هل يغير صعود التقدميين سياسة أمريكا الخارجية؟

هل يغير صعود التقدميين سياسة أمريكا الخارجية؟

17-08-2026 12:18 AM

استكمالا لمقالي الأسبوع الماضي: «صعود التقدميين يقلب الطاولة على النظام الأمريكي»-أتساءل كيف يؤثر فوز عبدالرحمن السيد ومرشحي تياره التقدمي-الاشتراكي، وهزيمتهم مرشحي مؤسسة الحزب الديمقراطي المنافسين مثل هايلي ستيفنيز في مشيغان وفوز فلانغان بترشح الحزب الديمقراطي لمنصب سناتور من ولاية منيسوتا برغم معارضتها للوبي الإسرائيلي وحروب وسياسة إسرائيل، وهزيمتها منافستها المدعومة من اللوبي-الأمريكي-الإسرائيلي. لتنضم إلى عبدالرحمن السيد، بتعزيز مكانة وثقل التقدميين؟! وسبق ومهد لذلك الفوز التاريخي لزهران ممداني بمنصب عمدة نيويوك-وارتفاع عدد المرشحين التقدميين والاشتراكيين الديمقراطيين في الانتخابات التمهيدية وزيادة أعدادهم بسبب قبول طرحهم بملامسة المطالب الشعبية ومحاربة المال السياسي واللوبيات.
يعزز ذلك التوجه شخصيات مخضرمة ومؤثرة كالسناتور بيرني ساندرز ونواب تقدميين: ألكسندرا كورتيز ورشيدة طليب وإلهان عمر ورو خانا. إضافة لفوز مرشحين اشتراكيين في عدة ولايات في انتخابات الحزب الديمقراطي التمهيدية في نيويورك وكولارادو ومنيسوتا وغيرها. وخاصة في ولايات متأرجحة (ميشغيان ومنيسوتا) لانتزاع الحزب الديمقراطي الأغلبية الضئيلة من الحزب الجمهوري. وبالتالي تقييد صلاحيات وأجندة ترامب وتجاوزاته وكسر هيمنته على النظام السياسي الأمريكي.
والسؤال» هل تنجح عقيدة التقدميين والاشتراكيين بتشكيل تحالف فعال وزيادة عدد المشرعين الأمريكيين في مجلسي النواب والشيوخ، بالدفع بمقاربات جديدة ومختلفة والتعامل بعقلانية وواقعية، بتقييد تهور ترامب، وبالاحتكام للدستور وصلاحيات الكونغرس بإعلان الحرب؟ وبمنع حروب دون تفويض ومصادقة الكونغرس؟! وآخرها التعثر وفشل الحرب على إيران بتحقيق أهدافها، بل باتت تهدد الأمن الأمريكي وأمن واستقرار الحلفاء.
يعزز ذلك التوجه تصاعد خطاب ناقد وجريء داخل المؤسسة الحزبية والسياسية والشعبية الأمريكية يرفض ويعارض سياسات ارتكاب إسرائيل جرائم حرب، وحروب اليمين الصهيوني المتطرف. ورفض المشاركة وتمويل الحروب التي تزج الولايات المتحدة فيها. وتحول انتقاد إسرائيل ونتنياهو والتمرد على اللوبي الأمريكي-الإسرائيلي المتنفذ، لظاهرة ملفتة في النظام السياسي الأمريكي.
ويشكل الدفع بمبادئ عقيدة التقدميين والاشتراكيين بتقييد خوض حروب، ووضع شروط واضحة لتقديم الدعم العسكري والمالي للحلفاء وخاصة لإسرائيل تحولاً مهما. وكذلك تطبيق «قانون ليهي» بحظر تزويد صفقات أسلحة للدول التي تستخدم السلاح الأمريكي لقتل المدنيين والأبرياء-كما تفعل إسرائيل في غزة ولبنان وعدوانها المستمر على سيادة الدول العربية. ما يبرر حظر تزويد إسرائيل بالسلاح الهجومي والدفاعي معاً. كما يطالب عبدالرحمن السيد فلانغان. ما سيشكل تحديا للنظام الأمريكي. وكذلك رفض الانجرار لحروب بتحريض وخدمة لأجندة اليمين الإسرائيلي بقيادة نتنياهو وحكومته المتطرفة. والتمييز بين رفض دعم نتنياهو وأجندته المتطرفة وبين الالتزام بدعم إسرائيل، وصولاً للمطالبة بفرض عقوبات على وزراء متطرفين وقيادات المستوطنين الذين يرهبون ويهاجمون الفلسطينيين في الضفة الغربية تحت غطاء حكومي، وصولا إلى مقاطعة البضائع المصنعة والمنتجات الزراعية في المستوطنات غير الشرعية.
ويشجع ذلك التوجه شخصيات بارزة وتقدمية مثل زهران ممداني ينتقد ويصف علناً نتنياهو بـ»مجرم حرب»-والتجرؤ بالتهديد باعتقاله إذا شارك باجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر القادم-قبل أن يتراجع عن قراره بسبب
محدودية صلاحياته باعتقال نتنياهو. لكن دون أن يخشى ملاحقته بتهم معلبة بـ»العداء للسامية»-والعداء لإسرائيل.
وذلك يفرض ضغوطاً على نتنياهو وحكومته. وقد يقود لخسارته وائتلافه انتخابات الكنيست في أكتوبر القادم. ونهاية نتنياهو السياسية ومغادرته المسرح السياسي إلى الأبد- وربما حتى محاكمته وسجنه.
كما قد يدفع المشرعون التقدميون والاشتراكيون-لإنهاء الحرب على إيران برفض الاستمرار بحرب بلا أفق ولا تخدم مصالح أمريكا-بجمودها وإغلاق مضيق هرمز ورفع أسعار النفط والوقود وبالتالي كلفة المعيشة على الأمريكيين العاديين-دون أن تخدم مصالح أمريكا وأمنهم. ولذلك سيسعى الجناح التقدمي-الاشتراكي بدعم من النواب الديمقراطيين التقليديين-الضغط على ترامب وإدارته للحصول على تفويض من الكونغرس وتقديم مبررات مقنعة لإنهاء الحرب، وعدم شن حروب قبل استنفاد فرص الدبلوماسية. وبتقييد ميزانية الدفاع ووضع أمريكا ومصالحها أولاً. وليس إسرائيل أو غيرها أولاً!!
يعزز تقاطع أجندة وعقيدة التقدميين-الاشتراكيين مع مبادئ حركة «ماغا»-المحافظة- قاعدة ترامب الشعبية اليمينية-(لعبت دوراً رئيسيا بنحاح ترامب بانتخابات الرئاسة مرتين)، برفض الحروب الخارجية والخضوع للوبي الإسرائيلي- نجاح تطبيق أجندتهم المشتركة. ونجاحهم بتجنب التصعيد غير المحسوب العواقب-كما في حربي غزة وإيران. وبالتالي نزع تهديد إيران للأمن الخليجي، بالانتقام باستهداف منشآت النفط والغاز ومحطات الكهرباء وتحلية المياه والمطارات الخليجية. وبالتالي ستقود سياسات ومواقف التقدميين-الاشتراكيين للتهدئة وتنعكس إيجابا على الأمن الخليجي.
خاصة بتبني مبادئ وأفكار التقدميين بمعارضة الحروب المفتوحة التي تشنها إسرائيل وإدارة ترامب على إيران-وتفضيل الدبلوماسية. ما يعزز دور الوسطاء وعلى رأسهم قطر وعمان والسعودية بدعم خليجي، لأنهم أقرب إلى العقلانية والواقعية. وذلك بالدفع بحل القضية الفلسطينية ورفض تحكم اللوبي الإسرائيلي بسياسات الولايات المتحدة في الشرق الأوسط. ومعارضة الحرب على غزة وإيران.
وهذا سيدفع إلى عقلنة وترشيد السياسة الخارجية والأمنية الأمريكية؟ وبالتالي سيساهم بوضع حد وفتح لجان تحقيق لإنهاء الحروب على إيران، وعلى غزة ولبنان، ويعزز الأمن الإقليمي والخليجي-خاصة برحيل نتنياهو وزمرته المتطرفة بخسارة انتخابات الكنسيت. بالمحصلة-نحن أمام ما قد يكون مرحلة سياسة ومقاربات أكثر عقلانية واعتدالاً، والابتعاد عن التصعيد والحروب لخدمة أجندة غير واقعية.
ولذلك أنصح صناع القرار في دولنا الخليجية بفتح قنوات اتصال مع قيادات التيار التقدمي-الاشتراكي، والتأكيد على أهمية الدعم الأمريكي للأمن الخليجي والحلفاء الخليجيين وربط ذلك الدعم بأهمية أمن الملاحة في الخليج العربي والبحر الأحمر ومضيق هرمز وباب المندب. والتأكيد على المصالح المشتركة بإبقاء أسعار النفط معتدلة وبالتالي أسعار الوقود وكلفة المعيشة.
كما يجب التأكيد على احتواء إسرائيل، والتهدئة والضغط لمنع تصعيد إيران بتحريك أذرعها ووكلائها في اليمن والعراق، بالاعتداء على دولنا الخليجية وتهديد أمننا. وهذا يعزز الأمن الخليجي والمصالح المشتركة مع الولايات المتحدة.

٭ أستاذ في قسم العلوم السياسية ـ جامعة الكويت



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد