من 18 دينارا في الإذاعة إلى السينما العربية .. قصة فؤاد حجازي حتى الرحيل
22-08-2026 06:06 PM
عمّان - السوسنة - انتهت عصر السبت في مدينة الحسين الطبية رحلة الفنان فؤاد حجازي، الذي توفي عن عمر ناهز 75 عامًا، وفق ما نشرته "السوسنة"، لتغلق بذلك صفحة فنان ارتبط اسمه بالأغنية الأردنية منذ ستينيات القرن الماضي، ولم يبق داخل حدود الغناء وحدها؛ فقد مر بالإذاعة والسينما والتلفزيون وأغنية الطفل، ووقف على مسارح عربية إلى جانب أسماء كانت في ذروة حضورها.
بين بعلبك، حيث ولد، وعمّان التي احتضنت جزءًا كبيرًا من تجربته، مرت حياة حجازي بمحطات يصعب اختصارها في قائمة أغنيات. كان في السادسة عشرة تقريبًا عندما لفت صوته انتباه فنانة لبنانية، وفي السابعة عشرة -بحسب روايته الشخصية- كان داخل الإذاعة الأردنية موظفًا في قسم الموسيقى، قبل أن يدرس الفن في سورية ويظهر لاحقًا في أفلام عربية ويعود مرارًا إلى الأغنية الأردنية التي التصق بها اسمه.
لكن سيرة الرجل تحمل أيضًا مفارقة توثيقية تستحق التنبيه منذ البداية: خبر وفاته المنشور اليوم يحدد عمره بنحو 75 عامًا، فيما قال حجازي نفسه في مقابلة صحفية إنه كان في السابعة عشرة عندما عُيّن في الإذاعة الأردنية سنة 1965. الرقمان لا ينسجمان حسابيًا، ولم نعثر على تاريخ ميلاد رسمي موثوق يحسم المسألة؛ لذلك لا يصح استنتاج سنة ميلاده من أي منهما. وهذا تحديدًا أحد الفوارق بين استعادة سيرة فنان وبين إعادة نسخ ما تراكم عنه في الإنترنت.اي العمر وفق تصريح الفنان الراحل حجازي يكون 78 عاما بدلا من 75 عاما.
من بعلبك بدأت الحكاية
تضع المصادر الفنية مولد فؤاد حجازي في مدينة بعلبك اللبنانية، فيما وصفته "الغد" بأنه فنان أردني من أصول لبنانية. وهذه الصيغة تبدو أكثر دقة في قراءة تجربته: جذوره وولادته في لبنان، لكن القسم الأكبر من حضوره الفني الطويل ارتبط بالأردن وأغنيته وإذاعته ومناسباته الوطنية.
كان الصوت موجودًا في البيت قبل أن يصبح مهنة. في حديث مطول لـ"الغد"، روى حجازي أن والده كان مهندسًا زراعيًا يتمتع بصوت جبلي، وأنه ورث عنه موهبته، لكن الأب لم يكن متحمسًا لأن يدخل ابنه عالم الفن. على الطرف الآخر، كانت والدته أكثر إيمانًا بقدراته وتشجيعًا له.
ثم ظهرت في القصة الفنانة اللبنانية عيدة فؤاد. كان حجازي في السادسة عشرة، وفق روايته، عندما اكتشفته وعرضت عليه السفر بصحبة فرقتها إلى رام الله في فلسطين. ومن تلك السن المبكرة أخذ الغناء يتحول من موهبة فتى إلى طريق حياة.
وقبل الأردن، مر بالإذاعة اللبنانية وغنى على مسارح لبنان. ويروي أنه قدم الطرب في "كازينو فريد الأطرش" إلى جانب أسماء من بينها صباح وسميرة توفيق، ثم انتقل إلى الإذاعة اللبنانية وعمل في محيط موسيقي ضم حليم الرومي وتوفيق الباش وغيرهما، وقال إنه صُنّف هناك مطربًا من الدرجة الأولى. وهذه التفاصيل تظل شهادة حجازي عن بداياته كما رواها بنفسه، وليست سجلًا وظيفيًا مستقلًا عثرنا عليه.
لكن عام 1965 سيأخذ القصة إلى مكان آخر.
حفلة في الأردن.. ثم وظيفة بـ18 دينارًا
قدم فؤاد حجازي حفله الأول في الأردن عام 1965. وكان ما يزال، بحسب وصفه لتلك المرحلة، فنانًا صاعدًا يبحث عن طريقه.
ما حدث بعد الحفل ظل حاضرًا في ذاكرته لعقود.
