خيوطُ الشعلةِ والزمان ​وأصداءُ الأعمدة

خيوطُ الشعلةِ والزمان ​وأصداءُ الأعمدة

19-07-2026 07:25 PM

لطالما كنتُ أراقبُ "جرش" من بعيد، خلفَ شاشاتِ الهواتفِ وفي ثنايا التقاريرِ الإعلاميةِ والقصصِ التي يرويها الزوار، ولم تطأ قدماي يوماً ثرى أعمدتها العتيقة. لكنَّ شيئاً في داخلي يخبرني أنني أعرفُ كلَّ زاويةٍ فيها؛ فكلُّ فيديو شاهدتُه، وكلُّ صورةٍ لقطراتِ الضوءِ وهي تتسللُ بينَ حجارتها، جعلتني أعيشُ المهرجانَ في مخيلتي كأنني أحدُ الذين يمشون في أروقتها. إنني أتوقُ، كأيِّ إنسانٍ قرأَ عنها وأحبَّها، أن تتحولَ هذهِ الصورُ إلى واقعٍ ملموس، وأن أتنفسَ هواءها الذي يحملُ عبقَ التاريخِ مباشرةً، لا عبرَ العدسات، بل عبرَ حواسي التي تنتظرُ لحظةَ العبورِ إلى تلك المدينةِ التي لا تنام.

​في ليلةٍ صيفيةٍ تعبقُ برائحةِ التاريخ، أتخيلُ "أبو العبد " عند بوابةِ جرش الأثرية، يراقبُ الحشودَ التي تتدفقُ كالنهرِ الجاري، قادمةً من كلِ فجٍ عميق، وكأنَّ العالمَ بأسره قد قرر أن يغفو هذه الليلةَ تحتَ سماءِ المدينةِ العتيقة. أحملُ في مخيلتي صورةَ يدهِ الخشنة وهي تعرضُ المشغولاتِ اليدوية التي سهرت عائلتهُ على صنعها، بانتظارِ هذا الموسمِ الذي يضخُّ الحياةَ في مفاصلِ رزقهم.
​وعلى وقعِ الخطواتِ المتسارعة، تبدو أعمدةُ جرش الشاهقة في خيالي وكأنها تهمسُ في أذنِ كلِ زائر: "لقد شهدتُ قوافلَ التجارِ بالأمس، وأشهدُ اليومَ تدفقَ العشاقِ والفنانين.. أنا لستُ حجراً صامتاً، بل أنا ذاكرةُ المكانِ التي تتنفسُ من خلالِ ضحكاتكم، وأنا حكايةُ الزمنِ التي تترددُ أصداؤها مع كلِ وترٍ يعزفُ على مسارحي العتيقة". أرى الأعمدةَ وهي تراقبُ الزوارَ بفخر، تعيدُ صياغةَ حكايتها مع كلِ غريبٍ يلمسُ حجارتها الباردة ليمنحها دفءَ الحياة.
​وفي أروقةِ الأعمدةِ العتيقة، يتجلى في خيالي مشهدٌ يعيدُ الذاكرةَ إلى أسواقِ الحضاراتِ القديمة؛ حيثُ تنتشرُ أكشاكُ الحرفيين وتتراصُّ عرباتُ المشروباتِ الشعبية، وتمتدُ بسطاتُ التراثِ والأعمالِ اليدوية. يختلطُ صخبُ الباعةِ مع أصواتِ ضحكاتِ المارة، في مشهدٍ يبعثُ الحياةَ في الممراتِ الحجرية، وكأنَّ المدينةَ قد استيقظت من سباتِ قرونٍ لتتماهى فيه عراقةُ الماضي مع صخبِ الحاضر.
​وفوقَ كلِّ هذا، يغمرني إحساسٌ بأنَّ لجرش روحاً خاصةً؛ فالتضاريسُ هنا ليست مجردَ جغرافيا، بل هي كلماتٌ محفورةٌ في قشرةِ الأرض. ومع كلِ خطوةٍ يتخيلها الزائرُ فوقَ ترابِ هذه الأرضِ المباركة، يعيدُ اكتشافَ ذاكرته المنسية، وكأنَّ كلَّ حجرٍ ونتوءٍ في صخورها هو حرفٌ في كتابٍ مفتوح، ينتظرُ من يقرأُ أسرارَ السحرِ الكامنِ في صمتِ جبالها ونبضِ سهولها.

