تمثل التقاليد والوعي بالأصول
23-08-2026 03:41 PM
التقليد الشعري هو منوال فني، يتشكل من تكرار تجربةٍ فرديةٍ، يُمارسها شاعرٌ واحدٌ في البداية ثم بالمداومة الزمكانية عليها، تتحولُ التجربة إلى ممارسة ثم تصير الممارسة مساراً أو نهجاً. يتحولُ بالتدريجِ في المحاكاة إلى استعمالٍ جماعي، يتقيدُ به الشعراءُ لكن من دون اتفاقٍ أو إجماعٍ سابقٍ بينهم على استعماله، وإنما هي مواضعاتُ الأصل الذي إليه استند تشكل ذلك التقليد.
والمؤشرُ على وجود التقاليد هو فاعليتها الفنية المستمرة في الانتقالِ عبر الأجيال الشعرية، محافظةً على جذوةِ ممارستها الأولى من دون ذواءٍ أو نفاذٍ أو تصادٍ. والجذوةُ هي التي منها يستمدُ الشعرُ تاريخه. وما من تاريخ ٍشعري بلا تقاليد، يقرُّ بها أهلُ لغة ما من اللغات. والأدبُ الذي يفتقرُ إلى الأصولِ لا تاريخَ له، ومن ثم لا تقاليدَ يمكن له أن يدعيها. ذلك أن التقاليد الشعرية لا تنشأُ من تلقاءِ ذاتها، إنما هي حصيلة ما تأصلَ وتجذَّرَ كأرضيةٍ عليها تنشأ التقاليدُ، وتُعرفُ وتترسخُ في التاريخ الأدبي.
والفرق كبير بين التقليد والمحاكاة، لأنَّ الأول جماعي في طبيعة معماره. أما الثانية فمتغيرة تبعا للفاعلية الفردية في توظيف المخيلة. وكل تقليد يقتضي المحاكاة، لكن ليست كل محاكاة مرهونة بالتقليد. وهنا مكمنُ الإجادة في إتباع التقاليد، ومن خلال ذلك يتضحُ مدى نضج التجربة الشعرية. وتنحصر تقاليدُ القصيدة العربية في مسائل البناء والتركيب الفنيين، ومنها: (الالتزام بالتجنيس العمودي أو التفعيلي، التكرار، السرد القصصي، السخرية، الدرامية، الاقتباس، التضمين، التناص، الترميز، تفصيح الشعبي، الفلكورية، تبديل الضمائر، التدوير). ووفقا لطبيعة الانتقاء من هذه التقاليد، يكون البناء الشكلي للقصيدة، ويتحدد محتواه الموضوعي. ولقد سمى المرزوقي التقاليد «عمود الشعر» وأكد أنَّ من لزِم عمودَ الشعر، وبنى شعرَهُ عليه فهو المفلقُ المعظمُ والمحسنُ المقدمُ.
وإذ اشترطَ النقادُ القدماء على الشاعر تمثُّل التقاليد، فإنَّ من المتعارف عليه أنَّ هذا التمثل إنما ينبني على وعي حقيقي بالأصول. ولا يُكتسبُ هذا الوعي سوى بالمران على التقاليد التي توصل إلى إجادة قول الشعر. وما بين الوعي بالأصول والتمرن على التقاليد، تتشذبُ الموهبة وتتدربُ الذائقةُ، فيكون الشاعرُ متمتعاً بهما بشكل غير واعٍ. والغالبُ على الشعراءِ البارعين في قول الشعر الجيد، أنّهم لا يعرفون كيف ينقدونه، والقليلُ جداً هم أولئك الشعراء الذين يعنيهم نقدُ الشعر ومدارسة فنونه.
