من الذي يتحكم في مسار أزمة المياه بين مصر وإثيوبيا؟

من الذي يتحكم في مسار أزمة المياه بين مصر وإثيوبيا؟

24-08-2026 02:45 AM

لا شك في أن نهر النيل يعتبر شريان الحياة في مصر لحوالي 110 ملايين مواطن هم تعداد السكان في الدولة المصرية، التي يمثل نهر النيل حوالي 97% من موارد المياه المتجددة فيها. تواجه مصر تهديدا وجوديا بسبب تقليص حصتها من مياه النيل، على خلفية قيام إثيوبيا ببناء السدود على النهر، بزعم خدمة أهداف التنمية وتوليد الكهرباء، متجاهلة الأمن المائي لدول المصب مصر والسودان. لم تتوقف إثيوبيا عند حد تشييد سد النهضة، وإنما أعلنت عن إنشاء ثلاثة سدود إضافية، من شأنها أن تزيد من معاناة المصريين وتعمق من تهديد الأمن المائي المصري.
وبينما كانت مصر تقيم احتفالها السنوي المعروف بـ»وفاء النيل»، خرج وزير المياه والطاقة الإثيوبي هابتامو إيتيفا بتصريحات خطيرة، قال خلالها إن تدفق مياه النيل باتجاه دول المصب سيكون تحت سيطرة بلاده.
إثيوبيا تمتلك 12 نهرا رئيسيا، منها 3 فقط تصب في نهر النيل، بينما 9 أنهار أخرى لا علاقة لها بالنيل، لكنها رغم ذلك تُصر على افتعال الأزمات المائية مع جيرانها كافة، وفقا للدكتور عباس شراقي أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية في جامعة القاهرة.
وهي في الوقت نفسه لا تحتاج لاختزان كل هذه الكميات الضخمة لتوليد الكهرباء، وهي بالأساس دولة غنية بالمياه، فحجم مياه الأمطار فيها يصل إلى 950 مليار متر مكعب سنويا، مقابل مليار واحد في مصر، وحوالي 94% من أراضي إثيوبيا خضراء، مقابل 6% فقط في مصر. كما أن حصتها من المياه الزرقاء الجارية تصل إلى حوالي 150 مليار متر مكعب سنويا، وتقوم بالسحب من بحيرة تانا بلا حساب من أجل الزراعة، إضافة إلى 40 مليار متر مكعب من المياه الجوفية.
إذن، ما الذي يدفع إثيوبيا لتبني خطاب يضع مصر في خانة الدول الإمبريالية الاستعمارية التي ينبغي التحرر من سيطرتها، ولماذا تسعى للسيطرة على نهر النيل والتعامل مع هذا الملف على أنه شأن داخلي محض؟ هنا بلا شك تتجه الأنظار إلى الشريك الاستراتيجي لإثيوبيا، وهو الاحتلال الإسرائيلي الضالع في هذا الملف بشكل أساسي ومحوري.
اهتمام الكيان الإسرائيلي بنهر النيل قديم، وبرزت خططه للاستفادة منه في السبعينيات، وبذلت محاولاته في مد نهر النيل إلى صحراء النقب التي تعتبرها إسرائيل مركزا اقتصاديا حيويا في المستقبل، وحسب بن غوريون في مذكراته فإنها منفذ مباشر قصير للغاية يؤدي إلى القارتين الناميتين آسيا وافريقيا.
كان هناك دائما رفض شعبي مصري ينبني عليه الرفض الرسمي لمد دولة الاحتلال بالمياه، لتبدأ مرحلة جديدة من عسكرة المياه، بالتوغل في افريقيا وبناء تحالفات مع إثيوبيا، من أجل السيطرة على نهر النيل وإسقاط دور مصر وتجويعها من خلال التحكم في حصتها من المياه. النظر إلى إثيوبيا باعتبارها الشريك الذي يحقق الأهداف الإسرائيلية في مياه النيل، ليس وليد الألفية الجديدة، فهذا ما ذهب إليه بن غوريون، وهذا ما ذهبت إليه جولدا مائير، التي أكدت أهمية التحالف مع إثيوبيا للسيطرة على النيل.
وفي عام 2016 زار بنيامين نتنياهو إثيوبيا، وقال أمام مجلس النواب، إن إسرائيل سوف تدعم إثيوبيا لتتمكن من الاستفادة من مواردها المائية، وستدعمها بكل أنواع التكنولوجيا الحديثة، وفق استراتيجية إسرائيل.
الجانب المصري يدرك منذ عقود الأحلام الصهيونية في نهر النيل، وقد صدر تقرير عن لجنة الشؤون العربية في مجلس الشورى المصري عام 1991 بعنوان «أزمة المياه في المنطقة العربية»، أعلن عن وجود مخططات إسرائيلية في إثيوبيا بإنشاء سدود على النيل الأزرق، وخلص إلى أن الهدف من هذه الإنشاءات ضرب دفاعات مصر الجنوبية وفرض الحصار على الموارد الاستراتيجية لنهر النيل. هذه الرؤية السياسية للاحتلال تجاه نهر النيل، تأكدت خلال مؤتمر لجامعة تل أبيب عن المياه في الشرق الأوسط عام 1997، إذ صرح حكاي إرليخ أستاذ تاريخ الشرق الأوسط وافريقيا بهذه السياسة قائلا: «إسرائيل في الخمسينيات أبدت اهتماما ضخما بالتعاون مع إثيوبيا بغرض تهديد مصر».
الاحتلال دعم إثيوبيا بكل الطرق الممكنة لبناء السدود لهذا الغرض: تركيع مصر والتحكم في قرارها السياسي وإجبارها على مد الاحتلال بمياه النيل، ولعبت دورا بارزا لدفع دول حوض النيل لنقض المعاهدات الدولية المنظمة لتوزيع مياه النيل، ووفرت لها الدعم والتمويل والغطاء الدولي. كما بنت دولة الاحتلال منظومة دفاع جوي حول سد النهضة منذ 2019 لحماية السد من أية مخاطر محتملة، وكمظلة حماية عسكرية للعديد من الشركات الإسرائيلية العاملة في إثيوبيا، وهي جميعها شركات تعمل في مجالات الثروة الحيوانية والري والزراعة، ما يكشف الهدف الاستراتيجي للاحتلال في التوغل الاقتصادي في إثيوبيا. إضافة إلى الدوافع الاقتصادية لإثيوبيا في هذه الشراكة الضارة بالأمن المائي لدول المصاب وعلى رأسها مصر، هناك كذلك روابط ميثولوجية تربط إثيوبيا بالإسرائيليين، فوفقا للأساطير الافريقية، فإن جد الأحباش ومؤسس الإمبراطورية الحبشية هو ابن النبي سليمان من ملكة سبأ، واسمه مينيليك الأول وهاجر من القدس إلى هضبة الحبشة ومعه تابوت موسى وفقا لهذه الأساطير، من ثم يرى الأحباش أن الدم اليهودي يجري في عروقهم، كما أن هناك اعتقادا سائدا لدى الإثيوبيين أن الوصايا العشر التي أعطاها الله لموسى مخبأة في جبال إثيوبيا.
الوضع المائي لمصر يزداد سوءا جراء هذا العنت الإثيوبي الذي تحركه وتدفعه يد الاحتلال، وما لم تتمكن مصر من إيقاف هذا المخطط فإن الخطر سوف يطال سيادتها واقتصادها بشكل يفوق قدرتها على الاحتمال، وتأجيل الحسم فيه إنما هو إرجاء للكارثة ليس أكثر.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

