غناء الألم بين الإبداع وقسوة الزمن

غناء الألم بين الإبداع وقسوة الزمن

19-10-2026 09:47 PM

مهداه إلى الأستاذ الدكتور فواز عبدالحق الزبون
ليس الألم مجرد وجع يسكن الجسد، أو حزن عابر يمر بالقلب ثم يمضي، بل هو تجربة إنسانية عميقة تتشكل في أعماق النفس، وتترك بصماتها على الذاكرة والوجدان. وقد يكون الألم أحيانًا أقسى من أن يُقال، وأعمق من أن يُشرح، وأوسع من أن تحتويه الكلمات، لكنه يجد في الشعر منفذًا للتعبير، وفي الموسيقى صدى للروح، وفي الصمت لغة لا يدركها إلا من ذاق مرارة المعاناة.
ولعل أجمل ما في الألم أنه، على قسوته، قد يتحول إلى إبداع، وتصبح المعاناة التي أثقلت كاهل الإنسان مصدرًا للكلمة الصادقة، والصورة الشعرية العميقة، والتجربة التي تتجاوز حدود صاحبها لتصبح جزءًا من الذاكرة الإنسانية المشتركة. فكم من قصيدة ولدت من رحم الفقد، وكم من بيت شعر بقي حيًّا لأن وراءه قلبًا مكسورًا، وكم من أغنية عبرت الأجيال ؛لأنها حملت وجعًا عرف الناس بعض ملامحه في حياتهم.
إن غناء الألم ليس بالضرورة صوتًا مرتفعًا، ولا نواحًا معلنًا، بل قد يكون همسة في آخر الليل، أو دمعة حبيسة في عين متعبة، أو ذكرى تعود إلى صاحبها كلما ظن أنه تجاوزها. وقد يكون قصيدة يكتبها شاعر ليخفف عن نفسه، فإذا بها تصبح مرآة لآلاف البشر الذين لم يستطيعوا التعبير عما يختلج في صدورهم.
ولعل تجربة الشاعر إبراهيم ناجي في قصيدته الشهيرة «الأطلال» تقدم مثالًا واضحًا على هذا النوع من الغناء الذي يستمد قوته من الألم والحنين واستعادة ما مضى. فقد استطاع ناجي أن يجعل من تجربة الحب والفقدان نصًّا شعريًّا يتجاوز حدود الحكاية الشخصية، ليصبح تعبيرًا عن الإنسان حين يواجه انكسار أحلامه، ويقف أمام أطلال ما كان يتمنى أن يبقى.
فليس كل حزن متشابهًا، وليس كل ألم قابلًا للقياس بغيره؛ فهناك ألم الفراق، وألم الخذلان، وألم الغربة، وألم العجز عن الوصول إلى ما نحب، وهناك ألم أشد قسوة، حين يشعر الإنسان بأن الحياة قد أخذت منه ما لا يستطيع تعويضه. ومع ذلك، فإن هذه الآلام، على اختلاف مصادرها، تلتقي في نقطة واحدة: حاجة الإنسان إلى أن يُسمَع، وأن يشعر بأن معاناته ليست مجهولة أو منسية.
ويزداد الألم عمقًا حين يجتمع الفقد بالغربة، ويُحرم الإنسان من وطنه وأهله، ويصبح البعيد عنهم أسير الذكريات. وقد تجلت هذه المعاني في تجربة الشاعر البارودي، الذي عانى النفي بعيدًا عن وطنه وأحبائه، فكان الحنين إلى ابنته سميرة إحدى الصور المؤثرة في تجربته الإنسانية والشعرية.
وقد عبّر البارودي عن حضور ابنته في وجدانه بقوله:
«تأوَّبَ طيفٌ من سميرةَ زائرُ
وما الطيفُ إلا ما تُريه الخواطرُ»
إن الطيف هنا ليس مجرد صورة عابرة في المنام، بل هو استعادة وجدانية لإنسان غائب، ومحاولة من القلب لاسترداد لحظة حُرم منها صاحبها في الواقع. فالذاكرة، حين يعجز الجسد عن الوصول إلى من يحب، تحاول أن تصنع طريقًا آخر، ولو عبر الخيال والحلم.
وهكذا يتحول الشوق إلى غناء داخلي، وتصبح الذكرى وطنًا صغيرًا يلجأ إليه المنفي، حين تضيق به أرض الغربة وتثقل عليه المسافات. وقد تكون صورة الابنة الغائبة أشد حضورًا في القلب من كل ما يحيط بالإنسان في منفاه،؛ لأن المحبة لا تقاس بقرب الأجساد، بل بعمق الروابط التي تسكن الروح.
ولا يقتصر غناء الألم على شعراء الحب والغربة، بل يمتد إلى أولئك الذين واجهوا تقلبات الحياة، وشهدوا زوال القوة والجاه، ورأوا كيف تتبدل أحوال البشر، وكيف يختفي من ظن الناس أن ذكره لن يغيب.
وفي هذا السياق، نستحضر ما أورده عرار في رثائه الهَبِر، مستعيدًا صور الزوال وتقلب الزمن:
«أين جمشيدُ ابنُ كايوكباد؟
أين زال؟ زال الجميعُ وبادوا».
