فرجة مسلية في البرلمان المغربي

فرجة مسلية في البرلمان المغربي

16-10-2026 03:58 AM

لا يمكن تصوُّر فرجة مسلّية في المغرب دون استحضار مشاهد البرلمان، التي ينقل التلفزيون بعضها بالبث المباشر؛ وما يتعذّر نقله صارت تتكفل به المواقع الإلكترونية والصفحات الاجتماعية، ما دام الكل يندرج في حكم الصحافي، المواطن صحافي، والبرلماني صحافي، وسائق التاكسي صحافي… يكفي أن تلتقط مشاهد فيديو بهاتفك المحمول وتوزّعه عبر فضاءات «النت» حتى تصير منتميًا إلى مهنة المتاعب، رغم أنف الإعلاميين الفعليين!
وبذلك، لم تعد المشاهد المسلّية أو الساخرة مقتصرة على طائفة من البرلمانيين فحسب، بل انتقلت حتى إلى الذين يُقدّمون أنفسهم كصحافيين، وما هُمْ بذلك؛ على حد قول الشاعر:

«كلٌّ يدّعي وصلاً بليلى… وليلى لا تُقرّ لهم بوصل»

وقد شوهد بعضهم منذ أيام، خلال افتتاح البرلمان، يطاردون النائبة الشهيرة ريم شباط، ويحاصرونها من كل جانب، حاملين هواتفهم وإسفنجات تشبه ميكروفونات، حتى كادوا يسقطونها أرضًا لولا الألطاف الإلهية، وهم يصرخون كما لو أنهم يُنادون على إحدى قريباتهم: «ريم… ريم… ريم… بغينا منك غير كليمة!» (نريد منك كلمة فقط) وذلك على غرار أغنية شعبية معروفة للمطرب المغربي الراحل حميد الزاهير، يقول فيها «للا فاطمة، عار ربي غير كليمة». ولكن السيدة البرلمانية كانت على عجلة من أمرها، فلم تنبس ببنت شفة، حتى وهي تركب سيارتها.
تركوها بعدما فقدوا الأمل، ولم يظفروا بالكلمة التي يتصوّرون أنها سترفع نسب المشاهدة وتحقق لديهم عائدات مالية مهمة؛ فلمّا وقعت أبصارهم على الممثلة فاطمة وشاي خارجة من البرلمان، أعادوا الكرّة معها، لعلهم يظفرون بصيد ثمين. طلبوا منها تعليقًا سريعًا على خطاب الملك في الجلسة الافتتاحية.
ولأن دهشة البداية وأجواء المؤسسة التشريعية ما زالت لم تفارق المسكينة، ابنة الشعب التي تحظى بتقدير المعجبين والمعجبات، فقد أجابت عن سؤالهم بعفوية وتلقائية قائلةً: «سيتطلب مني الأمر الإنصات مجددًا إلى الخطاب الملكي في البيت، من أجل القدرة على تحليله بتركيز أكثر». طبعًا، هذا الجواب لم يكن ليشفي غليل السائلين. ومن ثم، صارت الممثلة المذكورة موضوعًا للسخرية والتندر عبر حسابات الشامتين في منصات التواصل الاجتماعي. وما كان بإمكانهم أن يفعلوا ذلك لو أن فاطمة وشاي تنتمي إلى حزب آخر غير حزب مَن يُطلق عليهم «الإسلاميون».

سيرك البرلمانيين!

وإذا تركنا هذه المشاهد الغريبة التي وقعت خارج البرلمان، وولجناه عبر ما وصلنا من نقل تلفزيوني مباشر خلال جلسات انتخاب رئيس مجلس النواب، لوجدنا مشاهد أخرى أكثر غرابة، مشاهد تنطبق عليها مقولة الملك الراحل الحسن الثاني، أي «السيرك»، فقد فضّل عدد من النواب أن يَظهر وجودهم في هذه المؤسسة، لأول مرة، مُقترنًا بالهرج والمرج والصراخ والزعيق، وذلك من أجل إثارة الانتباه إليهم!
وهكذا، يبدو أن المغاربة تنتظرهم غرائب وعجائب متلاحقة خلال النقل التلفزيوني الأسبوعي لجلسات البرلمان، بعدما صارت المعارضة متعددة الألوان والأشكال والتيارات، ولم تعد مقتصرة على الاستثناء الذي كان يخلقه حزب ابن كيران، سابقًا، أمام أشرس حكومة التقى فيها زواج المال بالسلطة؛ إذ أمست المعارضة تشمل العلمانيين واليساريين والإسلاميين والليبراليين وغيرهم، وهي مِلل ونِحل إيديولوجية لا يمكن أن تلتقي أو تتفق فيما بينها أو تبحث عن قواسم مشتركة ـ غير موجودة أصلاً ـ في مواجهة حكومة، هي الأخرى خليط من المرجعيات المتناقضة، الاشتراكية والمحافظة والليبرالية.
والضحية من وراء كل هذا هو المواطن البسيط الذي استنزفه جشع المضاربين ومحتكري السلع والأسواق، كما استنزفته الزيادات المتتالية في أثمان المواد الغذائية والمحروقات وغيرها من المنتجات. وتحالفت عليه أيضًا قوانين جائرة فُصّلت على مقاس الطبقة المحظوظة من رجال الاقتصاد المقربين من ذوي القرار.

