سوريا الجديدة .. الجيش الذي تخشاه إسرائيل وتبنيه تركيا
28-08-2026 01:47 AM
لم تكن الضربة الإسرائيلية التي استهدفت قاعدة أبو الظهور العسكرية في شمال غرب سوريا مجرد غارة جديدة تضاف إلى سجل الضربات الإسرائيلية داخل الأراضي السورية، ولا يبدو أن أهمية القاعدة نفسها هي التي دفعت إسرائيل إلى هذا التحرك، فالمسألة أكبر من قاعدة عسكرية ومدرجات جرى استهدافها، وأعمق من خلاف عابر بين إسرائيل وتركيا حول وجود عسكري تركي في منشأة سورية، لأن ما يجري في الحقيقة هو بداية معركة على شكل سوريا الجديدة، وعلى السؤال الأخطر الذي سيحدد ميزان القوى في المنطقة خلال السنوات المقبلة: من سيعيد بناء الجيش السوري الجديد، ومن سيمتلك التأثير في عقيدته وتسليحه وقدراته الدفاعية؟
في 18 أغسطس/آب، شنت إسرائيل عدة غارات على قاعدة أبو الظهور في إدلب، وقالت إن لديها معلومات تشير إلى أن تركيا تستعد لإنشاء وجود عسكري داخل القاعدة، يتضمن أنظمة رادار ودفاع جوي وعناصر عسكرية، وهو ما اعتبرته إسرائيل تجاوزًا لخط أحمر لا يمكنها السماح به، بينما نفت تركيا ودمشق وجود خطة لإنشاء قاعدة تركية، وأكدت الحكومة السورية أن ما يجري هو إعادة تأهيل لمنشأة عسكرية سورية، وأن الوجود التركي المرتبط بها كان في إطار التدريب وتبادل الخبرات وليس إنشاء قاعدة تركية دائمة.
قد يبدو الخلاف للوهلة الأولى متعلقًا بمكان عسكري محدد، لكن السؤال الذي يجب طرحه هو: لماذا تهتم إسرائيل بقاعدة تقع في إدلب، بعيدًا نسبيًا عن حدودها، إلى هذه الدرجة؟ الإجابة تكمن في طبيعة ما يمكن أن تمثله القاعدة في المستقبل، وليس في وضعها الحالي. فإسرائيل لا تخشى مجرد وجود عدد من الجنود الأتراك داخل منشأة سورية، وإنما تخشى أن تتحول عملية إعادة تأهيل القواعد السورية إلى بداية لإعادة بناء القدرات العسكرية السورية بمساعدة تركية، خصوصًا في مجالات الرادار والدفاع الجوي والقيادة والسيطرة والطيران، لأن امتلاك سوريا لهذه القدرات في المستقبل لن يعني فقط أن الجيش السوري أصبح أقوى، وإنما يعني أيضًا أن حرية الحركة الجوية الإسرائيلية فوق سوريا قد تصبح أكثر صعوبة.
وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية بين أنقرة وتل أبيب. تركيا تنظر إلى سوريا من زاوية مختلفة تمامًا عن إسرائيل؛ فهي تريد دولة سورية موحدة وقادرة على السيطرة على أراضيها وحدودها، وتريد أن تساعد الحكومة الجديدة في دمشق على إعادة بناء مؤسسات الدولة، ومن بينها المؤسسة العسكرية، بينما تريد إسرائيل سوريا مستقرة ولكنها لا تريد أن تتحول هذه الدولة المستقرة إلى قوة عسكرية قادرة على امتلاك دفاع جوي متطور أو قوة جوية أو منظومة رادارات تجعلها قادرة على تقييد العمليات الإسرائيلية.
