقي هو: كيف يُقاس نجاح هذا التوجه؟

وماذا عن عرب الـ48؟

تداول معلقون أن جزءًا من جمهور الحفل جاء من فلسطينيي الداخل، أو ما يعرف بعرب الـ48، الذين يزورون العقبة للسياحة.

لكن البحث في المصادر المتاحة حتى مساء السبت لم يكشف عن أرقام رسمية تحدد جنسيات الحاضرين أو نسبة القادمين من الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948، ولذلك لا يمكن تقديم هذا الادعاء باعتباره حقيقة ثابتة.

وإذا ثبت مستقبلًا أن أعدادًا كبيرة منهم جاءت خصيصًا للحفل وأقامت في الفنادق وأنفقت في الأسواق والمطاعم، فإن ذلك يمثل من المنظور الاقتصادي إنفاقًا سياحيًا وافدًا إلى المدينة.

أما إذا كان معظم الحضور من زوار كانوا سيقضون عطلة نهاية الأسبوع في العقبة أصلًا، فستكون القيمة الاقتصادية الإضافية للحفل مختلفة.

الأرقام وحدها هي التي تستطيع حسم ذلك، وليس صور الحشود.

العقبة بين الهوية والانفتاح

المفارقة أن السلطة المحلية نفسها ترى في الفعاليات الفنية وسيلة لتنويع المنتج السياحي، وقد أعلنت هذا التوجه رسميًا قبل أشهر.

وفي المقابل، يرى معارضون أن تنشيط السياحة لا ينبغي أن يعني، في تصورهم، استيراد أنماط ترفيه لا تنسجم مع البيئة الاجتماعية والثقافية للمدينة.

وهذان الموقفان يلتقيان عند هدف واحد ويختلفان في الطريق إليه.

الجميع تقريبًا يريد عقبة مزدهرة، وفنادق ممتلئة، وأسواقًا نشطة، ووظائف أكثر، وسائحًا يبقى مدة أطول وينفق أكثر. لكن السؤال المختلف عليه هو: أي نوع من السياحة نريد؟ وبأي محتوى؟ وبأي ضوابط؟

وهنا يصبح الحديث عن "هوية العقبة" أكثر تعقيدًا من مجرد حفل.

فالمدينة تستطيع أن تستضيف فعالية فنية، وفي الوقت ذاته تحتفي بتراثها البحري والبدوي والموسيقي والمطبخي والتاريخي. والانفتاح السياحي والحفاظ على الخصوصية الثقافية ليسا بالضرورة نقيضين، لكن الجمع بينهما يحتاج إلى سياسة ثقافية واضحة، لا إلى نقاش يبدأ كل مرة بعد انتشار فيديو مثير للجدل.

وعلى بعد ساعات.. غزة

ثم يأتي السؤال الأكثر حساسية.

في الليلة التي كانت فيها العقبة تغني وترقص، كانت غزة لا تزال تعيش آثار حرب طويلة وواقعًا إنسانيًا قاسيًا، رغم وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في تشرين الأول 2025.

وفي 19 أيلول، أي صباح اليوم التالي للحفل، أفادت تقارير إخبارية باستشهاد ثلاثة فلسطينيين على الأقل في غارات إسرائيلية على مناطق متفرقة من قطاع غزة.

وقبل ذلك بثلاثة أيام فقط، استشهد 20 فلسطينيًا، بينهم أطفال، إثر انهيار مبنى سكني متضرر من الحرب كان يؤوي نازحين، في صورة أخرى لاستمرار التداعيات الإنسانية المدمرة للحرب.

هذه الوقائع أعادت إلى نقاش الحفل سؤالًا لا يمكن للأرقام السياحية وحدها الإجابة عنه: هل يفرض القرب الجغرافي والوجداني من غزة على المجتمع الأردني حساسية مختلفة تجاه توقيت الفعاليات الترفيهية الصاخبة؟

منتقدون يرون أن المشهد يبدو شديد التناقض: موسيقى ورقص وإنفاق بمئات الدنانير في العقبة، فيما لا تزال عائلات فلسطينية على الجانب الآخر من الإقليم تدفع أثمان الحرب.

لكن في الاتجاه الآخر ثمة سؤال مشروع أيضًا: هل يعني استمرار المآسي والحروب في المنطقة أن تتوقف الحياة والاقتصاد والسياحة والفنون في الأردن إلى أجل غير معلوم؟

لا توجد إجابة اقتصادية أو قانونية تستطيع حسم سؤال أخلاقي كهذا.

بين نجاح الحفل ونجاح المدينة

ربما كان حفل عمرو دياب ناجحًا بمقاييس صناعة الحفلات: التذاكر نفدت، والحضور كان كبيرًا، والجمهور تفاعل، والفنادق سجلت في عطلة نهاية الأسبوع نسب إشغال مرتفعة.

لكن نجاح الحفل تجاريًا لا يعني تلقائيًا نجاحه بكل المقاييس الأخرى.

كما أن ظهور شخص بزي بقرة، أو ملابس اعتبرها البعض جريئة، لا يكفي وحده للحكم على مدينة كاملة أو جمهور كامل أو مشروع سياحي كامل.

ما تحتاجه العقبة بعد انطفاء المسرح ليس صراعًا بين من يريد الفرح ومن يريد الحفاظ على القيم، بل إجابات قابلة للقياس.

كم زائرًا إضافيًا جلب الحفل؟

كم دينارًا دخل اقتصاد المدينة؟

كم استفادت المطاعم والمتاجر والنقل والمنشآت الصغيرة، وليس الفنادق والمنتجعات وحدها؟

وكم شخصًا جاء إلى الأردن خصيصًا من الخارج لحضور الفعالية؟

وفي الجانب الآخر: هل تستطيع الجهات المنظمة تصميم فعاليات تحقق الهدف الاقتصادي نفسه، وتحافظ في الوقت ذاته على قدر أكبر من التوافق مع الخصوصية الاجتماعية والثقافية للمدينة؟

هذه الأسئلة أهم من البقرة الراقصة نفسها.

لأن القضية في النهاية ليست عمرو دياب، ولا اللون الأبيض، ولا حتى سعر التذكرة.

القضية هي النموذج الذي تريد العقبة أن تكون عليه في السنوات المقبلة.

هل صنعت ليلة عمرو دياب قيمة مضافة للعقبة يمكن قياسها اقتصاديًا؟ وهل كان ما ظهر في المقاطع مجرد سلوك فردي طبيعي في فعالية ترفيهية، أم مؤشرًا يستحق نقاشًا اجتماعيًا أوسع؟

وأين تنتهي حرية الترفيه وتبدأ حساسية الهوية الاجتماعية والثقافية للمكان؟

وهل تستطيع العقبة أن تجمع بين الانفتاح السياحي والحفاظ على خصوصيتها، بحيث لا يكون أحدهما على حساب الآخر؟

وأخيرًا، عندما تُجمع أرقام الفنادق والمطاعم والأسواق والنقل مقابل حجم الجدل الذي خلّفته ليلة "الأبيض"، هل ستظهر ليلة 18 أيلول باعتبارها مكسبًا اقتصاديًا وسياحيًا للعقبة، أم أن الضجيج الاجتماعي والأخلاقي الذي أعقبها كان أكبر من المكاسب؟

الإجابة لا ينبغي أن تُكتب مسبقًا. الأرقام، والمجتمع، وما ستختاره العقبة لنفسها في الفعاليات المقبلة، هي التي ستجيب.





تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

نقيب أصحاب المعاصر يكشف عن سعر تنكة زيت الزيتون للموسم المقبل

بالصور .. أردنيون يعبرون عن استيائهم: أوقفوا المجزرة .. ما القصة

تفاصيل وفاة طالب اليرموك الإندونيسي .. قطار يجر سيارته مئات الأمتار

للمرة الرابعة في 2026 .. ارتفاع مرتقب على أسعار السجائر

إصابة 9 طلبة إثر انقلاب حافلة مدرسية في لواء بني كنانة

16 عاما من الانتظار .. انتهت بوفاة أماني الحجيجي

حادث مروع على شارع البترا بإربد .. فيديو وصور

مسيّرة حوثية باتجاه مكة .. الدفاعات السعودية تعترضها وتدمرها

عرض مغرٍ انتهى بخسارة أمواله .. قصة احتيال تحولت إلى كابوس .. تحذير أمني

الجيش يعلن عن منح هندسية في أمريكا .. التفاصيل والشروط

مشاجرة في إربد تنتهي بطعن لاعب الحسين إربد وشقيقه .. التفاصيل

بالفيديو .. سرقة عجل من مركبة في الحصن

قصتان صادمتان تعيدان ملف حقوق الرجل بعد الطلاق إلى الواجهة في الأردن

كاميرات جديدة في إربد .. رصد مخالفات الإشارة آليا

هروب الذكاء الاصطناعي يثير الذعر .. أنظمة تخرج عن السيطرة واجتماع أممي لاحتواء الخطر