الحقيبة السحرية!

انتهت الانتخابات التشريعية، فاز من فاز، وخسر من خسر، وبقيت حكاية «الصاك» شاهدة على نموذج من الفساد الذي ما زال يعشش في عقلية بعض «تجار السياسة». و»الصاك» كلمة فرنسية صارت دارجة في العامية المغربية، وتعني الحقيبة الصغيرة التي تفننت الكاميرات في تصوير «كنوزها» وقدرتها على خلق العجائب السحرية، كما تفنن رسامو الكاريكاتير في إبداع قصص كارتونية لها، من باب النكتة السياسية التي كادت تنقرض من الإعلام المغربي تحت تأثير التوجيه الناتج عن الإغراءات المادية.
وتبدو استعمالات «الصاك» (الحقيبة) في السياق الانتخابي المغربي أشبه ما تكون بحيل الحاوي الذي يخدع البصر بإخراج حمامة من قبعة أو من منديل.
أما حزب «الصاك» فهو توصيف مجازي يحيل إلى الحزب الفائز بالمرتبة الأولى في انتخابات مجلس النواب، وذلك بسبب ارتباطه بواقعة تزوير محتملة في مكتب للتصويت في طنجة، حيث اتُّهم شابٌ بإدخال حقيبة تضمّ أوراق اقتراع، يُعتقد أنها استُخدمت لصالح حزب «الأصالة والمعاصرة». ووجّهت النيابة العامة الاتهام بالتزوير إلى أشخاص من بينهم عمدة المدينة المنتمي إلى الحزب المذكور. وسَارَ «الصاك» مَثلاً، وأيضًا شتيمة تُوَجَّه إلى أعضاء الحزب الأول من طرف خصومهم في سجالات المجالس البلدية، كما حصل في فاس والرباط والدار البيضاء!
وإذا أثبت التحقيق القضائي واقعة التزوير عن طريق «الصاك»، فسيكون الأمر محرجًا جدًا لحزب رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري؛ لأن «المقدمات الخاطئة تؤدي حتمًا إلى نتائج خاطئة» مثلما يقول المناطقة؛ إذ سينتصب تساؤل عريض وشائك: هل واقعة «الصاك» في طنجة حالة فريدة؟ أم توجد مثيلات لها في أماكن أخرى؟

«بيضة ديك»!

من حسنات الانتخابات التشريعية الأخيرة في المغرب، رغم ما سُجّل عليها من نقط سوداء، أنها أتاحت للصوت اليساري أن ينقل أفكاره وتصوراته إلى المواطنين عبر القنوات التلفزيونية والإذاعية، وحتى عبر الحوارات التي جرت في مواقع إلكترونية وشبكات التواصل الاجتماعي.
كان ذلك استثناء، أن يتحدث ناشط سياسي ينتمي إلى «تحالف اليسار» بجرأة عن الدستور وعن اختصاصات السلطات العليا وصلاحياتها، وأن يقوم بما يشبه «محاكمة» لرئيس الحكومة السابق، فالمسألة ليست مألوفة ولا معهودة، لا سيما في القنوات التلفزيونية والإذاعية العمومية التي تنضبط لمجموعة من «الخطوط الحمراء».
ولكن الاستثناء حصل، فقد تحدث اليساريون بمنتهى الحرية والأريحية، مُستفيدين من مساحة التعبير التي أتاحها الميثاق الإعلامي للحملة الانتخابية، وزعزعوا اليقينيات الجامدة بتحليلاتهم الدقيقة التي قد يتفق معها الكثيرون أو قد يختلفون.
كلام قوي جعل البعض يتساءل: أحقا نحن في المغرب؟ أم هي مجرد «بيضة ديك»؟ إذا حدثت (افتراضًا فقط) مرة واحدة فلن تتكرر أبدًا؟



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد