«حياد» لبنان إلى الانقسام الواضح حول إسرائيل

«حياد» لبنان إلى الانقسام الواضح حول إسرائيل

08-08-2026 03:00 AM

موضة مستجدة في استهلاكيات الخطاب اللبناني أنه «ليس لدى إسرائيل أطماع في لبنان». الاستدلال يبنى هنا على استدخال مفهوم «أرض إسرائيل» كما أعادت انتاجه الحركة الصهيونية. فبما أن لبنان ليس جزءا من هذه «ارتس» إذا لا أطماع لإسرائيل فيه. هذا مع أن المفهوم الصهيوني لـ «أرض إسرائيل الكاملة» ليس محل إجماع جامد، بل خضع تاريخياً لتأويلات جغرافية متعددة تتسع وتضيق بحسب موازين القوى. بقيت حدود هذه الأرض مطاطية. إذ تضمنت المطامع المبكرة للمنظمة الصهيونية المطالبة بجنوب لبنان حتى نهر الليطاني باعتباره حيوياً للمياه والطاقة، وهو ما يتجاوز التفسيرات التوراتية الضيقة. لكن المشكلة لا تنحصر بتجاهل هذا البعد التاريخي، ولا بسجل كامل من الاستهتار الإسرائيلي باتفاق الهدنة مع لبنان في الخمسينيات والستينيات، بدءا من شل وتعطيل لجنة الهدنة المشتركة، والتوغل في القرى، وتدمير الأسطول الجوي المدني في مطار بيروت 1968، ولا في أن إسرائيل هي التي أعلنت عقب حرب يونيو 1967، وبشكل أحادي الجانب سقوط اتفاقيات الهدنة مع الدول العربية، بما فيها لبنان، الذي لم يشارك في تلك الحرب ولم يكن قد استقبل العمل الفدائي على أرضه بعد. إنما المشكلة الأساسية، المنطقية والذهنية، فتكمن في استدخال المفهوم الصهيوني حول أرض إسرائيل في إطار السجال اللبناني – اللبناني. فهذا الاستدخال يمثل ذروة الاستلاب المعرفي كما السياسي. يجرد الدولة اللبنانية من حقها البنيوي في القلق والتحوط الأمني ضد جار توسعي وهيمني بطبيعته. يعتمد هذا الخطاب على «تفصيل» طبيعة إسرائيل الليكودية عسكرياً وإيديولوجياً بما يناسب فانتازيا «سلام لاسلامي آخر». يتعامل مع إسرائيل بشكل غيبي سحري. يراد إظهارها أن أسلوبها تجاه الفلسطينيين لا ينبغي أن يقيس عليه اللبنانيون أمورهم. كما لو أن ما تقوم به حيال الفلسطينيين «تعنيف منزلي» لا مجال للتوقف عنده في سوق المعاملات اللبناني الإسرائيلي المشترك. لا تريد إسرائيل لبنان المحايد، إنما لبنان الحليف في إطار تحالف لامتكافئ معه. وهذا ما يكابر عليه تقريبا كل الطيف المؤيد لاتفاق الإطار اللبناني الإسرائيلي الحالي سوى الأكثر يمينية منهم ممن يسلّم أنه بالفعل لا استقرار وازدهار في لبنان من دون ارتضائه بلعب دور الأخ الأصغر للدولة العبرية. أما أكثر مؤيدي اتفاق الإطار فهم من دعاة «تحييد لبنان عن نزاعات المنطقة» سابقا الذين يرون أنه بسبب سياسات وحروب إسناد حزب الله توجب عليه الانتقال من «تحييد» مع التزام بأن لبنان هو آخر من يوقع إلى التطلع إلى تصفية النزاع مع إسرائيل بسرعة وبالكامل.
هذا الاطمئنان الزائد عن حده في نفي «الطمع» الإسرائيلي بأي بقعة تراب من لبنان يثقل على مسار المفاوضات. يجعل الجانب اللبناني يخوضها من الأساس من دون منظار ينطلق من لحظ سمات غالبة في توجهات إسرائيل بحد ذاتها. يحل بدل ذلك التعليل التالي: نحن مضطرون للمفاوضات المباشرة وتصفية النزاع معكم خاصة وأن حزب الله اختطف نزاعنا معك وأداره لحسابه. عندما يبدأ الطرف اللبناني من فرضية أن «إسرائيل لا تريد شيئاً من أرضنا»، فإنه يقزّم الخلاف الى مجرد سوء تفاهم تفصيلي.
لا يلغي كل هذا فداحة ما قام به «حزب الله» حين فرض على بقية اللبنانيين الدخول في الحرب الحالية. لقد لعب الحزب مطورا على وتر الميثاقية اللبنانية. يحبذها حين تحلو له ويدير لها ظهرها حيث لا تروق له. وهذا أوجد في وقت واحد انقساما مجتمعيا غير مسبوق، وانسداد قنوات التواصل والتحاور الداخليين كما لم يحدث من قبل، وأوجد وضع يضعف قدرات الدولة اللبنانية على التفاوض، لكن كل ذاك لا يعدم في المقابل أن ثمة عناصر من التهور والشطط لا يمكن أن تفسر بحزب الله وحده. ومنها مقولة «لا أطماع لإسرائيل في لبنان».
شجب خطيئة التفرد بقرار الحرب يفترض ألا تعني أبداً تبني قراءة خبيثة تبرئ إسرائيل من مطامعها الجيوسياسية: لبنان الملحق بها. على العكس تماماً، فإن الانقسام الداخلي الحاد وغياب الرؤية الوطنية الموحدة هما التسهيل الأكبر الذي يستغله الخصم الخارجي لفرض شروطه وقضم الحقوق اللبنانية على طاولة المفاوضات. فالأهداف العسكرية الحالية تتجاوز تفكيك حزب الله، ليس لأن إسرائيل تريد ضم أرض لبنانية رسميا إليها، بل لأن شرطها لاستمرار لبنان موحد هو أن يكون بكليته حليفا له، يتماهى معها، وإلا فلا داعي للبنان الموحد.
لقد غادر لبنان في الأشهر الماضية معزوفة أنه سيكون «آخر بلد يوقع السلام» مع إسرائيل. وسوغ ذلك بأنه كان في غنى عن القيام بذلك لو امتنع الحزب عن دخول الحرب. فبعد طول أخذ ورد حول قرار الحرب والسلم في البلد ظهر أنه إذا كان الحزب يجيّر لنفسه حق شن الحرب فأخصامه يوظفون حق إبرام السلام. يعكس هذا الانقسام عمق الفجوة بين رؤيتين للبلد والإقليم. في الوقت نفسه كل طرف يميل إلى نفي الطابع المجتمعي للانقسام على طريقته. كما لو أن الانقسام حول «مسألة إسرائيل» ليست له حيثية قائمة بذاتها في السياق اللبناني ولا يمكن أن تختزل إلى تفريعات وتداعيات انقسامات أخرى.
لقد انتقل اللبنانيون من بحث عن ملتقى تحت عنوان «حياد» لبنان إلى الانقسام الواضح فيما بينهم حول إسرائيل. هناك من يرى في إسرائيل خطرا وجوديا، وهناك من يرى فيها ضمانة وجودية، وهناك من يراها تهديدا وجودية وضرورة في الوقت نفسه. وهذا غيض من فيض يقودنا الى مشكلة كيانية لبنانية مكبوتة.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

بعد انتشار فيديو مؤثر لها .. آخر تطورات قضية نور برغل

122 موقعاً مزيفاً تنتحل مؤسسات أردنية .. تقرير رسمي يكشف أخطر أبواب الاختراق

النواب يقر 27 مادة .. والحكومة توضح تعديلات تملك غير الأردنيين

فيديو يهز إربد .. سائق يفر بعد الاستيلاء على 50 ديناراً وشاب يسقط أرضاً خلال مطاردته

نور برغل .. ماذا بعد عطوة الاعتراف وكيف سيحدد القضاء التهمة؟

احتراق 3206 مركبات في الأردن خلال عامين

قطعت جثة والدتها ووضعت رأسها بالثلاجة لأنها أفشلت زيجاتها

هزة أرضية تضرب مصر ويشعر بها سكان العقبة

لديك مخالفات سير؟ تعرّف من يشمله خصم الـ30% وكيف يُحتسب المبلغ

تفسير رؤية الخنزير في المنام

تعديلات قانون الجامعات الأردنية تدخل حيز التنفيذ

إيران تحدد أهدافاً عربية إذا هاجمت أمريكا منشآت الطاقة

كم دقيقة يستطيع الإنسان تحمل الشمس عند 38 أو 40 درجة مئوية؟

شاهد .. ضحية الكريستال: المخدر شيطان دمّر حياتي

15 حالة إصابة بتسمم غذائي في الهاشمية والزرقاء تغلق مطعماً احترازياً