إن السؤال عن الذين مضوا ليس مجرد سؤال عن أشخاص غابوا، بل هو سؤال عن طبيعة الحياة نفسها. فأين الذين ملؤوا الدنيا حضورًا؟ وأين الذين ظنوا أن مكانتهم ستبقى إلى الأبد؟ لقد مضوا، وبقيت آثارهم وما تركوه من حكايات وذكريات. وفي هذا المعنى يتجلى الألم بوصفه وعيًا بفناء الأشياء، وإدراكًا أن الإنسان، مهما بلغت قوته، لا يستطيع أن يوقف حركة الزمن.
ولعل هذا اللون من الحزن يختلف عن حزن الفراق الشخصي؛ فهو حزن تأملي يتجاوز الفرد إلى الحياة، ويجعل من القصيدة وسيلة لفهم المصير الإنساني. فالشاعر لا يرثي الغائب وحده، بل يرثي معه زمنًا مضى، وعالمًا تغير، وأحلامًا لم يعد ممكنًا استعادتها كما كانت.
إن غناء الألم قد يكون غناءً للإنسان في ضعفه وقوته، وفي حضوره وغيابه، وفي قدرته على البناء وعجزه أمام بعض أقدار الحياة. وقد يكون اعترافًا صريحًا بأننا، مهما امتلكنا من معرفة وخبرة، نظل بشرًا تتأثر قلوبنا بما نفقد، وتشتاق أرواحنا إلى ما ابتعد، وتبحث نفوسنا عن معنى يخفف وطأة التجربة.
ولم يكن الألم يومًا حكرًا على الشعراء، وإن كانوا أكثر قدرة على منحه لغة وصورة وإيقاعًا. فهناك إنسان يتألم ولا يتكلم، وآخر يبتسم وفي داخله جرح لا يراه أحد، وثالث يحمل مسؤولياته بصمت؛ لأنه لا يريد أن يحمّل الآخرين أعباءه. وقد يظن الناس أن الصامت لا يعاني، وأن الذي لا يشكو قد تجاوز محنته، بينما الحقيقة أن بعض الآلام تزداد عمقًا كلما عجز صاحبها عن البوح بها.
وهنا تكمن إحدى المآسي الإنسانية: أن نحكم على معاناة الآخرين من ظاهر أحوالهم، وأن نتصور أن الإنسان القادر على العمل والعطاء لا يحتاج إلى من يواسيه، أو أن من اعتاد الصبر لم يعد يشعر بالألم.
إن الصبر لا يعني غياب الوجع، والقوة لا تعني أن القلب لا ينكسر، والنجاح لا يعني أن الطريق كان خاليًا من الأشواك. فقد يصل الإنسان إلى أعلى المراتب، ويحقق ما عجز عنه كثيرون، لكنه يحمل في داخله ذكريات مؤلمة لا يعرفها إلا القليل. وقد تكون ابتسامته ثمرة معركة طويلة مع اليأس، لا دليلًا على أن حياته كانت سهلة.
ومن أكثر صور الألم قسوة أن يأتي الجرح من موضع الأمان، وأن يتحول القريب إلى مصدر للخذلان، وأن يجد الإنسان نفسه وحيدًا في اللحظة التي كان ينتظر فيها يدًا تمتد إليه. فالغريب قد يؤلمنا بقدر ما نتوقع منه، أما خذلان القريب فيؤلمنا بقدر ما وضعنا فيه من ثقة ومحبة وأمل.
ولذلك كان الخذلان من أكثر التجارب حضورًا في الأدب الإنساني، لأنه لا يجرح العلاقة بالآخرين فحسب، بل يهز ثقة الإنسان في أحكامه وتوقعاته، ويجعله يعيد النظر في كثير من المواقف والذكريات.
وقد يظل السؤال يطارده طويلًا: هل أخطأت حين وثقت؟ وهل كان ما رأيته حقيقة،
ومع ذلك، فإن الألم لا ينبغي أن يكون نهاية الطريق. فليس المطلوب من الإنسان أن ينكر جراحه، أو يتظاهر بأن شيئًا لم يحدث، وإنما أن يتعلم كيف يحمل تجربته دون أن يسمح لها بتدميره، وكيف يستعيد قدرته على الثقة دون أن يفقد حكمته، وكيف يحافظ على إنسانيته دون أن يصبح أسيرًا لما تعرض له من قسوة.
إن تحويل الألم إلى إبداع ليس أمرًا سهلًا، ولا يحدث تلقائيًّا لكل من يعاني، لكنه يظل أحد المسارات التي يستطيع الإنسان من خلالها أن يمنح تجربته معنى. فالكلمة التي تخرج من قلب صادق قد تخفف عن صاحبها، وقد تمنح قارئًا مجهولًا شعورًا بأنه ليس وحده في مواجهة الحياة.
وليس كل ألم بحاجة إلى قصيدة، كما أن كل قصيدة ليست بالضرورة ثمرة ألم، ولكن التجربة الإنسانية تثبت أن المعاناة حين تجد عقلًا متأملًا وقلبًا قادرًا على التعبير قد تتحول إلى معرفة، وأن الحزن حين يُفهم بدل أن يُقمع قد يفتح أمام الإنسان أبوابًا جديدة لرؤية نفسه والعالم.
والقرآن الكريم يقدم لنا صورة عميقة عن الحزن الإنساني في قصة يعقوب عليه السلام، حين اشتد حزنه على يوسف، فعبّر عن ألمه بقوله تعالى:
«إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ»
(سورة يوسف، الآية 86).