​على المدرجِ الجنوبي، أرى "سامر" الشابَ الجامعي يجهزُ عدسةَ كاميرته، يقتنصُ لحظةً يثبتُ فيها وجوده وسطَ الصخبِ الرقمي، محاولاً كتابةَ تاريخهِ الخاص في ذاكرةِ المكان. وبينما يضبطُ إضاءةَ هاتفه، تقفُ طفلةٌ صغيرةٌ مشدوهةً أمام لحظةِ "إيقادِ الشعلة"، تلك النارِ التي انطلقت من بينِ الأعمدةِ لتعلنَ بدايةَ المهرجان، تماماً كما كانت تفعلُ شعوبُ التاريخِ القديمِ لاستحضارِ روحِ الإبداع.

​كانت جرش في خيالي تعيشُ كلَّ النظرياتِ دفعةً واحدة؛ ففي الساحةِ تجمعُ الناسُ كجسدٍ واحد، وفي الزوايا مفاوضاتٌ صامتة، حيثُ يتقاطعُ طموحُ البسطاء مع صخبِ النخبةِ في رقصةٍ سوسيولوجيةٍ لا تهدأ. ورغمَ اختلافِ مشاربِ الزوار، إلا أنهم جميعاً يتحدثون لغةً واحدةً لا تتقنُ إلا الدهشة.
​أشعرُ بأبي العبد ، وهو يبيعُ آخرَ قطعةٍ من حرفهِ اليدوية، أنَّ هذهِ الحجارةَ ليست آثاراً صامتة، بل كائنٌ حيٌ يتنفسُ مع كلِ دقةِ طبل. أدركُ حينها أنَّ المهرجانَ ليس مجردَ طربٍ ورقص، بل الحلمُ الذي ننسجهُ معاً لنبقى على قيدِ الحياة، وأنَّ تلكَ الشعلةَ التي أُوقدت في البداية، هي شعلةُ أرواحنا التي تأبى أن تنطفئ.

ومع بزوغِ الفجرِ ورحيلِ الحشود، تبقى أعمدةُ جرش شاهدةً على حكايةٍ جديدةٍ كُتبت في دفترِ التاريخ، بطلها الإنسانُ الذي يرفضُ إلا أن يبني من خيالِ الأجدادِ واقعاً يفيضُ بالأمل.

​جرش.. حيث يغفو التاريخُ على كتفِ الضوء
​ليست جرشُ مجردَ حجارةٍ مرصوصةٍ على مدى الزمان، بل هي نايٌ قديمٌ لا يزالُ يعزفُ للريحِ أغنياتِ الأجداد. هناك، حيث تهمسُ الأعمدةُ في أذنِ السماء، وحيثُ يعيدُ المكانُ ترتيبَ أنفاسِ الزائرِ لتتناغمَ مع نبضِ الأرضِ العتيقة، يدركُ المرءُ أنَّ الجمالَ ليس في المسافات، بل في تلكَ الروحِ التي تسكنُ تفاصيلَ المكان، وتجعلنا في كلِّ مرةٍ نتخيلها، نشعرُ أننا عدنا إلى "بيتٍ" كان يذكرنا قبلَ أن نولد. جرشُ ليست مجردَ مكانٍ ننتظرُ زيارته، بل هي حالةٌ من السكينةِ نصلُ إليها في أحلامنا، لنخرجَ منها أكثرَ حباً للحياة.


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

«الجنرال» يشعل فضول الأردنيين .. هل صنعت قيود الإعلام نجومية الحسابات المجهولة؟

لماذا أثارت المادة (21) من قانون الجامعات الجدل؟ .. قراءة في مخاوف آلاف العاملين

فيديو .. حادث سير مروع في الزرقاء

بيان مهم صادر عن القوات المسلحة الأردنية

الاعتداء على الجنرال The General Inspector .. حين تصبح كرامة المواطن الأردني قضية وطن

البوتاس والفوسفات توقعان اتفاقية لإنشاء مجمع صناعي

مشروع قانون الملكية العقارية .. 15 تغييرًا قد يؤثر في كل مالك أرض بالأردن

تنقلات بين كبار ضباط الأمن العام .. أسماء

وزير الإدارة المحلية يوجّه بالتحقيق في شبهة اختلاسات ببلدية في المفرق

إيران تستهدف الأردن .. والجيش يسقط صواريخ

إرادة ملكية بالموافقة على إجراء تعديل على حكومة حسان

القبض على مشتبه به بقتل فتاة أميركية في إيرلندا

بعد التطورات الأمنية الأخيرة .. مهم من موانئ العقبة

بعد المصادقة على حبسه .. الرياطي يفقد عضويته في النواب

الاقتصاد النيابية تقر مشروع قانون إلغاء المؤسسة الاستهلاكية المدنية