المستوطنات والانتخابات الإسرائيلية .. عندما تصبح الأرض صندوق اقتراع

المستوطنات والانتخابات الإسرائيلية ..  عندما تصبح الأرض صندوق اقتراع

20-09-2026 09:31 PM

تخيل أن تستيقظ المنطقة في صباح يوم الانتخابات الإسرائيلية، فتجد أن صناديق الاقتراع ليست وحدها التي تنتظر أصوات الناخبين، وأن هناك صناديق أخرى صامتة فُتحت قبل الانتخابات بأيام، لكنها لا تحتوي أوراقًا انتخابية، بل خرائط وأراضي ومستوطنات وطرقًا جديدة ترسم مستقبل الضفة الغربية على الأرض. في 25 أكتوبر المقبل، وقبل الانتخابات الإسرائيلية المقررة بيومين فقط، من المقرر فتح عطاءات جديدة لبناء 2167 وحدة سكنية في مشروع «إي1» الاستيطاني، ليرتفع إجمالي الوحدات المرتبطة بالمشروع إلى نحو 3401 وحدة. وقد يبدو الرقم للوهلة الأولى مجرد رقم آخر في سجل طويل من أرقام الاستيطان، لكنه في الحقيقة يحمل دلالة سياسية وجغرافية تتجاوز عدد المنازل التي ستُبنى، لأن منطقة «إي1» تقع في واحدة من أكثر النقاط حساسية في الضفة الغربية، بين القدس ومستوطنة معاليه أدوميم، وترتبط بإمكانية التواصل الجغرافي بين أجزاء الضفة الغربية والقدس الشرقية. وهنا يصبح السؤال أكثر خطورة من مجرد سؤال انتخابي: هل يذهب الإسرائيليون إلى صناديق الاقتراع لاختيار حكومة جديدة، بينما تكون الحكومة الحالية قد تركت على الأرض حقائق جديدة يصعب تغييرها؟ هذه هي اللحظة التي يصبح فيها الاستيطان أكثر من مجرد ملف عقاري أو أمني، ويتحول إلى جزء من معركة على المستقبل نفسه. فالانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر تأتي بعد ثلاث سنوات تقريبًا من السابع من أكتوبر 2023، وبعد حرب امتدت من غزة إلى لبنان ثم إلى المواجهة مع إيران، وأعادت تشكيل الحسابات الأمنية والسياسية داخل إسرائيل والمنطقة بأكملها. ولذلك فإن الناخب الإسرائيلي لن يذهب إلى الصندوق وهو يحمل ملف غزة وحده، بل سيحمل معه أسئلة الأمن، وإيران، والمستوطنات، ومستقبل الضفة، وكلفة الحرب، والعلاقة مع الولايات المتحدة، ومستقبل إسرائيل في المنطقة. لكن غزة، رغم كل ما شهدته، لم تصل بعد إلى نهاية سياسية واضحة. فالهدوء العسكري النسبي، متى تحقق، لا يعني بالضرورة سلامًا مستقرًا. فما زالت قضايا مستقبل إدارة القطاع، والوجود العسكري الإسرائيلي، والسلاح، وإعادة الإعمار، وترتيبات اليوم التالي للحرب، ملفات مفتوحة وقابلة لإعادة التفجر. ولهذا فإن غزة تبدو كجبهة لم تُغلق أبوابها بالكامل، وإنما انتقلت من مرحلة الحرب المفتوحة إلى مرحلة أكثر تعقيدًا من المفاوضات والضغوط والانتظار. وفي الوقت الذي كانت فيه عيون العالم مركزة على غزة، كانت الضفة الغربية تتحرك في مسار آخر أكثر هدوءًا في شكله وأكثر خطورة في نتائجه. توسع استيطاني، عنف من المستوطنين، عمليات عسكرية، مصادرة أراض، طرق وحواجز وتغييرات في البنية الجغرافية، وكل ذلك يصنع واقعًا جديدًا على الأرض. وهنا لا يعود السؤال: ماذا سيحدث في غزة؟ بل يصبح السؤال: ماذا يحدث للضفة بينما ينشغل العالم بغزة؟ فإذا كانت غزة تواجه حربًا على مستقبلها السياسي والأمني، فإن الضفة تواجه معركة مختلفة على الأرض والجغرافيا. وفي الحالتين هناك واقع فلسطيني يتغير، وإن اختلفت الأدوات. ومن الصعب النظر إلى هذين المسارين باعتبارهما منفصلين تمامًا، لأن استمرار الحرب في غزة بالتوازي مع توسيع الاستيطان في الضفة يمكن أن يقود في النهاية إلى نتيجة واحدة، هي زيادة صعوبة إقامة دولة فلسطينية متصلة وقابلة للحياة. وهنا تكمن أهمية مشروع «إي1» تحديدًا. فالقضية ليست في عدد الوحدات السكنية وحده، وإنما في موقعها. المنطقة التي يقع فيها المشروع تمثل حلقة جغرافية حساسة شرق القدس، ولهذا يرى منتقدوه أن تنفيذ المشروع يمكن أن يجزئ الضفة الغربية ويضعف التواصل بين شمالها وجنوبها ويزيد صعوبة الربط بينها وبين القدس الشرقية. أما داخل الحكومة الإسرائيلية، فقد جرى تقديم المشروع من جانب شخصيات في اليمين باعتباره جزءًا من رؤية أوسع لترسيخ السيطرة الإسرائيلية على الأرض ومنع قيام دولة فلسطينية. وهنا تصبح المفارقة شديدة الوضوح: بينما ينتظر العالم نتيجة الانتخابات لمعرفة من سيحكم إسرائيل، تتحرك على الأرض سياسات قد تؤثر في شكل الصراع لعقود. وهذا هو السبب في أن الانتخابات الإسرائيلية المقبلة لا ينبغي أن تُقرأ فقط من زاوية السؤال التقليدي: هل يبقى بنيامين نتنياهو أم يرحل؟ السؤال الأكثر أهمية هو: من سيحكم إسرائيل بعد الانتخابات، وما شكل الائتلاف الذي سيحكم، وما موقع الأحزاب الداعمة للاستيطان والضم داخل هذا الائتلاف؟ فحتى إذا تغير رئيس الحكومة، فإن ذلك لا يعني بالضرورة تحولًا جذريًا وفوريًا في السياسة الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين. هناك خلافات عميقة داخل إسرائيل حول نتنياهو وإدارة الحرب والعلاقة مع الولايات المتحدة والاستيطان، لكن هناك أيضًا مساحة واسعة من التوافق حول الاعتبارات الأمنية الإسرائيلية. والانتخابات نفسها تبدو معقدة، إذ لا تظهر استطلاعات سبتمبر مسارًا واضحًا يمنح أي معسكر أغلبية مستقرة بمفرده، بينما يحتاج تشكيل الحكومة إلى 61 مقعدًا في الكنيست. وهذا يعني أن معركة ما بعد الانتخابات، أي معركة تشكيل الائتلاف، قد تكون في بعض جوانبها أهم من نتيجة الانتخابات ذاتها. لكن الملف الفلسطيني ليس وحده الذي سيحدد المشهد. إيران أصبحت لاعبًا مركزيًا في الحسابات الإسرائيلية. فبعد أن كان التهديد الإسرائيلي يُقدَّم لفترة طويلة باعتباره متعدد المستويات، أصبح الصراع مع إيران جزءًا مباشرًا من المشهد الإقليمي، وأصبحت الحكومة الإسرائيلية قادرة على مخاطبة الناخب من زاوية مختلفة: إسرائيل لا تواجه قطاع غزة فقط، وإنما تواجه منظومة تهديد إقليمية أوسع. وهذه الورقة يمكن أن تكون ذات قيمة انتخابية كبيرة، لكنها في الوقت نفسه تحمل سؤالًا معاكسًا: ماذا حققت سنوات الحرب؟ وهل أدى اتساع الجبهات إلى زيادة الأمن أم إلى زيادة المخاطر؟ وهنا نصل إلى نقطة تبدو بعيدة جغرافيًا عن غزة والضفة، لكنها ليست بعيدة سياسيًا أو اقتصاديًا: مضيق هرمز. فهرمز ليس جزءًا مباشرًا من القضية الفلسطينية، لكنه أصبح جزءًا من الصراع الإقليمي الذي تتداخل فيه إسرائيل وإيران والولايات المتحدة ودول الخليج. وعندما تصبح حركة الملاحة في واحد من أهم الممرات النفطية في العالم تحت التهديد، فإن القضية لم تعد قضية عسكرية فقط، وإنما تصبح قضية طاقة وأسعار ونقل وتأمين وتجارة عالمية. وقد أظهرت تطورات الفترة الأخيرة أن أي اضطراب طويل في هرمز يمكن أن ينتقل بسرعة من الخريطة العسكرية إلى الأسواق العالمية، ويضغط على اقتصادات الدول ويعيد حسابات القوى الكبرى. ومن هنا لا يمكن فصل هرمز عن باب المندب. فالشرق الأوسط أصبح أمام شبكة من نقاط الاختناق الاستراتيجية: هرمز من جهة، وباب المندب والبحر الأحمر من جهة أخرى، وقناة السويس في القلب من هذه المنظومة. وهنا تظهر مصر، ليس باعتبارها دولة تراقب المشهد من الخارج، وإنما باعتبارها واحدة من أكثر الدول اتصالًا بتداعياته. مصر تقع عند تقاطع غزة والبحر الأحمر وقناة السويس، وبالتالي فإن أي توسع للصراع في غزة أو إيران أو البحر الأحمر ينعكس على الأمن المصري، وعلى حركة التجارة، وعلى الطاقة، وعلى الملاحة الدولية، وعلى المسؤولية السياسية والإنسانية التي تتحملها مصر تجاه القضية الفلسطينية. ولهذا فإن ما يجري في الضفة ليس قضية فلسطينية داخلية فقط، وما يجري في غزة ليس مجرد حرب منفصلة، وما يجري في هرمز ليس أزمة ملاحة بعيدة عن الصراع. القطع كلها أصبحت فوق الطاولة نفسها. غزة تبحث عن مستقبلها بعد الحرب، والضفة تتغير على الأرض، والمستوطنات تتمدد، وإسرائيل تستعد لانتخابات في توقيت بالغ الحساسية، وإيران أصبحت جزءًا مباشرًا من الحسابات الأمنية، وهرمز يتحول إلى ورقة ضغط اقتصادية، وباب المندب يظل نقطة حساسة في أمن البحر الأحمر، ومصر تقف عند نقطة التقاء هذه الدوائر كلها. لهذا فإن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يشغل المنطقة ليس فقط: من سيحكم إسرائيل بعد الانتخابات؟ بل ماذا سيفعل من سيشكل الحكومة؟ هل ستكون الانتخابات بداية لمراجعة سياسية تفتح الباب أمام مسار تفاوضي جديد؟ أم ستستخدم الحكومة المقبلة الوقائع التي صنعتها الحرب والاستيطان لتثبيت واقع جديد؟ وهل يمكن أن تتراجع إسرائيل عن مسار يجعل قيام الدولة الفلسطينية أكثر صعوبة؟ أم أن ما يحدث في الضفة اليوم هو محاولة لصناعة واقع يصبح تغييره في المستقبل أكثر تكلفة وتعقيدًا؟ إن أخطر ما في المشهد الحالي أن تتحول الانتخابات من مناسبة لاختيار حكومة إلى وسيلة لتثبيت وقائع على الأرض قبل أن يبدأ الناخبون أصلًا في التصويت. فالانتخابات يمكن أن تغير الحكومة، لكن الخرائط التي تُرسم على الأرض قد تحتاج إلى عقود لتغييرها. وهنا تحديدًا تتجاوز قصة المستوطنات حدود الانتخابات الإسرائيلية. إنها قصة الأرض التي تُعاد صياغتها بينما يتحدث السياسيون عن السلام، وقصة الضفة التي تتغير بينما تنشغل شاشات العالم بغزة، وقصة صراع فلسطيني إسرائيلي أصبح جزءًا من مواجهة إقليمية أكبر، وقصة شرق أوسط قد يعاد تشكيل موازين قوته من خلال الحروب والممرات البحرية والطاقة والتحالفات، بينما تظل القضية الفلسطينية تبحث عن مكانها في هذا المشهد المتغير. وربما يكون السؤال الأكثر إلحاحًا بعد كل ذلك: هل ستقود إعادة ترتيب القوة في المنطقة إلى إعادة فتح الطريق أمام تسوية سياسية حقيقية، أم أن المنطقة تتجه إلى مرحلة جديدة من إدارة الصراع بدلًا من حله؟ فكلما اتسعت الحرب، ارتفعت كلفتها، وكلما ارتفعت الكلفة زادت الحاجة إلى التسوية، لكن التسوية الحقيقية لا يمكن أن تكون مجرد هدنة جديدة أو اتفاق أمني مؤقت. التسوية الحقيقية تبدأ من معالجة أصل القضية.

ومن هنا تصبح الانتخابات الإسرائيلية المقبلة أكثر من مجرد تغيير محتمل في أسماء الحكومة. إنها لحظة اختبار لمسار كامل، اختبار لما إذا كانت إسرائيل ستذهب نحو إعادة إنتاج الحرب بأدوات جديدة، أم ستفتح الباب أمام مسار سياسي مختلف، واختبار لقدرة المجتمع الدولي على منع تحول الاستيطان إلى واقع نهائي، واختبار لقدرة المنطقة على الانتقال من منطق إدارة الأزمات إلى منطق معالجة أسبابها.

أما السؤال الذي سيظل مفتوحًا، وربما يكون الأهم في السنوات المقبلة، فهو ليس من سيجلس في مكتب رئيس الحكومة الإسرائيلية، وإنما: أي شرق أوسط سيخرج من كل هذه الحروب؟ وأي فلسطين ستبقى بعد أن تنتهي الانتخابات وتُغلق صناديق الاقتراع؟


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

نقيب أصحاب المعاصر يكشف عن سعر تنكة زيت الزيتون للموسم المقبل

بالصور .. أردنيون يعبرون عن استيائهم: أوقفوا المجزرة .. ما القصة

تفاصيل وفاة طالب اليرموك الإندونيسي .. قطار يجر سيارته مئات الأمتار

للمرة الرابعة في 2026 .. ارتفاع مرتقب على أسعار السجائر

فيديو "البقرة الراقصة" وتذاكر بـ425 دينارا .. ماذا كسبت العقبة من حفل عمرو دياب؟

إصابة 9 طلبة إثر انقلاب حافلة مدرسية في لواء بني كنانة

16 عاما من الانتظار .. انتهت بوفاة أماني الحجيجي

حادث مروع على شارع البترا بإربد .. فيديو وصور

مسيّرة حوثية باتجاه مكة .. الدفاعات السعودية تعترضها وتدمرها

عرض مغرٍ انتهى بخسارة أمواله .. قصة احتيال تحولت إلى كابوس .. تحذير أمني

الجيش يعلن عن منح هندسية في أمريكا .. التفاصيل والشروط

مشاجرة في إربد تنتهي بطعن لاعب الحسين إربد وشقيقه .. التفاصيل

كاميرات جديدة تراقب شوارع الأردن .. هذه المخالفات تحت الرصد

بالفيديو .. سرقة عجل من مركبة في الحصن

قصتان صادمتان تعيدان ملف حقوق الرجل بعد الطلاق إلى الواجهة في الأردن