إن هذه الآية الكريمة تكشف عن حقيقة إنسانية وروحية عميقة؛ فالحزن لا يناقض الإيمان، والشكوى لا تعني ضعف اليقين، والدموع لا تنتقص من صبر الإنسان. لقد اجتمع في قلب يعقوب عليه السلام ألم الفقد مع الثقة بالله، واجتمع الحزن العميق مع الأمل الذي لم ينقطع.
وهذا المعنى يفتح أمام الإنسان بابًا لفهم معاناته بطريقة مختلفة؛ فليس عليه أن ينكر ألمه حتى يكون قويًّا، ولا أن يخفي حزنه حتى يبدو صابرًا. إنما يستطيع أن يعترف بما يشعر به، وأن يلتمس العون ممن يثق بهم، وأن يستمد من إيمانه قوة تعينه على مواصلة الطريق.
إن الحياة لا تخلو من الخسارات، لكن الإنسان ليس مطالبًا بأن يسمح لكل خسارة بأن تسلبه مستقبله. وقد لا يستطيع تغيير ما حدث، لكنه يستطيع أن يختار كيف يتعامل معه، وكيف يحول ما تعلمه من التجربة إلى حكمة، وكيف يمنع جراحه من أن تتحول إلى قسوة على الآخرين.
فمن ذاق مرارة الألم يستطيع أن يكون أكثر رحمة بمن يتألم، ومن عرف معنى الوحدة يستطيع أن يمد يده إلى من يشعر بأنه منسي، ومن واجه قسوة الحياة يستطيع أن يساهم في جعلها أقل قسوة على غيره. وهكذا لا يعود الألم مجرد معاناة شخصية، بل يصبح فرصة لاكتشاف قيمة التعاطف، وأهمية الكلمة الطيبة، وضرورة احترام مشاعر الآخرين.
ولعل أجمل ما يمكن أن يتركه الإنسان بعد معاناته ليس الحزن الذي عاشه، بل الأثر الطيب الذي يصنعه رغم ذلك الحزن. فليس الانتصار أن نخرج من التجربة دون جراح، وإنما أن نخرج منها بوعي أعمق، وقلب أكثر رحمة، وإرادة لا تسمح للمحنة بأن تلغي قدرتنا على الحياة.
غناء الألم ليس احتفاءً بالوجع، بل محاولة لفهمه، وليس دعوة إلى الاستسلام للحزن، بل بحث عن المعنى الذي يجعل الإنسان قادرًا على تجاوزه. إنه الصوت الذي يخرج من أعماق التجربة، فيمنح الصمت لغة، والدموع معنى، والذكريات حضورًا، ويذكّرنا بأن وراء كل وجه حكاية قد لا نعرفها، ووراء كل صمت كلمات لم تجد طريقها إلى الكلام.
وهكذا يظل الألم، على قسوته، جزءًا من الحكاية الإنسانية الكبرى؛ منه تولد القصائد، وفيه تتشكل الذكريات، ومن خلاله نتعلم أن نكون أكثر فهمًا لأنفسنا وللآخرين. وقد يغني الإنسان ألمه شعرًا، أو يكتبه حبرًا، أو يحمله صمتًا، أو يرفعه دعاءً إلى السماء. لكن المهم ألا يفقد، وسط كل ذلك، قدرته على الأمل، وألا يسمح للجرح بأن يسرق منه إنسانيته.
فربما لا نستطيع أن نمنع الألم من طرق أبوابنا، لكننا نستطيع أن نتعلم كيف نستقبله دون أن نستسلم له، وكيف نحول بعض آثاره إلى معرفة، وبعض ذكرياته إلى حكمة، وبعض دموعه إلى رحمة بالآخرين.
ذلك هو غناء الألم: أن يتحدث الجرح بلغة الجمال، وأن تتحول المعاناة إلى معنى، وأن يبقى في قلب الإنسان، مهما اشتدت عتمة الطريق، خيط من نور يدلّه على مواصلة الحياة.
ومن أعمق صور الألم عند البري فقد أبنائه: ابنته سمية، وولديه عمار وعامر، الذين رحلوا عن الدنيا، تاركين في قلبه جراحًا لا تندمل وذكريات لا تغيب. ففقد الأبناء من أشد التجارب الإنسانية قسوة، إذ لا يفقد الأب أبناءه فحسب، بل يفقد معهم أحلاماً رسمها، وأياماً كان يتمنى أن يعيشها بقربهم، ومستقبلاً كان يرجو أن يراهم فيه. لقد رثى البري ابنته سمية بكلمات تنبض بوجع الأب المكلوم، فقال: «إني على القبر أمضي الليل يدفعني، وجدي عليك فأطويه ويطويني، ردي علي فإن الرد يشفيني، واسمعيني نداءً منك يحييني، إني أبوك وقلبي فاطر الألم، فمن على الأرض من جرحي يداويني». وفي فقدانه لولديه عمار وعامر، اللذين رحلا صغيرين، اجتمع في قلب الأب حزنٌ مضاعف، إذ رحل الطفلان قبل أن تكتمل أحلامهما، وقبل أن يراهما أبوهما يكبران أمام عينيه ويشقان طريقهما في الحياة. وقد عبّر عن إيمانه بقضاء الله وقدره قائلاً: «عمار وعامر عند الله أودعتُهما، وعند الله تُودع الودائع». هذه الكلمات، على قصرها، تحمل معاني عميقة من الإيمان والتسليم، فالأب الذي أثقلته الفواجع يجد في إيداع أبنائه عند الله عزاءً يخفف عنه مرارة الفراق، ويستمد من إيمانه قوةً تعينه على مواصلة الحياة. وهكذا أصبح رثاء سمية وعمار وعامر وجهاً عميقاً من وجوه غناء الألم في تجربته، فالشعر عنده ليس كلمات تُقال، بل ذاكرة أبٍ يحفظ بها ذكرى أبنائه، وصوت قلب يعبر عن حب لا ينتهي بالموت.
