أنت تكره إسرائيل… فلن نسمح لك بالدخول

أنت تكره إسرائيل… فلن نسمح لك بالدخول

28-08-2026 01:53 AM

في عام 2022 بدأت الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي فترة تجريبية لاتفاقية «التعامل بالمثل»، التي تعني أن مواطني كلا البلدين سيعاملان بالطريقة نفسها عند دخول نقاط العبور، سواء عبر المطار الرئيسي أو المعابر الحدودية الأخرى. جاء الاتفاق نتيجة ضغوط المنظمات العربية والإسلامية على إدارة بايدن حول التمييز في المعاملة بين من هو أمريكي من أصول أنغلوسكسونية، ومن هو أمريكي من أصول فلسطينية بشكل خاص. وقد لعبت منظمة «اللجنة العربية لمكافحة التمييز» دورا رياديا في هذا المجال. وقد نشرت وزارة الخارجية مراقبين في مطارات ومعابر إسرائيل لفترة تجريبية لمدة ستة أشهر. وبعد نجاح الفترة التجريبية، تم التوقيع على اتفاقية «التعامل بالمثل» في يوليو 2023 وأصبحت سارية المفعول.
بعد هذا الاتفاق تمكن الفلسطينيون من حملة جواز السفر الأمريكي والهوية الفلسطينية، أن يسافروا عبر مطار اللد، ما سهّل على الكثيرن من كبار السن وذوي الاحتياجات الخاصة والعائلات التي تصطحب أبناءها لقضاء إجازة الصيف، العودة إلى الوطن بسهولة خلال شهور الصيف، فبدل أن يمروا عبر رحلة العذاب والقهر والتكاليف الباهظة وحرارة الصيف التي لا تطاق في منطقة أريحا، عبر جسر اللنبي، تمكن الآلاف من دخول الوطن عبر المطار، أو عبر جسر الشيخ حسين في الشمال المخصص للأجانب.
تغيرت الأمور تماما بعد 7 أكتوبر 2023 وتحول الكيان الإسرائيلي إلى مجتمع فاشي يتحرق للانتقام والقتل والتعذيب والتدمير. أغلق المطار الرئيسي في اللد أمام الملاحة الجوية، إلا من شركة العال والإماراتية وطيران الخليج. ما اضطر آلاف الفلسطينيين في الخارج أن يعودوا عبر الجسور. وبعد انتخاب الرئيس ترامب الأكثر صهيونية من الصهاينة، أصبحت إسرائيل تتمتع بحماية مطلقة، ولا تخشى مساءلة من أحد وقذفت باتفاقية المعاملة بالمثل في سلة المهملات، وأصبح استجواب الفلسطينيين أمرا مزعجا ومعقدا وطويلا، وإعادتهم من حيث أتوا أمرا عاديا مكررا.
ونوعا من ردة الفعل للتضامن العالمي مع الشعب الفلسطيني، وانتشار ظاهرة نقد إسرائيل زادت الرقابة على الجسور والمطار، فلا يمر أحد إلا بعد الاستجواب الذي قد يستغرق ساعات. كما كثر عدد الذين منعوا من الدخول. من قريتي الصغيرة وحدها أعيد سبعة مواطنين يحملون الجنسية الأمريكية وكنت ثامنهم. أعيد شابان نشيطان في العمل الخيري، وفتاة رفضت أن تسلمهم هاتفها المحمول، ورفض دخول ابنها بعد أيام من رفض أمه، ومنع شاب وأخته في أوقات مختلفة لكنها قريبة من بعضها، ورفض رجل أربعيني لأنه زار البلاد أكثر من مرة في السنة الأخيرة. أما قصتي فلها مذاق آخر إنه الرفض بسبب حرية الرأي والتعبير.

التجربة المرّة

غادرت الفندق من عمّان الساعة الثانية عشرة يوم الأربعاء الماضي متجها إلى جسر الشيخ حسين شمال نهر الأردن القريب من طبريا. وصلت الجسر الساعة الثانية بعد الظهر. وبدأت الإجراءات العديدة على الجانب الأردني للوصول إلى الجانب الآخر من الجسر. تفتيش حقائب، رسوم دخول. تقدم بطيء نحو نقطة العبور. حزام إلكتروني، ثم شباك ختم الجوازات، وهنا تأتي المرحلة الصعبة. فتاة عشرينية تجلس خلف الشباك، ناولتها جواز سفري الأمريكي، مررته على جهاز أمامها فقالت رأسا لديك جواز سفر ثان.. قلت نعم. جواز سفر أردني (وهو سؤال تعودت عليه منذ أكثر من عشر سنوات)، طلبته مني وبدأت تفتش صفحات الجوازين. وسألت كنت في لبنان؟ نعم.. لماذا؟ للمشاركة في عرس قريبي، أين؟ في بيروت. غادرت شباكها وذهبت إلى الداخل وتأخرت على الأقل ربع ساعة. جاء إلي رجل أربعيني يتكلم العربية بطلاقة، أظن أنه من الطائفة الدرزية المتعاونة مع الكيان. وبدأ يسألني أسئلة خفيفة عن لبنان أين ذهبت ومع من التقيت، لكنه لم يكرس وقتا كثيرا لموضوع لبنان، ثم تحول للأسئلة الجادة. فقال ماذا تعمل؟ قلت له، أستاذا وكاتبا وصحافيا في الأمم المتحدة. هل تكتب ضد إسرائيل؟ قلت أنا كاتب موضوعي ومحايد وأكتب ضد كل من ينتهك حقوق الإنسان، سواء في إسرائيل، أو السلطة الفلسطينية، أو الهند، أو السلفادور. أنا لا أعفي أحدا ممن ينتهك القانون الدولي، أو قوانين العدالة وقد قضيت عمري في الأمم المتحدة موظفا ثم صحافيا. وكتبت كتابا عن تجربتي في الأمم المتحدة. هل تحب أن تراه؟ قال لا. وتابع: أسألك هل تكتب ضد إسرائيل؟ قلت في نفسي هذا سؤال لئيم. إن قلت نعم فسيدينني من فمي ويعتبره اعترافا، وإن قلت لا سيتهمني بالكذب. لذلك لم أجب أبدا، وظللت أكرر أنني لا أشتغل في الكراهية والتحريض، ثم يسأل مرة أخرى هل تكره إسرائيل؟ وأكرر أنا لست في ميدان الكراهية أو المحبة، أنا إنسان موضوعي أكتب ضد الغلط والظلم بغض النظر عمن يرتكبه.

أمرا عاديا مكررا

ثم دخل وبقيت أنتظر نحو 45 دقيقة. ولا أشك في أنه كان يقوم بعملية بحث عن كتاباتي. ثم خرج وفي يده جوازات السفر، وقال: أنت تكره إسرائيل وتحرض ضدها، وقلت في إحدى مقالاتك: «لقد أثبت طوفان الأقصى أن هناك إمكانية لهزيمة إسرائيل وتفكيكها». وأنت في مؤتمر صحافي بالأمم المتحدة أنكرت أن عناصر حماس اغتصبوا النساء الإسرائيليات. وراح يشير إلى كثير مما كتبت وما أثرته داخل الأمم المتحدة. قلت له دعني أصحح معلوماتك، أنا سألت ممثلة الأمين العام للانتهاكات الجنسية في النزاعات المسلحة (براميلا باتن) التي قالت، إن عناصر حماس اغتصبوا إسرائيليات، إذا التقت بأي واحدة منهن، فقالت لا. فسألتها وهل التقيت بالفلسطينيات اللواتي تعرضن للانتهاكات الجنسية فقالت لا. فقلت لها معلوماتك إذن من مصادر ثانوية فكيف تتوصلين إلى هذه النتيجة، من دون أن تلتقي ولو بواحدة منهن. شعرت بأنني ضغطت على أعصابه وراح يتكلم بحدة، ألم تشاهد ذلك الفيديو للتي اغتصبتها عناصر حماس؟ ألم تشاهد فيديو لوضع طفل في خلاطة؟ وراح يسرد أمثلة أخرى. رددت عليه بهدوء أعصاب، قلت: عندما كان هناك أسرى لدى المقاومة أحضرتم أهاليهم وخيموا أمام بيت الأمين العام وخاطب بعضهم جلسات مجلس الأمن. فلماذا لم تحضروا واحدة من المغتصبات إلى بيت الأمين العام أو مجلس الأمن؟ أتريدني أن أقبل الرواية التي لم تثبت بشكل حاسم؟
كان كثيرا ما يتركني لمدة ربع ساعة أو أطول نوعا من الضغط على أعصابي. ثم يرجع ويقول: أنت تكره إسرائيل وتحرض وتكتب ضدها فلماذا تأتي لزيارتها؟ ثم أضاف أنا أكره تركيا فهل أذهب لزيارتها؟ وأنت تكره إسرائيل فلماذا تأتي لزيارتها؟ قلت له أنا آتي لزيارة ابنتي مرتين أو ثلاثا كل عام. فقال لي أين ابنتك وهل معها إقامة وطلب مني اسمها ورقم هاتفها واسم وزوجها ورقم هاتفه. قلت له زوجها ينتظرني على بعد عشرة أمتار.
وبعد غياب عاد وقال لا أستطيع أن أسمح لك بالدخول. يجب أن ترجع. قلت له على أي أساس. أنا أكتب دائما لماذا الآن؟ قال لأننا غيرنا القوانين. كل من يكره إسرائيل لا نسمح له بالدخول مهما كان صحافيا أو سياسيا أو أستاذا. يجب أن تعود. انتظر الشخص الذي سيعيدك إلى الأردن. قلت له أخيرا وبعد نحو ثلاث ساعات، لا بد أن أستخدم الحمام. قال انتظر. ثم سلمني بيانا مطبوعا تحت عنوان: منع الدخول. وأشار البيان إلى أسباب أمنية. وقال لن يسمح لك بالدخول إلا عبر طلب تأشيرة من السفارات ونحن الذين نوافق أو لا نوافق على دخولك. خرجت فتاة تحمل جوازي السفر الأردني والأمريكي وقالت اتبعني. قلت لها لا بد من استخدام الحمام فقالت. استخدم الحمام في الأردن وليس هنا. قلت في نفسي إذا لم تكن هذه الفاشية، فما هي الفاشية؟



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد