وحضرت غزة من دون تأشيرة دخول

وحضرت غزة من دون تأشيرة دخول

25-09-2026 03:40 AM

صحيحٌ أن المواضيع والقضايا المطروحة في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة كانت تنبئ بوضعٍ عالمي سيئ يتقدم نحو الأسوأ بخطى حثيثة؛ إلا أن الجيد في اجتماع الدورة الـ81 هو النبرة النّقدية العالية التي طغت على كلمات القادة والوفود المشاركة. فالطابع النقدي لخطابات القادة في الجمعية العامة للأمم المتحدة هذا العام اتسم بالحدّة والصراحة غير المسبوقة، حيث تحولت المنصة إلى ما يشبه ساحةً لمحاكمة النظام الدولي الحالي.

وكما نعلم جميعاً، فإن النقد - خصوصاً بالجرعة غير المسبوقة - يفيد الرفض وتراجع القدرة على التحمل؛ ومن ثَمَّ فإن هذا النهج الضيق المظلم الذي يتورط فيه العالم اليوم بات يتطلب مخرجاً وحلاً. وهناك قطرة معينة في جرعة النقد عندما تُضاف تفيض ساعتها الكأس ويصبح لازماً التصرف على نحو مختلف. هناك نقد صوري أحياناً، ولكن ما يميز هذه الدورة أن القادة المشاركين مارسوا نقداً يمكن توصيفه بالحقيقي والجاد، لكونه ناتجاً عن أضرار بالغة مست الدول وجعلت إدارة الشأن العام للشعوب أكثر صعوبة اقتصادياً ومناخياً أيضاً.

لقد شمل النقد دور مجلس الأمن وعجز القرارات، وازدواجية المعايير في الموقف من الصراعات الدولية الراهنة، والنظام المالي العالمي المجحف، ومسألة إدارة الذكاء الاصطناعي، وصولاً إلى عدم إيفاء الدول الكبرى المتعهدة بسنوات من الالتزامات ذات الصلة بقضايا المناخ وتغيراته. هذا بشكل عام أهم مدارات خطابات النقد غير المسبوق في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة.

غير أن أهم مضمون من المضامين النقدية كان من نصيب غزة، وهذا وفق تقديرنا نقطة إيجابية جداً؛ حيث إن غياب الرئيس الفلسطيني عن الحضور - بسبب عدم تحصله على تأشيرة الدخول للعام الثاني على التوالي، والاضطرار إلى قيام الجمعية العامة بالتصويت لصالحه ليلقي كلمته عبر تقنية الفيديو - أكسب قضية غزة حضوراً مضاعفاً والتفافاً أكبر من ذي قبل حول المظلمة والإبادة المستمرة. في حين أن صعود رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى المنصة لإلقاء كلمته شهد انسحاباً جماعياً غير مسبوق؛ حيث غادرت وفود أكثر من 140 دولة القاعة بشكل منسق وشامل بمجرد اعتلائه المنبر، وهو ما يمثل ثلثي أعضاء الجمعية العامة للأمم المتحدة تقريباً؛ تعبيراً عن الاحتجاج الدولي العارم وعزلة إسرائيل الدبلوماسية الخانقة.

ماذا يعني شبه الإجماع على مناصرة غزة فوق منبر الأمم المتحدة، وفي مناسبة مثل أعمال الجمعية العامة، وفي زمن سياسي حرج جداً؟

لا شك في أنّ عدداً كبيراً من الدول قد خرج عن صمته منذ اشتداد خطة الإبادة، وتحول قتل الأطفال والنساء في غزة إلى عمل ممنهج يهدف إلى تصفية الوجود الفلسطيني. وقد تم التعبير عن ذلك على امتداد الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة؛ ورأينا كيف أن الاعترافات بالدولة الفلسطينية عرفت نقلة كمية ونوعية. ولكن الجديد هو أن هذه المواقف المتناثرة قد أصبحت أقوى في رمزيتها عندما تجمعت في مناسبة اجتماع أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة؛ فكانت الصورة مصادقة شبه جماعية على الإدانة ورفض استمرار الإبادة، حيث ظهر هناك شبه إجماع في توصيف كثير من رؤساء الوفود الرسمية المشاركة على أن ما يحدث في غزة تطهير عرقي، واستنكار لعمليات تقتيل النساء والأطفال ومعاناتهم، وصولاً إلى ما جاء على لسان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بأن ما يحدث في غزة والضفة «مشهد ينبغي أن يخجل منه الجميع»، وتساءل عن مصداقية المجتمع الدولي إذا وقف مكتوف الأيدي، إضافة إلى إعلانه رسمياً التزام بلاده بالاعتراف بدولة فلسطين ضمانة لأمن المنطقة.