إن البري استلهم من تجارب الألم الإنساني، وتأمل في مراثي الشعراء، ولعل من أكثر التجارب الشعرية تأثيرًا فيه تجربة الخنساء في رثاء أخيها صخر، الذي احتل مكانة عظيمة في قلبها، حتى أصبح فقده جرحًا عميقًا رافقها في حياتها، وخلّدته في قصائدها. وتقول الخنساء في رثاء أخيها صخر: «تبكي خُناس على صخر وحقَّ لها إذ رابها الدهرُ إن الدهر خوّانُ». تكشف هذه الأبيات عن عمق العلاقة بين الأخت وأخيها، وعن حجم المعاناة التي عاشتها الخنساء بعد فقده. فلم يكن صخر بالنسبة إليها مجرد أخ، بل كان سندًا وملاذًا ومصدرًا للأمان والقوة. ولذلك لم يكن بكاؤها عليه حزنًا عابرًا، بل كان تعبيرًا عن فقد إنسان ارتبطت به عاطفيًا وإنسانيًا، وشعرت بأن رحيله ترك فراغًا كبيرًا في حياتها. أما قولها «إن الدهر خوّان» فيعبّر عن نظرتها إلى الحياة بوصفها متقلبة لا تضمن للإنسان بقاء من يحب، مهما كانت مكانتهم في قلبه. فالزمن يحمل اللقاء والفراق، ويمنح الإنسان لحظات سعادة، ثم قد يفاجئه بفقد يغيّر مجرى حياته. ومن هنا، يصبح الرثاء وسيلةً لمقاومة النسيان، وحفظ مكانة الراحل، والتعبير عن الوفاء الذي لا ينتهي بانتهاء الحياة. ولعل ما جعل تجربة الخنساء قريبة من وجدان البري هو إدراكه أن الألم ليس نوعًا واحدًا، بل تتعدد صوره بتعدد التجارب الإنسانية، فهناك ألم الإعاقة، وألم الحرمان، وألم نظرات المجتمع، وألم فقد الأبناء والأحبة، وقد وجد في تجربة الخنساء مثالًا على قدرة الشعر على تحويل المعاناة الشخصية إلى أثر إنساني خالد، يصل إلى قلوب الآخرين مهما اختلفت الأزمنة والظروف. وهكذا يلتقي رثاء الخنساء لصخر مع تجربة البري في غناء الألم، فكلاهما جعل من الشعر وسيلةً للتعبير عن وجعٍ عميق، وحفظ ذكرى من أحب، وإيصال رسالةٍ إنسانية تؤكد أن الفقد لا يُقاس بالكلمات، وأن العلاقات الصادقة تترك في النفس آثاراً لا يمحوها الزمن. فالشعر الصادق لا يكتفي بتسجيل الحزن، بل يكشف قيمة الإنسان في حياة الآخرين، ويمنح مشاعر الحب والوفاء صوتاً يبقى حاضراً في الذاكرة.
وعلاقة الإعاقة بالألم ليست مجرد وجعٍ في الجسد، بل هي تجربة إنسانية أعمق وأشد تأثيراً، إذ تمتد إلى نظرات الآخرين وكلماتهم وأحكامهم، حيث يُحاصر الإنسان أحياناً بنظرات الشفقة، ويُختزل وجوده في إعاقته بدل أن يُنظر إلى فكره وإنجازه. هنا يظهر الألم الحقيقي، ليس في حدود الجسد، بل في حاجته الدائمة لإثبات إنسانيته، ونيل الاعتراف بقدراته لا بشكله. كثيراً ما يُقاس الإنسان بما لا يملك، لا بما يصنعه، فتتحول الإعاقة في نظر بعض الناس إلى حاجز أمام الإبداع، مع أن الإبداع لا يولد من سلامة الجسد، بل من قوة العقل والإرادة، ومن تحويل الألم إلى معرفة، والتحدي إلى إنجاز. ومن هنا تتضح المفارقة المؤلمة، فبدل أن يُحكم على الإنسان بعقله وعلمه، يُحكم عليه بما يبدو عليه من مظهر، وكأن الإعاقة تُقيم سوراً بينه وبين الإبداع. إن أعمق ما يُتعب الإنسان ليس حدوده الجسدية، بل اضطراره لأن يثبت في كل مرة أنه قادر، وأنه يستحق أن يُسمع صوته، لا أن يُشفق عليه. لقد علّمتني التجربة أن الألم قد يكون نظرةً وكلمةً وموقفاً، لا مرضاً ولا عجزاً، وأن الإعاقة لا تُطفئ الموهبة، ولا تُنقص من قيمة الإنسان. فالمبدع لا تصنعه سلامة الجسد، بل يصنعه العقل والإرادة والقدرة على تحويل المعاناة إلى إبداع، والتحديات إلى إنجازات، وهكذا تستعيد الحياة معناها بين الصبر والأمل.