يروي حجازي أن زيارة للأمير نايف إلى مبنى الإذاعة انتهت بتوصية إلى مديرها آنذاك ساري عويضة بتعيينه. ويقول إنه كان في السابعة عشرة، وإن راتبه الشهري عند دخوله الإذاعة بلغ 18 دينارًا.
كان مدير قسم الموسيقى في ذلك الوقت الموسيقار جميل العاص، الاسم الذي يصعب فصل البدايات الأردنية لفؤاد حجازي عنه.
وتذهب مادة أرشيفية أخرى لـ"الغد" إلى وصف العاص بأنه أول من تنبه إلى صوت حجازي وأخذ بيده وأوصله إلى الإذاعة. أما حجازي نفسه فكان يعده من أوائل الذين التفتوا إلى موهبته.
عمل الشاب في قسم الموسيقى نحو أربع سنوات، ثم غادر الإذاعة وبدأ العمل الفني الحر.
ومن تلك الغرفة الإذاعية خرجت إحدى أغنياته الأولى، "منديلو وينو"، التي قال إنها كانت أولى أغنياته في الإذاعة الأردنية، بلحن جميل العاص وكلمات أحمد عادل. وتلتها سنة 1966 أغنية "على الميدان يا ابن الأردن".
كان الراديو في تلك السنوات مساحة مركزية لصناعة الأغنية وانتشارها، وهكذا بدأت علاقة حجازي بالأغنية الأردنية مبكرًا، قبل أن تتسع تجربته إلى ألوان أخرى.
من الموهبة إلى الدراسة في سورية
لم يكتف حجازي بما اكتسبه على المسرح وفي الإذاعة. بعد تجربته الأردنية الأولى، اتجه إلى سورية لدراسة الفن.
وفي شهادته، قال إنه أمضى خمس سنوات في المعهد الفني، وتحدث عن أثر التجربة السورية في تكوينه، وعن تقديمه أعمالًا على مسرح سينما الزهراء.
كانت سورية أيضًا بوابته إلى تجربة أخرى بعيدة نسبيًا عن صورة المطرب الذي عرفه الجمهور الأردني: السينما.
والتوثيق السينمائي المتاح يحسم على الأقل مشاركته في فيلمين.
الأول "رحلة عذاب" عام 1972، وهو إنتاج مصري سوري، وظهر فيه إلى جانب ناهد شريف وتوفيق الدقن وزياد مولوي وأديب قدورة وآخرين. وتسجل قاعدة السينما.كوم فؤاد حجازي صراحة ضمن طاقم التمثيل.
ثم جاء "بنات للحب"، الذي تسجله قاعدة السينما.كوم ضمن أعماله لعام 1974، وأدى فيه شخصية تحمل اسم "حجازي"، إلى جانب نيللي وأحمد رمزي ومحمد رضا وأديب قدورة ومها الصالح وعدد من الفنانين. وصُورت مشاهده في مناطق سورية بينها اللاذقية وكسب ورأس البسيط.
وتنسب بعض السير إلى حجازي أفلامًا أخرى، ومنها "حبيبي مجنون جدًا" مع زبيدة ثروت، كما تحدثت مواد صحفية عن مشاركات مع مديحة كامل. لكن الفيلموجرافيا الموثقة باسمه في السينما.كوم تحصر قائمة تمثيله المسجلة في "رحلة عذاب" و"بنات للحب"، ولهذا تبقى المشاركات الأخرى بحاجة إلى توثيق مستقل قبل التعامل معها كحقائق محسومة.
أكثر من لون في صوت واحد
عاد فؤاد حجازي مرارًا إلى المساحة التي عرفه الجمهور من خلالها أكثر: الغناء.
لم يلتزم بلون واحد. أرشيفه الذي تتحدث عنه المصادر يمر بالأغنية الوطنية والعاطفية والشعبية وأغنيات الأطفال والابتهالات الدينية.
كما أن موقع وزارة الثقافة، في تأريخه للفنون في الأردن، يضع اسم فؤاد حجازي ضمن الفنانين الذين تغنوا بالتراث الشعبي الأردني، إلى جانب أسماء أردنية وعربية كبيرة حملت هذا التراث خارج حدوده المحلية.
وعمل خلال مسيرته مع عدد واسع من الملحنين. من الأردنيين جميل العاص ومحمد وهيب وروحي شاهين وكرامي حداد وإميل حداد، ومن الملحنين العرب محمد الموجي وإبراهيم جودة وأمين الخياط وإلياس الرحباني.