والواضح أن الخطاب العام المناصر لما تتعرض له غزة من تطهير عرقي وتصفية جسدية ليس نتاج موقف إنساني أخلاقي، وإلا لما تأخر هذا الموقف إلى الآن، كما أن العالم في العادة لا يدار بالمواقف الإنسانية بدليل ما يتخبط فيه العالم حالياً من أكثر من 60 صراعاً متزامناً.

إن ما يبعث على قليل من الارتياح هو أن العالم قد فهم أخيراً أنه لا أمن عالمياً، ولا سلام، إلا بالاعتراف الفعلي بقضية الشعب الفلسطيني، وأن تجاهل حل الدولتين - الذي يعد أقصى ما يمكن أن يقبله الفلسطينيون والعرب - هو الحل الذي لا يقبل المهادنة ولا التجاهل، ولا المزيد من إضاعة الوقت.

والجديد أن الأزمات الاقتصادية الموجعة، وتشابك الصراعات في منطقة الشرق الأوسط، وعلاقة كل الصراعات بالقضية الأم (القضية الفلسطينية)، قد أنتج وعياً أكثر واقعية ودولية في مقاربة الصراع الفلسطيني العربي - الإسرائيلي. بل إن جزءاً كبيراً من العالم بات يستشعر أن خسارته من مجازر إسرائيل، وإصرارها على قتل حل الدولتين بقتل الفلسطينيين وإبادتهم في قطاع غزة حتى تقضي على فكرة الحاجة إلى دولة لهم، ستكون بالنسبة إلى مصالحهم خسارة اقتصادية وأخلاقية أكبر مما كانوا يظنون، وبذلك بدأ العالم يرى كرات النار عن قرب، وهذا في حد ذاته أمرٌ لا بأس به.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

نتنياهو يعزي عائلات قتلى السعودية .. ورسالة عن مستقبل الشرق الأوسط

المفرق: تلقيح 36.5 ألف رأس غنم وماعز

مجلس الوزراء يوافق على صكوك إسلامية لأمانة عمان بقيمة 400 مليون دينار

استهداف جديد في مطار الرياض .. حريق في صالة المسافرين

أسس جديدة لخدمة المناطق غير المخدومة والحد من النقل مقابل أجر

التربية ترعى حفل إطلاق الاستراتيجية الوطنية للتغذية المدرسية

مدير الأمن العام يفتتح المبنى الجديد لمركز تدريب مكافحة المخدرات

اليوم .. الأردن على موعد مع أمطار غزيرة .. والأرصاد تحذر من السيول

الصناعة والتجارة تؤهل 280 منشأة صناعية ميكروية وصغيرة للتدريب والإرشاد الفني

توغل إسرائيلي في سوريا ينتهي باختطاف 3 رعاة أغنام

الهميسات يسأل عن نتائج برامج «جيدكو» وآليات الرقابة على المنح والتمويل

الصفدي: الأردن يقف مع السعودية في كل ما تتخذه لمواجهة العدوان الحوثي

الكرك حارسة الذاكرة .. تعليله تراثية كركية على الرصيف

تركيا وباكستان بدل الكيان .. !

هجوم مطار الرياض يفتح فصلا جديدا من التصعيد الإقليمي

الأردنيون على موعد مع رسوم عبور هذا الطريق .. توضيح آلية الدفع

بعد 18 عاماً من أول محاولة .. هل يصنع الأردن سياراته أخيراً وكم ستنخفض أسعارها؟

قطع أراضٍ سكنية بانتظار الأردنيين .. من يحق له الاستفادة

إعفاء السيارات الأميركية يقترب .. هل تنخفض الأسعار وتتغير الخريطة؟

الأردنيون على موعد مع أمطار وسيول .. وهذا موعد الذروة

أمطار رعدية وبرد وعواصف رملية في الأردن

شتوة الزيتون ليست كما يعتقد الأردنيون .. خبراء يحسمون الجدل

جملة للفنان زهير النوباني تشعل ردود الفعل .. ماذا قال وكيف رد الأردنيون

جماجم بشرية ورفات في الكرك تحيّر الأردنيين .. ما القصة

يزن النعيمات يعود إلى العشب .. نجم ينتظره الأردنيون قبل كأس آسيا

الكشف عن هوية القتيل الاردني بمطار الرياض

ملامحه صينية ولهجته أردنية .. قصة يوسف يو الذي حوّل اختلافه إلى جسر بين عالمين

انخفاض جديد على أسعار الذهب في الأردن .. وهذا سعر عيار 21

الأردنيون متفائلون .. ما القصة

إطلاق نار على شاب أردني في الفلبين .. والشرطة تكشف مفاجأة أثناء ملاحقة المتهم