سياحة الأعيان: ضرورة مواصلة تطوير موقع المغطس ومحيطه

سبب وفاة فؤاد حجازي تهز مواقع التواصل

أرض بملايين الدنانير وموظفون بلا دوام .. الحكومة أمام أسئلة حاسمة .. صور

الذهب يلمع في الأردن اليوم .. أسعار

أمطار صيفية نادرة تفاجئ الشمال .. وهذا ما ينتظر الأردن خلال الأيام المقبلة

77 مليار لتر سُرقت من مياه الأردن .. رقم يفوق سعة سد الملك طلال

قرار في جامعة حكومية يفتح ملف الصلاحيات القانونية

بيان شديد اللهجة من عشائر الخزاعية بشأن عرس مادبا: سنلجأ للقضاء

القبول الموحد يغلق قبل المكرمة .. موعدان مختلفان وخطوة لا يجوز تأجيلها

«خيّي وخيّك» .. اسم مطعم يفتح جدلًا لغوياً وإدارياً في الأردن

وفاة ممثل مصري شهير .. صورة

وفاة عشريني متأثرًا بإصابته برصاص والده في البلقاء

حقيقة الذهب والكنوز بوادي السير .. الآثار الأردنية تحسم الجدل وتوجه رسالة للبحيشة

من 50 إلى 300 دينار .. أجور الإتلاف تقفز 500% ومكافآت جديدة

بعد سرقة 77 مليار لتر في الأردن .. فتوى تحسم الحكم الشرعي