منع الأراجيل في حدائق الأردن .. مخاطر خفية!
09-10-2026 05:32 AM
لم تكن توجيهات رئيس الوزراء الدكتور جعفر حسان بالتشديد على منع إدخال الأراجيل إلى الحدائق والمرافق العامة مجرد إجراء تنظيمي عابر، أو قرار يتعلق بالمظهر الحضاري للمدن، بقدر ما كانت خطوة ضرورية لاستعادة حق أصيل للمواطنين في بيئة نظيفة وآمنة، وفي مرافق عامة أُنشئت لتكون متنفسًا للعائلات والأطفال، لا أماكن يتزاحم فيها الناس على استنشاق دخان لم يختاروه، ولا يملكون دائمًا القدرة على الابتعاد عنه.
فالحديقة العامة ليست ملكًا للمدخن، ولا لغير المدخن وحده، وإنما هي مساحة مشتركة للجميع، تحكمها قاعدة بسيطة: حرية الفرد في ممارسة عاداته لا تمنحه الحق في الإضرار بصحة الآخرين أو الانتقاص من حقهم في الانتفاع بالمكان العام. ومن هنا، فإن منع الأراجيل في الحدائق ليس اعتداءً على الحرية الشخصية كما قد يصوره البعض، بل تنظيم مشروع لممارستها حين تتعارض مع حقوق الآخرين، شريطة أن يستند التنفيذ إلى القانون وأن تُطبق أحكامه بعدالة ووضوح.
ولعل أكثر ما يستدعي التوقف عنده أن الأرجيلة تحولت، خلال السنوات الماضية، إلى مشهد مألوف في بعض الحدائق والمطلات وأماكن التنزه، حتى بات من الصعب أحيانًا الفصل بين المكان المخصص للعائلات والمكان الذي تملؤه سحب الدخان ورائحة الفحم والتبغ. والمشكلة هنا لا تقف عند حدود الانزعاج من الرائحة، بل تتجاوزها إلى قضية صحية أثبتت الدراسات العلمية جديتها، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالأطفال وكبار السن والمصابين بالأمراض التنفسية.
لقد ترسخ لدى بعض المدخنين اعتقاد خاطئ بأن الأرجيلة أقل ضررًا من السجائر، لأن دخانها يمر عبر الماء قبل استنشاقه، أو لأن التبغ المستخدم فيها يحمل نكهات الفواكه والنعناع. غير أن منظمة الصحة العالمية تؤكد أن مرور الدخان بالماء لا يزيل المواد السامة، وأن الفحم المستخدم في تسخين التبغ يشكل بدوره مصدرًا لأول أكسيد الكربون ومواد ضارة أخرى. وبذلك، فإن الأرجيلة لا تقدم بديلًا صحيًا آمنًا عن السجائر، مهما اختلفت النكهات أو طرق الاستخدام.
والأمر ليس مجرد تحذيرات عامة. فقد خلصت مراجعة علمية واسعة نُشرت عام 2025، وشملت 191 دراسة رصدية وأكثر من 807 آلاف مشارك من 24 دولة، إلى وجود ارتباطات بين تدخين الأرجيلة وعدد من المشكلات الصحية، بينها أمراض القلب والرئة وبعض أنواع السرطان. ومع أن الباحثين أشاروا إلى تفاوت قوة الأدلة والحاجة إلى مزيد من الدراسات لتحديد حجم المخاطر بدقة، فإن النتائج تعزز ما استقر عليه الفهم الطبي من أن الأرجيلة ليست ممارسة خالية من الضرر.
وفي مراجعة علمية أخرى قارنت التعرض للدخان خلال جلسة أرجيلة واحدة بالتعرض خلال تدخين سيجارة واحدة، بلغ متوسط حجم الدخان المستنشق نحو 74 لترًا في جلسة الأرجيلة، مقابل نحو 0.6 لتر للسيجارة. وهذه المقارنة لا تعني أن مخاطر الأمراض ترتفع بالنسبة ذاتها، لكنها تكشف حجم التعرض الذي قد ينطوي عليه تدخين الأرجيلة، وتدحض الاستهانة بها باعتبارها مجرد وسيلة للتسلية.
على أن القضية الأهم في الحدائق العامة ليست صحة المدخن وحده، وإنما صحة الآخرين. فالطفل الذي يلعب بالقرب من مجموعة تدخن الأرجيلة، والأم التي تجلس مع أطفالها في حديقة مزدحمة، والمسن الذي يبحث عن مكان هادئ للتنزه، جميعهم قد يتعرضون لدخان التبغ وانبعاثات الفحم دون إرادتهم. وصحيح أن تركيز الدخان في الأماكن المفتوحة يتأثر بالمسافة والرياح وكثافة المدخنين، وأنه يختلف عن التعرض داخل الأماكن المغلقة، إلا أن الهواء الطلق لا يلغي بالضرورة خطر التعرض، خصوصًا عند الجلوس بالقرب من مصادر الدخان.
وفي الأردن، تكتسب هذه القضية أهمية مضاعفة في ظل الانتشار الواسع للتدخين. فقد أظهر المسح الوطني لعوامل الخطورة للأمراض غير السارية لعام 2019 أن نسبة تدخين التبغ بين الأردنيين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و69 عامًا بلغت نحو 42%، ووصلت بين الذكور إلى 66.1%. وهذه الأرقام، وإن كانت تتعلق بالتبغ بمختلف أشكاله وليست بالأرجيلة وحدها، تكشف حجم التحدي الصحي الذي تواجهه المملكة، وتؤكد أن مكافحة التدخين لا ينبغي أن تظل رهينة حملات موسمية أو قرارات متفرقة.
ومن هنا، فإن التوجيه الحكومي الأخير ينبغي أن يشكل جزءًا من سياسة وطنية متكاملة، لا أن ينتهي بانتهاء موجة الاهتمام الإعلامي به. فالأردن أطلق استراتيجية وطنية لمكافحة التبغ والتدخين بجميع أشكاله للأعوام 2024–2030، والمطلوب اليوم أن تنعكس أهداف هذه الاستراتيجية في المدارس والجامعات والمؤسسات العامة والحدائق والمرافق الرياضية، وأن تترافق إجراءات المنع مع برامج توعية ومساعدة حقيقية للراغبين في الإقلاع عن التدخين.
وقد أعلنت أمانة عمان الكبرى، في أعقاب التوجيهات الحكومية، إجراءات رقابية تشمل 145 حديقة أحياء وخمس حدائق كبرى والمطلات العامة، مع التأكيد على التوعية والتنبيه قبل تحرير المخالفات، وضبط الأنشطة التجارية العشوائية المتعلقة بتقديم الأراجيل. وهي خطوات تستحق الدعم، لكن نجاحها لن يقاس بعدد المخالفات المحررة أو الأراجيل المصادرة، وإنما بمدى التزام الجهات المعنية بحماية المرافق العامة بصورة مستمرة وعادلة.
وهنا تبرز مسألة قانونية لا يجوز إغفالها. فاحترام القانون لا يتحقق بمجرد إعلان المنع، بل يقتضي أن تكون الإجراءات والعقوبات مستندة إلى نصوص نافذة وواضحة، وأن يعرف المواطن ما هو محظور وما يترتب على مخالفته، وأن تُمارس صلاحيات الضبط والمصادرة ضمن حدودها القانونية. ومن واجب الجهات المختصة توضيح السند القانوني المنظم للمنع في الحدائق والمطلات المفتوحة، والتمييز بين المخالفات الفردية والأنشطة التجارية غير المرخصة، حتى لا يتحول القرار الصحيح في مقصده إلى مجال لاختلاف الاجتهادات في تطبيقه.
كما أن العدالة في التنفيذ تقتضي ألا تقتصر الرقابة على حدائق بعينها أو مناطق دون أخرى، وألا يتوقف تطبيق التعليمات عند حدود الأحياء الشعبية بينما تُترك المخالفات في مواقع أخرى. فالصحة العامة لا تعرف التمييز، والهواء النظيف حق للمواطن في شرق عمان كما هو حق له في غربها، وفي حدائق المحافظات كما هو في حدائق العاصمة.
ولا ينبغي أن يغيب عن المشهد أن مواجهة التدخين تحتاج إلى تغيير في الثقافة الاجتماعية بقدر حاجتها إلى النصوص القانونية. فالتوعية بأضرار الأرجيلة، وتصحيح الاعتقاد بأنها أقل خطرًا من السجائر، وتقديم القدوة داخل الأسرة والمؤسسات التعليمية، كلها عناصر لا تقل أهمية عن الرقابة. ولن يكون من المنطقي أن نطالب بحماية الأطفال من دخان الأرجيلة في الحدائق، بينما نتسامح مع تعرضهم له داخل المنازل والمركبات والأماكن المغلقة.
إن السوسنة، وهي تؤيد التوجه الحكومي لحماية الحدائق والمرافق العامة من دخان الأراجيل، ترى أن المطلوب ليس التضييق على الناس، وإنما حماية حقهم جميعًا في الاستمتاع بمرافق أنشئت بأموالهم ولخدمتهم. كما ترى أن الحزم في تطبيق القانون يجب أن يقترن بالعدالة والتوعية واحترام الحقوق، لأن القرارات التي تستهدف المصلحة العامة تكتسب قوتها من وضوحها وعدالة تنفيذها، لا من شدتها وحدها.
لقد آن الأوان لأن تستعيد الحدائق الأردنية وظيفتها الطبيعية، فتكون أماكن للعب الأطفال وممارسة الرياضة واجتماع العائلات واستنشاق الهواء النظيف، بعيدًا عن دخان التبغ والفحم. وليس من المقبول أن تضطر عائلة إلى مغادرة حديقة عامة لأن آخرين قرروا تحويلها إلى جلسة أراجيل مفتوحة.
فالحق في التدخين، حيث يسمح القانون، لا يمكن أن يتقدم على حق الآخرين في الصحة والسلامة، والحديقة التي تتسع للجميع يجب أن تحمي الجميع.
نحو مقاربة أردنية جديدة تجاه إسرائيل
الانتخابات الفلسطينية أم المشروع الوطني: أيهما له الأولوية؟
العراق والانسحاب الأمريكي: متى جفّت دماء المستنقع؟
منع الأراجيل في حدائق الأردن .. مخاطر خفية!
كيفية تحميل فيديوهات فيسبوك بجودة 1080p مع الصوت .. الأسباب والحلول
قبل الخروج الجمعة .. تعرف على درجات الحرارة في محافظات الأردن
أخطر ثلاثة مشاريع يمينية بعد طوفان الأقصى .. والمسمار الأخير في نعش الاحتلال
50 باحثًا من الجامعة الأردنية ضمن أفضل 2% عالميًا
المبالغة في اعداد الادارات الاكاديمية في الجامعات
23 باحثا من اليرموك ضمن أفضل 2% من علماء العالم - أسماء
الاقتصاد الإيراني: اختبار التحويل لا اختبار الموارد
جملة للفنان زهير النوباني تشعل ردود الفعل .. ماذا قال وكيف رد الأردنيون
تصعيد صهيوني واسع جنوب لبنان بالتزامن مع مقتل ضابط وإصابة 3 عسكريين
بعد 18 عاماً من أول محاولة .. هل يصنع الأردن سياراته أخيراً وكم ستنخفض أسعارها؟
قطع أراضٍ سكنية بانتظار الأردنيين .. من يحق له الاستفادة
الأردنيون على موعد مع أمطار وسيول .. وهذا موعد الذروة
شتوة الزيتون ليست كما يعتقد الأردنيون .. خبراء يحسمون الجدل
قبل التوجه للمعصرة .. خطأ شائع في نقل الزيتون يفقدك جودة المحصول
مقتل الأردني محمد الحشايشة في شيكاغو .. تفاصيل اللحظات الأخيرة داخل متجره
تنكة الزيت قد تتجاوز 100 دينار .. وارتفاع مرتقب لأجور العصر
ملامحه صينية ولهجته أردنية .. قصة يوسف يو الذي حوّل اختلافه إلى جسر بين عالمين
انخفاض جديد على أسعار الذهب في الأردن .. وهذا سعر عيار 21
حوادث وجرائم مروعة تهز قلوب الأردنيين .. تفاصيل ما حدث
التوجيهي إلكتروني هذا العام .. التربية تكشف تفاصيل الامتحان الجديد
بعد اختراق FBI .. الأردن يطيح بعضو بارز في مجموعة قرصنة وابتزاز رقمي
بعد اتهام الأردن بالتقصير .. الداخلية توضح أسباب أزمة جسر الملك حسين
هآرتس: وثيقة إسرائيلية تصنف مصر والأردن "عدوتان"
حشد 100 ألف جندي .. السعودية تجهز ضربة عسكرية واسعة للحوثيين