وبين هذين المشروعين تقف دمشق، التي تحاول للمرة الأولى منذ سنوات استعادة مفهوم الدولة الواحدة والجيش الواحد. فالجيش السوري الذي يجري بناؤه اليوم ليس جيش بشار الأسد السابق، ولم يتشكل من الصفر أيضًا، وإنما يجري تركيبه من مجموعات وفصائل كانت تقاتل النظام السابق، ومن مقاتلين كانوا ينتمون إلى تشكيلات مختلفة، بعضها كان مدعومًا من تركيا، وبعضها كان جزءًا من قوى المعارضة، ثم جاءت التطورات الأخيرة لتضيف تحولًا أكثر أهمية عندما بدأت قوات سوريا الديمقراطية، المعروفة باسم قسد، الانتقال من وضع القوة العسكرية المستقلة إلى الاندماج في مؤسسات الدولة السورية.
وهذه الخطوة الأخيرة تحديدًا غيرت الخريطة السورية بصورة كبيرة، لأن قسد كانت لسنوات واحدة من أهم القوى العسكرية الموجودة خارج سيطرة دمشق، وكانت تسيطر على مناطق واسعة في شمال وشرق سوريا، وتحظى بدعم الولايات المتحدة باعتبارها الشريك المحلي الرئيسي في الحرب على تنظيم داعش، بينما كانت تركيا تعتبر القوة الكردية المسلحة على حدودها تهديدًا مباشرًا لأمنها. وعندما أعلن في 25 أغسطس/آب انتهاء قسد كقوة عسكرية مستقلة واندماج قواتها في الجيش السوري، لم يكن الأمر مجرد تغيير إداري، وإنما كان خطوة باتجاه إنهاء أحد أكبر مظاهر الانقسام العسكري داخل سوريا، وإعادة مساحة واسعة من الأراضي والموارد والمؤسسات إلى سلطة دمشق.
ومن زاوية تركية، يمثل هذا التطور مكسبًا استراتيجيًا بالغ الأهمية، لأن أنقرة كانت تريد منذ سنوات إنهاء وجود قوة كردية مسلحة مستقلة على حدودها، بينما يمثل بالنسبة لدمشق استعادة لجزء مهم من السيادة التي فقدتها خلال سنوات الحرب. لكن المفارقة أن النتيجة قد تكون في الوقت نفسه سببًا جديدًا للقلق الإسرائيلي، لأن القوة التي كانت خارج الدولة السورية أصبحت جزءًا من الجيش السوري الذي يجري بناؤه، والجيش الذي كان مجزأً بين قوى مختلفة يتجه تدريجيًا إلى أن يصبح أكثر اتساعًا وتماسكًا.
وهنا يجب أن نتوقف عند تركيا، لأن الدور التركي في سوريا لم يعد مجرد وجود عسكري على الحدود أو دعم لفصائل سورية بعينها. تركيا تتحرك باتجاه أعمق بكثير، وهو المساهمة في إعادة بناء المؤسسة العسكرية السورية نفسها، من خلال التدريب والخبرات والتنظيم والتجهيز، وهو ما يعني أن النفوذ التركي قد لا يحتاج في المستقبل إلى قاعدة تركية ضخمة حتى يكون مؤثرًا، فقد يكون النفوذ الحقيقي داخل المؤسسة العسكرية السورية، في طريقة تدريب الضباط، وفي نوعية السلاح، وفي أنظمة الدفاع الجوي، وفي طريقة تنظيم القوات وإدارتها.
وهنا تحديدًا تكمن الحساسية الإسرائيلية، لأن إسرائيل تستطيع التعامل مع قاعدة تركية منفردة باعتبارها هدفًا عسكريًا يمكن مراقبته أو حتى استهدافه، لكنها ستواجه مشكلة مختلفة تمامًا إذا أصبحت تركيا جزءًا أساسيًا من عملية بناء جيش سوري قادر على العمل بصورة مستقلة، يمتلك رادارات حديثة ودفاعًا جويًا وقدرات جوية، لأن ذلك يعني أن إسرائيل لن تكون أمام منشأة عسكرية واحدة، وإنما أمام منظومة عسكرية سورية جديدة تمتد من الشمال إلى الوسط وربما الجنوب.
ولهذا فإن أبو الظهور قد تكون مجرد بداية، بينما ستكون حمص وتدمر ودمشق أكثر أهمية في المرحلة المقبلة. فإذا ظل التعاون التركي السوري محصورًا في مناطق الشمال، فقد يكون من الممكن احتواؤه، أما إذا بدأ ينتقل إلى وسط سوريا، وظهرت منظومات دفاع جوي أو رادارات أو بنية قيادة وسيطرة في مناطق مثل حمص وتدمر، فإن الحسابات الإسرائيلية ستتغير بصورة كبيرة، لأن المسألة عندها لن تكون مرتبطة بأمن الحدود التركية، وإنما بإعادة تشكيل ميزان القوى في قلب سوريا.
واللافت أن الولايات المتحدة وجدت نفسها في موقف بالغ الحساسية، فهي من جهة تريد دعم استقرار سوريا الجديدة ومنع عودتها إلى الفوضى، ومن جهة أخرى تريد الحفاظ على أمن إسرائيل، وفي الوقت نفسه لا تريد أن يتحول الخلاف التركي الإسرائيلي داخل سوريا إلى مواجهة مباشرة بين دولتين حليفتين للولايات المتحدة بدرجات مختلفة. ولذلك تتحرك واشنطن باتجاه آليات لمنع الاحتكاك، خصوصًا بعد ضربة أبو الظهور، في محاولة لإبقاء الخلاف ضمن حدود يمكن السيطرة عليها.
لكن المشكلة أن لكل طرف تصورًا مختلفًا عن سوريا التي يريدها في النهاية. دمشق تريد استعادة السيادة وبناء جيش وطني واحد، وتركيا تريد سوريا موحدة وقادرة على ضبط حدودها وإنهاء أي كيان كردي عسكري مستقل، بينما تريد إسرائيل منع ظهور قوة عسكرية سورية جديدة يمكن أن تشكل تهديدًا لها أو تحد من حرية عملياتها، أما الولايات المتحدة فتحاول إدارة هذه التناقضات ومنعها من التحول إلى صدام مفتوح.
ومن هنا يمكن فهم لماذا لا ينبغي النظر إلى ضربة أبو الظهور باعتبارها حادثة منفصلة. فالضربة كانت رسالة إلى دمشق بقدر ما كانت رسالة إلى أنقرة، ومفادها أن إسرائيل لن تنتظر حتى يكتمل بناء القدرات العسكرية السورية ثم تبدأ في التعامل معها، وإنما ستتدخل مبكرًا إذا اعتقدت أن عملية إعادة بناء الجيش السوري تتجه نحو إنشاء قدرات تعتبرها إسرائيل تهديدًا.
لكن هذه السياسة تحمل مخاطرة كبيرة أيضًا، لأن الضربات الإسرائيلية المتكررة قد تدفع دمشق إلى تسريع اعتمادها على تركيا في بناء قدراتها العسكرية، وقد تدفع أنقرة بدورها إلى اعتبار أن عليها حماية مشروع الدولة السورية من التدخلات الخارجية، وهنا يمكن أن تتحول إسرائيل من محاولة منع النفوذ التركي في سوريا إلى عامل يساعد بصورة غير مباشرة على تعميق التعاون التركي السوري.
والأخطر أن انتهاء قسد كقوة مستقلة لا يعني انتهاء المسألة الكردية، وإنما يعني انتقالها إلى داخل الدولة السورية، وهو ما يضع دمشق أمام مهمة صعبة للغاية، وهي تحويل مجموعات مسلحة مختلفة الخلفيات والولاءات والخبرات إلى جيش واحد يخضع لقيادة مركزية. فإذا نجحت في ذلك، ستكون سوريا أمام واقع جديد تمامًا؛ دولة تملك جيشًا موحدًا ومواردها الطبيعية ومؤسساتها الأمنية، وتحظى بدعم تركي في إعادة بناء مؤسساتها العسكرية، وهو سيناريو مختلف جذريًا عن سوريا التي كانت إسرائيل تتعامل معها خلال السنوات الماضية.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي لم يعد: هل ستنشئ تركيا قاعدة عسكرية في أبو الظهور أم لا؟ فهذا سؤال مهم لكنه محدود. السؤال الأكبر هو: هل ستسمح إسرائيل بأن تصبح تركيا القوة الخارجية الأكثر تأثيرًا في إعادة بناء الجيش السوري الجديد؟ وهل ستقبل بعودة سوريا تدريجيًا إلى امتلاك قدرات عسكرية حقيقية بعد سنوات من التفكك والحرب؟
إذا كانت الإجابة الإسرائيلية هي الرفض، فإن الصدام القادم قد لا يكون على قاعدة واحدة، وإنما على كل خطوة في عملية بناء الجيش السوري، من الرادار إلى الدفاع الجوي، ومن الطيران إلى مراكز القيادة، ومن تدريب الضباط إلى نوعية الأسلحة التي تدخل المؤسسة العسكرية السورية.