ولقد اعتنى النقادُ العربُ القدماءُ بدراسة التقاليد، وأخضعوها للتحليل الأدبي، واستخرجوا منها أسسَ الصنعةِ الشعريةِ، وحددوا الضوابطَ التي بها يتميزُ الشعر عن النثر. وتلك التي بها يتميزُ جيد القول من رديئه. وكانت لكل ناقد منهجيته في الفحصِ والتقييم. هذا فضلا عن قيام الشعراءِ أنفسهم بنقدِ الشعر، وتبيان المفاصل الخاصة بكتابته أو إنشاده كما فعل ابن المعتز وابن طباطبا وغيرهما. واعتنى قسمٌ ثانٍ من الشعراء بجمع المختارات الشعرية وشرحها. وعُني قسمٌ ثالثٌ منهم بنقد أشعارِ غيرهم كما فعل أبو العلاء المعري مع ديوان المتنبي، فوضع تخريجاتهُ اللغوية لبعض الألفاظ، وأدلى بحكاياتٍ لها صلة بأشعار بعينها. وينسبُ إلى المعري شرحُ مختارات أبي تمام المسماة ديوان الحماسة. وليس الديوانُ مجردَ كتابِ مختاراتٍ، بل هو رهانُ براعة أبي تمام في نبش التاريخ الشعري بحثاً عما يدلُّ على قواعدِ القصيدة العربية حتى قيل إنَّ أبا تمام في اختياراته أشعرُ منه في شعره. وفي هذا القول إشارةٌ إلى أنَّ المختارات عملٌ فني، لا يقلُّ في أهميته وضرورته عن قولِ الشعر وإنشاده، فالمختاراتُ تعكسُ نزوعاً نقدياً إلى تأكيدِ أهمية التقاليد.
ويذهب الشاعر أدونيس إلى اعتبار التقاليدِ التي يتبناها النظامُ الشعري ويرثها ويرسخها هي تقاليد السلطة الموروثة. ويعمم هذه التصور على الثقافة العربية برمتها، فيراها «نصوصية أصولية»، وأن حركة التاريخ الثقافي هي مسألة سياسية بحتة، وأن القصيدة الجاهلية أو الشعر الجاهلي بنية تحتية، عليها تتشيد الأنظمة والسلطات والرؤى الشعرية، وتعاد دراستها وتمثيلها على مرِّ العصور. ويحددُ الأصل المؤسس بالعهد النبوي الأول. وعنده لا حداثة إلا بمخالفة ما بناه الشعر من تقاليد؛ فالحداثة «قولُ ما لم تَعرفْهُ موروثاتنا أو هي قبولُ المجهول من جهة، والقبول بلا نهائية المعرفة من جهة ثانية».
إنَّ اعتبارَ السلطة الدينية والتاريخ الثقافي أصلانِ قام الشعر عليهما، يتنافى مع ما لهذا النظام من ضوابطَ، تأسستْ على مدىِ عصور طويلة، وكوَّنت لنفسها سلطةً خاصةً بها هي عبارة عن أصولٍ عليها قامت التقاليد. وبرسوخها تشكلتْ القواعدُ. وهذا هو سرُّ المداومة في النظام الشعري، وليست سلطة التاريخ أو سلطة المعتقد كما يذهب أدونيس. وأيا كانت قوة هذه السلطات، فإنَّ لا قدرةَ لها على مزاحمةِ سلطة الشعر والمتمثلة بنظامه العتيد الذي هو بالمجمل فني تاريخي، ومتحصل من متراكماتِ المنجز الشعري على مرِّ الحقب وعلى اختلاف الموضوعات والأغراض. أما ما يندرج فيها من صراعات وعلاقات، فإنها بالعموم آنيةٌ أو مرحليةٌ، تخدمُ ظرفها وتماشي سياقاته، ولا تؤثرُ في النظام العام للشعر.
ولقد أسقطَ أدونيس فرضيتهُ في وجودِ علاقة بين الشعر وسلطة التاريخ والايديولوجيا عبر ذهابِه إلى فرضيةِ أن «هناك تقليداً أفسد الذائقة الأدبية عند العربي، وشوّه بالتالي نظره إلى الشعر. إنه تقليد السياسة والدولة وصراع الحكم». والقول بوجود فسادٍ في تقليد أدبي أمرٌ لا أساس له من الصحة، لأنَّ الممارسةَ التي يجرِّبها الأديبُ ثم يتبعه الآخرون، لا تكونُ بين ليلة وضحاها، وإنما هي تراكمٌ كمي من الممارساتِ، تنتهي بأنْ تصيرَ تقليداً. وبالتراكمُ والعمق تثبتُ صحةُ التقليد الأدبي، وأن لا خوفَ بعد ذلك من السير عليه وإتباع قواعده.