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

خبير اقتصادي يحذر الأردنيين .. استعدوا لسيناريوهات صعبة

التربية توضح للسوسنة السبب وراء حذف صور طالبات مدرسة جرش

عطلة الـ3 أيام لموظفي الحكومة .. ما حقيقة تطبيقها نهاية الشهر

خدمة جديدة من الضمان الاجتماعي للمشتركين والمتقاعدين .. تفاصيل

الدجاج الصيني في الأردن .. ما القصة؟

ترفيع وإحالات إلى التقاعد في الحكومة .. أسماء

17 ألف تنكة زيت فارغة تثير الشبهات في إربد .. ما القصة؟

اعتداء جماعي على طفل في إربد .. تفاصيل

لا تسلم مركبتك لغير المرخصين .. الأمن العام يوضح العقوبات

المملكة على موعد مع تقلبات جوية .. أمطار وغبار وتغيرات بالحرارة

مقاطعة أربع جهات تأمينية الأحد .. ماذا ينتظر المرضى؟

تصريح عن تصفيق الأردنيين لصواريخ إيران يشعل ردود الفعل

عرّوه وصوّروه وكسروا جمجمته .. تفاصيل صادمة عن خطف طالب إعلام في إربد

عنوان رقمي مرتبط بهويتك .. تعديل جديد على التبليغات القضائية في الأردن

5 وفيات و8 إصابات .. رصاص وانفجار ودهس واعتداء في فواجع هزت الأردن