أما إذا نجحت دمشق في الحفاظ على استقلال قرارها، واستخدام الدعم التركي لبناء جيش وطني لا ليصبح تابعًا لأنقرة، فقد تكون سوريا الجديدة قادرة على لعب دور إقليمي مختلف تمامًا عن الدور الذي لعبته خلال العقود الماضية.
وفي هذه الحالة، فإن المعركة التي بدأت في أبو الظهور لن تكون معركة على قاعدة، وإنما معركة على مستقبل سوريا نفسها، وعلى السؤال الذي سيحدد شكل المشرق خلال السنوات القادمة: من سيصنع الجيش السوري الجديد، ومن سيملك القدرة على التأثير في قراره عندما تكتمل عملية بنائه؟
فإسرائيل تخشى جيشًا سوريًا قويًا، وتركيا تريد سوريا قوية وموحدة، ودمشق تريد استعادة سيادتها، وواشنطن تريد منع الجميع من الوصول إلى نقطة اللاعودة.
وبين هذه المشاريع الأربعة، تتحرك سوريا الجديدة نحو مرحلة قد تكون أخطر من مرحلة الحرب نفسها؛ لأن الصراع لم يعد فقط على الأرض، وإنما أصبح على من يملك مفاتيح القوة داخل الدولة السورية بعد انتهاء الحرب.
كيف تحضّر القهوة التركية بالطريقة التقليدية؟
الفيصلي يحافظ على نجومه .. بثلاث عقود تجديد
حقيبة المدرسة .. أخطاء يومية قد تؤثر على ظهر الطفل
الموت يغيب تيم كاري عن عمر يناهز 80 عامًا
ماذا يعني دخول الـVAR إلى الكرة الأردنية؟
أهم تسريبات آيفون 18 برو المتوقع
أنت تكره إسرائيل… فلن نسمح لك بالدخول
عبدي والهجري: موازين سوريا التي ترتقي أو تتردى
سوريا الجديدة .. الجيش الذي تخشاه إسرائيل وتبنيه تركيا
بالفيديو .. فيضانات نيبال تتفاقم ومفقودون من 33 دولة
ارتفاع صادرات صناعة إربد إلى 718 مليون دولار خلال 7 أشهر بنسبة نمو 7.2%
سبب وفاة فؤاد حجازي تهز مواقع التواصل
اب يقتل ابنه بالرصاص في اربد .. تفاصيل
الذهب يلمع في الأردن اليوم .. أسعار
بيان شديد اللهجة من عشائر الخزاعية بشأن عرس مادبا: سنلجأ للقضاء
شيماء وليد .. ماذا اكتشفنا خلف قصة الطبيبة التي أبكت الملايين؟
إحالة خليل الزيود إلى النائب العام بعد جدل حول تصريحات مسيئة للنبي
عمال مصنع ألبان: سبعة أشهر بلا رواتب .. التفاصيل
سقط قرار الـ30% وبقيت الأزمة .. من يفك طلاسم التوجيهي والحقول؟
منخفض جوي مبكر يقلب أجواء المنطقة .. وهذا ما ينتظر الأردن نهاية الأسبوع
غضب أردني من تصريحات خبير تربوي أساء للنبي ﷺ .. والإفتاء ترد
تصريحات الخبير التربوي عن النبي ﷺ .. القصة الكاملة من الجدل إلى تدخل الإفتاء
وفاة عشريني متأثرًا بإصابته برصاص والده في البلقاء
وائل كفوري يختار عمّان محطة لتقديم "محبوبي"