ولو كان نظامُ الشعر يتأثرُ بسياسة السلطات لما كان للشعر نظامُهُ المتوارثُ، ولما وجد أدونيس نفسه ملزَماً بجمع مختارات الشعر، وسماها «الديوان العربي» ووصفه بـ«المتحف الشعري، يساعد في إعادة الاعتبارِ إلى الشعر كفاعلية إبداعِ أولى في الحياة العربية. ذلك أنَّ دورَه الآن بدأ يتضاءلُ عن مستوى رسالته الأصلية في حياة العرب.. وهذا المتحف التراثي، يدعم إيماننا نحن المؤمنين بضرورة التحول وولادة قيم جديدة، ضد الذين يتمسكون بالتراث حرفا وإعادة واجترارا. فالديوان دليل تراثي على أن الشعر الباقي ليس الشعر الذي يعلَّم أو يكون صدى للأوضاع والظروف الخارجية». وهذا التبريرُ لعملية الجمع هو إحساس صحي وطبيعي، يتولد من الخشية على التقاليد. ولقد تنبَّه المؤرخُ عباس العزاوي وهو يتتبع مصادر نقد الشعر إلى أنَّ للتقاليد أهميةً، جعلتْ الشعراءَ في عصر المغول والتركمان ينظمون المعارضات لما هو شائع من شعر ابن سناء الملك وصفي الدين الحلي. وأكد العزاوي أنَّ الشعرَ في القرون الأربعة الممتدة من العام 1534 حتى العام 1917 «لم يتغير تغيراً كبيراً عن طابعه القديم إنما كان يتجدد في قوته، ويوافق الرغبات في وضعه، ولم يهمل قديمَهُ ولا ترك جديدَهُ. وهذه خصيصة اللغة العربية وحدها. ومن المؤكد أنَّ أعظمَ سائق لها هو الأدب الفياض الموروث».
تصعيد أميركي مرتقب وإيران تستقبل عاصم منير للوساطة
اندلاع حريق بمسجد السلط الصغير دون أضرار بشرية
استشهاد طفل فلسطيني برصاص الاحتلال في مخيم عسكر الجديد
الهاشمية تعلن تأسيس نادي التراث الرقمي
بيان صادر عن أبناء عشيرة المومني
بدايات تبلور معالم إقليمنا المضطرب
زين أول شركة اتصالات تطلق EyeKYC لتسجيل الشرائح ببصمة العين
إلى متى يُترك مقام النبوة مستباحاً لألسنة العابثين؟
بورصة عمّان تبدأ العمل بآلية المزاد لتحديد سعر الإغلاق
المياه: ضبط اعتداءات على خطوط رئيسية بالمفرق والقطرانة والضليل
سياحة الأعيان: ضرورة مواصلة تطوير موقع المغطس ومحيطه
أرض بملايين الدنانير وموظفون بلا دوام .. الحكومة أمام أسئلة حاسمة .. صور
سبب وفاة فؤاد حجازي تهز مواقع التواصل
أمطار صيفية نادرة تفاجئ الشمال .. وهذا ما ينتظر الأردن خلال الأيام المقبلة
77 مليار لتر سُرقت من مياه الأردن .. رقم يفوق سعة سد الملك طلال
قرار في جامعة حكومية يفتح ملف الصلاحيات القانونية
بيان شديد اللهجة من عشائر الخزاعية بشأن عرس مادبا: سنلجأ للقضاء
القبول الموحد يغلق قبل المكرمة .. موعدان مختلفان وخطوة لا يجوز تأجيلها
«خيّي وخيّك» .. اسم مطعم يفتح جدلًا لغوياً وإدارياً في الأردن
وفاة عشريني متأثرًا بإصابته برصاص والده في البلقاء
حقيقة الذهب والكنوز بوادي السير .. الآثار الأردنية تحسم الجدل وتوجه رسالة للبحيشة
من 50 إلى 300 دينار .. أجور الإتلاف تقفز 500% ومكافآت جديدة
بعد سرقة 77 مليار لتر في الأردن .. فتوى تحسم الحكم الشرعي
بعد تصريحاتها المستفزة تجاه الأردن .. زوجة مسلّم تتصدر المواقع مجدداً