وتوجد شهادة مستقلة تعزز بعض هذه الصلات؛ فالموسيقار روحي شاهين، في حديث لوكالة الأنباء الأردنية "بترا" عن تجربته، وضع فؤاد حجازي ضمن المطربين الأردنيين الذين قدم لهم ألحانًا، إلى جانب إسماعيل خضر ومحمد وهيب وصبري محمود وغيرهم.
ومن الأعمال الوطنية التي تحدث حجازي بنفسه عنها "عاش الوطن يا سيدي" و"أردن لعينيك نحيا يا أرض الثورة العربية". وكانت لديه رؤية واضحة لما ينبغي أن تكون عليه الأغنية الوطنية: رفض أن تتحول إلى مشروع تجاري، وانتقد التكرار في الكلمات والموسيقى، وكان يرى أن قيمة هذا اللون تبدأ من الكلمة واللحن والمشاعر الصادقة.
وربما تكشف تلك الآراء شيئًا من علاقة أبناء جيله بالأغنية أكثر مما تكشفه قوائم الأعمال نفسها؛ فالإذاعة بالنسبة إليهم لم تكن مكان بث في نهاية عملية الإنتاج، وإنما المكان الذي تصنع فيه الأغنية، وتلتقي داخله الكلمة واللحن والفرقة والمطرب.
حين ذهب إلى المدارس بحثًا عن الأصوات
ثمة وجه آخر في مسيرة حجازي قد يكون أقل شهرة من أغانيه الوطنية وأفلامه.
كان الأطفال جزءًا فعليًا من مشروعه الفني.
قدم برنامجًا إذاعيًا حمل اسم "المبدعون الصغار"، ولم تكن فكرته قائمة على انتظار الطفل في الاستوديو؛ كان فريق البرنامج يذهب إلى المدارس للبحث عن مواهب فنية صغيرة وتسجيلها وتقديمها إلى المستمعين.
وفي حديثه عن التجربة، كان يتوقف عند السعادة التي يراها لدى الأطفال عندما يجدون مساحة لإظهار مواهبهم.
كما قدم أغنيات للأطفال، وقال في مقابلة لاحقة إنه حصل على تكريم من وزارة التربية والتعليم الأردنية عن غنائه معهم. ونسب إلى نفسه أيضًا شهادة تقدير من جامعة اليرموك، وتكريمًا من جامعة أميركية، ووسامًا من الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات. ولأن هذه التفاصيل وردت في مقابلة معه ولم نعثر ضمن المصادر التي راجعناها على وثيقة أصلية مستقلة لكل تكريم، فإن الأدق إبقاؤها ضمن ما رواه الفنان عن مسيرته.
وفي التلفزيون قدم تجربة مختلفة بعنوان "سفينة الزمن".
قال حجازي إن العمل تألف من ثلاثين حلقة، تتناول كل واحدة منها شخصية من العلماء العرب والمسلمين في الطب والتاريخ والأدب، وإنه حصل على شهادة ووسام ذهبي من مؤسسة الإذاعة والتلفزيون التونسية في منافسة ضمت 150 مسلسلًا. وهذه أيضًا تفاصيل وردت في شهادته المنشورة، ولم نعثر على سجل مستقل من المؤسسة التونسية يسمح بتحويلها إلى معلومة منفصلة عن روايته.
لم يختفِ مع تغير الأجيال
تقدمت السنوات، وتغيرت صناعة الموسيقى وطرق الوصول إلى الجمهور، لكن اسم فؤاد حجازي لم يبق مجرد تسجيل قديم في مكتبة الإذاعة.
كان حاضرًا في المناسبات والمهرجانات والأنشطة الفنية الأردنية.
وفي عام 2022، مثلًا، أدرجت إدارة مهرجان جرش اسمه رسميًا ضمن برنامج الفنانين الأردنيين، إلى جانب سلوى العاص وبشارة الربضي وعطا الله هنديلة وفيصل حلمي وفؤاد راكان، في حفل أقيم على المسرح الرئيسي في مركز الحسين الثقافي.
وبقي في الوقت نفسه يحمل شيئًا من عتب جيله.
في مقابلاته، تحدث عن ابتعاد الرواد عن الشاشات، وطالب بأن يحظى الفنان الأردني القديم برعاية مادية ومعنوية وتأمين صحي، وكان يرى أن تكريم الفنان ينبغي أن يحدث وهو على قيد الحياة. وتحدث بإيجابية عن تجربة "بيت الرواد" التي جمعت أسماء من جيله، مثل توفيق النمري وإسماعيل خضر وسلوى العاص ومحمد وهيب.
ولم يكن موقفه من الجيل الجديد رفضًا مطلقًا. كان يرى أن بين الأصوات الجديدة مواهب جيدة، ويشكو في الوقت نفسه من أن بعض الشباب لا يجدون من يأخذ بأيديهم، وهي فكرة تعيد السيرة بطريقة ما إلى بدايتها: فؤاد حجازي نفسه وجد في شبابه من سمع صوته ومد إليه يدًا، من عيدة فؤاد إلى جميل العاص.
السنوات الأخيرة
في السنوات الأخيرة، تراجع حضوره مقارنة بفترات نشاطه الطويلة، وظهرت أخبار عن متاعب صحية مر بها.
أما الصفحة الأخيرة فقد كُتبت السبت 22 آب 2026.
فقد نشرت"السوسنة" خبر وفاة الفنان فؤاد حجازي عصر السبت في مدينة الحسين الطبية، عن عمر ناهز 75 عامًا وفق الخبر المنشور.
وهكذا تنتهي السيرة في المكان الذي وصلت إليه بعد مسارات متباعدة: طفل صاحب صوت في لبنان، فنانة تلتقط موهبته وهو في السادسة عشرة، حفلة في الأردن سنة 1965، وظيفة في الإذاعة مقابل 18 دينارًا كما كان يروي، جميل العاص وأول أغنية، خمس سنوات من الدراسة في سورية، تجربتان موثقتان في السينما، ثم عشرات السنوات داخل الأغنية والإذاعة والتلفزيون والمهرجانات.
قبل سنوات، كان فؤاد حجازي يطالب بأن يتذكر الناس الفنانين الرواد وهم أحياء.
السبت، أصبح هو واحدًا من هؤلاء الذين تُستعاد أصواتهم بعد الرحيل.
بيان شديد اللهجة من عشائر الخزاعية بشأن عرس مادبا: سنلجأ للقضاء
الوقت المثالي لتناول الموز وحرق الدهون بفاعلية
إصابات واعتقالات بهجمات واقتحامات إسرائيلية بالضفة
إيران تتلقى رسائل من دول الجوار بشأن ترتيبات أمنية جديدة
بعد غياب 15 عاما .. أصالة نصري تعود إلى سوريا
23.81 مليون دينار من كندا للأردن لدعم النساء والشباب واللاجئين
كيفية التعامل مع حروق الشمس بعد السباحة
من 18 دينارا في الإذاعة إلى السينما العربية .. قصة فؤاد حجازي حتى الرحيل
الأردن يؤكد ضرورة وقف جميع الاعتداءات الإسرائيلية على سوريا
فكّ السحر وتحويلات مالية .. أردنيون ضحايا للابتزاز والأمن يتدخل
عطية: الحكومة مطالبة بحماية حق أبنائنا في تعليم آمن
مع اشتداد الحرارة .. دراجات الإسعاف تشق الازدحام وتسبق سيارات الطوارئ
سياحة الأعيان: ضرورة مواصلة تطوير موقع المغطس ومحيطه
أرض بملايين الدنانير وموظفون بلا دوام .. الحكومة أمام أسئلة حاسمة .. صور
أمطار صيفية نادرة تفاجئ الشمال .. وهذا ما ينتظر الأردن خلال الأيام المقبلة
77 مليار لتر سُرقت من مياه الأردن .. رقم يفوق سعة سد الملك طلال
القبول الموحد يغلق قبل المكرمة .. موعدان مختلفان وخطوة لا يجوز تأجيلها
قرار في جامعة حكومية يفتح ملف الصلاحيات القانونية
«خيّي وخيّك» .. اسم مطعم يفتح جدلًا لغوياً وإدارياً في الأردن
تعديلات تمس الاقتراع والدعاية والترشح .. ماذا سيتغير في الانتخابات بالأردن؟
حقيقة الذهب والكنوز بوادي السير .. الآثار الأردنية تحسم الجدل وتوجه رسالة للبحيشة
بعد سرقة 77 مليار لتر في الأردن .. فتوى تحسم الحكم الشرعي
النقل المدرسي المجاني يبدأ الأحد .. من يشمله فعلًا وكيف يعرف الأهالي أن أبناءهم ضمن الخدمة؟
بعد تصريحاتها المستفزة تجاه الأردن .. زوجة مسلّم تتصدر المواقع مجدداً
توسعة مطار عمّان ترفع طاقته إلى مليوني مسافر سنوياً بحلول صيف 2027